الطاووس الابيض لمنال سالم
بتبظ على الآخر
تثاءبت أختها وهي ترد عليها
ربنا يكفينا شړ عينيها
قالت لها همسة وكأن اقتراحها كان مطروحا للتنفيذ
مش كنا إدينها أي سندوتش ولا حاجة
نظرت لها من طرف عينها في ضيق ثم عقبت بتأفف
خسارة فيها اللقمة دي واحدة ما بيطمرش فيها المعروف
بس
وقبل أن تكمل جملتها كانت والدتهما تطل برأسها من باب الغرفة تسألهما
إنتو لسه ساهرنين يا بنات
بادرت همسة بالرد وتلك الابتسامة الناعمة تزين وجهها
خلاص يا ماما هنام
أومأت برأسها في حركة تلقائية وقالت
طيب يا حبايبي تصبحوا على خير
استرخت همسة على الفراش ترد عليها
وإنتي من أهله يا ماما
أغلقت آمنة الباب على كلتيهما بعد أن أطفأت الإضاءة ساد الصمت للحظات قبل أن تقطعه فيروزة بصوتها المائل للنعاس وهي مطبقة على جفنيها
بأقولك إيه تبات ڼار تصبح رماد كله بيتنسى فمتحطيش في بالك
تنهدت أختها في رجاء وقلبها القلق يدعو
يا ريت
لم يتجه مباشرة إلى منزله بل تجول في المناطق المجاورة بغير وجهة محددة حتى تمكن التعب من قدميه تلفت حوله باحثا عن مقهى ما زال يستقبل زبائنه لكن أغلب المحال قد أغلقت أبوابها بسبب برودة الطقس الذي كان كالنسمات على وجهه المشتعل تطلع تميم إلى ساعة يده كان الوقت قد تأخر بالفعل لم يجد بدا من العودة إلى زوجته تلكأ في خطواته
وأثناء صعوده الدرج معتقدا أنها ربما تكون قد استغرقت في النوم وما إن دس المفتاح في قفله وفتح الباب حتى وجدها في استقباله نكس رأسه مرغما حتى لا يرى نظراتها المعاتبة لكن صوتها المتلهف اخترق أذنيه وهي تسأله
إيه اللي أخرك يا حبيبي
كان تميم فاقدا للرغبة في مسايرة ما تعايشه من أحلام يقظة وردية لذا رد بفتور وتعب
عادي
استنكرت خلود رده المقتضب معها ومع ذلك اقتربت منه تمسح على ظهره برفق وحنو أراحت رأسها على كتفه وابتسمت له قائلة
ولا يهمك يا حبيبي المهم إنك رجعتلي
ثم انخفضت نظراتها لتتأمل ثيابه التي بدت مختلفة سألته والدهشة تعتريها
إيه ده هو إنت غيرت هدومك في حاجة حصلت يا تميم وأنا معرفهاش
أجاب بغموض أربكها
متقلقيش
ثم حرر نفسه من ذراعها المحاوط لكتفه ليسير نحو غرفة النوم مشت خلفه تسأله في ضيق وقد فاض بها الكيل من تجاهله لها
ماتسبنيش كده على ڼاري قولي في إيه
نفخ أولا بزفير مسموع قبل أن يجيبها مضطرا حتى تكف عن أسئلتها السمجة
مافيش اتبهدلت في حوار كده وعديت على أمي أغير هدومي بدل ما أمشي بمنظري ده في الشارع
سألته كأنها تحقق معه
هو إنت اتخانقت تاني
أجاب بضيق
ولا خناقة ولا نيلة كبري دماغك
سبقته في خطواته حتى اعترضت طريقه سلطت أنظارها عليه وهتفت بإصرار عنيد
لأ مش هاكبر أنا
صاح بها في قوة وقد نفذت طاقته
خلود كفاية أنا مش ناقص خاوتة!
انتفضت من صوته المجلجل حاولت أن تستخدم الرقة معه لتستنبط منه الحقيقة التي يخفيها عنه اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه تلمسته في رقة حتى لامست أناملها جانب عنقه أسبلت نظراتها الساهمة نحوه تقول له
أنا خاېفة عليك يا تميم لو حصلك حاجة ھموت وبعدين دلوقتي أنا مراتك وليا لي حق عليك
طالعها بنظرة غريبة ملتزما بصمته المريب وكأن الكلمات تأبى الانصياع له ومجاراتها في مشاعرها المهتمة به أولاها ظهره واستدار عائدا نحو صالة المنزل اندهشت من تصرفاته التي تدعو للاسترابة لحقت به تسأله
إنت رايح فين دلوقتي
وجد نفسه يجيبها ودون أن يكلف نفسه عناء التطلع إليها
طالع السطح مخڼوق وهاقعد شوية لوحدي فوق
هتفت من خلفه بما يشبه اللوم
أنا مشوفتكش طول اليوم وحتى الساعة اللي هانقعد فيها سوا هتسبني لوحدي!
أمسك بالمقبض يديره ثم قال بنبرة عازمة
معلش سامحيني المرادي أنا على أخري!
ثم حانت منه التفاتة سريعة من رأسه وهو يعدها
وهاعوضك بعدين
لوت ثغرها قائلة بتجهم كبير وامتعاض يعبر عن عدم رضائها عما يفعله
طيب براحتك
أضاف بجمود
ولو عاوزة تنامي ف
قاطعته بما لا يدع مجالا للنقاش
لأ هستناك أنا مش جايلي نوم أصلا
هز رأسه في تفهم وهو يرد
ماشي
خرج تميم من المنزل صافقا الباب بقوة جعلت أطرافها تهتز لا إراديا وبنظرات غائمة ووجه مكفهر حملقت خلود في شرود وذاك السؤال الحائر يتردد في عقلها
يا ترى إيه اللي حصل وشقلب كيانك كده يا تميم!
تراءى له بوضوح ما يجب أن يفعله معه بعد أن اكتملت أجزاء الصورة الناقصة خاصة وأن أحد رجاله قد أبلغه بعودته من السفر وقف بدير أمام باب المنزل ينقر برأس عكازه عليه في قوة استقام في وقفته التي تعبر عن هيبته وسطوته منتظرا مجيئتها لتفتحه له وها قد صدق توقعه ووجد بثينة تقف عند أعتابه تتأمله بنظراتها الناقمة على الحياة ومن فيها وبكل غلظة وخشونة سألها
المحروس ابنك شرف
نظرت له شزرا قبل أن تجيبه
الناس بتقول سلامو عليكم الأول يا حاج بدير!
رفع عكازه أمامها ليشير به وليجبرها على
التنحي للجانب حتى يمر رمقها بنظرة غامضة وهو يرد عليها
لا سلام ولا كلام ابنك البغل رجع من السفر
اغتاظت من شتمه له وقالت على مضض
أيوه ونايم جوا يريح چتته من تعب السفر
حدجها بنظرة أخرى عبرت عن ازدرائه لها ثم اندفع نحو الردهة مما استفزها سألته من خلفه وهي تسابقه في خطواته
إنت رايح فين يا حاج
قال باقتضاب
هافوقه
قطبت جبينها في اندهاش حائر لم تدع الفضول يأكلها فسألته بتعبيراتها الحادة
هو في إيه
تلك النظرة الاحتقارية التي تعلو وجهه كانت تستحقها لم يرح بالها وأجابها بنفس الغموض المثير للأعصاب
ابنك عارف
استاءت من تلاعبه معها فصاحت به
هو إنت هتكلمني بالألغاز أنا لازم أفهم في إيه جيتك السعادي مش طبيعية وراها حاجة!
جلجل صوته وهو يحذرها
خليكي برا الليلة دي أحسن يا بثينة
ليلة! يبقى الموضوع فيه إن!!
تمتمت بتلك العبارة والشكوك ملأت صدرها فحضور زوج أختها في ذلك التوقيت الشاذ يوحي بکاړثة وشيكة لحقت به تراقب ما يفعله وجدته يلكز ابنها المسجى على الفراش في جانب جسده بقسۏة مستخدما عكازه مما جعله ينتفض مذعورا وغاضبا في نفس الآن خاصة وهو يهينه
اصحى يا حرامي
كان على وشك سب من تجرأ وأيقظه من غفلته لكنه تدارك نفسه بعد أن حلت عليه الدهشة واختلطت مع مخاوفه همس
بصوته المهتز الثقيل
هه جوز خالتي!!
نظر له بدير في احتقار ثم أهانه بغيظ وهو يكز على أسنانه
نايملي ومدلدل كرشك يا كلب قوم واتعدلي كده
مسح هيثم لعابه المنساب من جانب فمه بظهر كفه ثم فرك رأسه متسائلا في توتر ورائحة أنفاسه الكريهة تكاد تصل إليه
في إيه يا جوز خالتي
تأفف منه وهو يتفحصه في دقة ملاحظا تلك الحمرة المريبة التي تحتل حدقتيه مع فقدانه للاتزان وجه عكازه نحوه ليلكزه پعنف في صدره وهو يأمره بصوته الأجش
اقف على حيلك وأنا بأكلمك!
سألته بثينة والاستغراب يعتري كامل ملامحها
في إيه يا بدير عاوز من ابني إيه
الټفت نحوها ينظر لها في حنق ثم أدار رأسه نحو هيثم يطالعه في غموض قبل أن تمتد يده لتهوي على صدغه بصڤعة قاسېة مؤلمة تردد صداها في أركان الغرفة وجعلته يتأوه من شدة تأثيرها هتفت بثينة في جزع
ابني
اخشوشنت نبرة بدير وتحولت للشراسة وهو يوجه اتهامه نحوه
بتسرق بيت خالتك يا حرامي!
فرك هيثم جانب وجهه الذي تخدل من عڼف الصڤعة وأنكر فعلته قائلا بصوته الحانق
أنا مسرقتكش!
هدر به زوج خالته بقوة
كداب
تدخلت بثينة تدافع عن ابنها باستماتة وقد وقفت بجسدها تحول بينهما
إنت جاي تتبلى على ابني يا بدير لأ وكمان بتضربه
أجابها بنفس الصوت الغاضب ونظراته المشمئزة مسلطة على هيثم
هو عارف عمل إيه!
تفاجأت بثينة كليا وشهقت مصډومة حينما قال ابنها بغتة ومعترفا بجريمته
أيوه عملت كده وسرقتك
لطمت على صدغها تقول في دهشة وقد شخصت أبصارها
هيثم! إنت عملت إيه
أجابها صائحا ورذاذ لعابه يتناثر في الهواء
أنا خدت حقي منه
رد عليه بدير مستنكرا وقاحته
حقك حق مين يا أبو حق
تابع هيثم هدره الناقم
حق أبويا اللي راح فداكم زمان!!!
للحظة توقف الزمن وعاد إلى الوراء حيث تجلت المشاهد القديمة في ذهنه بوضوح مدهش كان غريب والد ذلك الوقح لا يزال على قيد الحياة ويشكو مرارة العيش وصعوبة توفير النفقات آنذاك جاء إليه يتوسله أن يقرضه المال لينفقه في إقامة مشروع صغير سيجني منه الأرباح ويسدد ديونه المتراكمة واقترح عليه أن يفتتح محلا لبيع الطلاء يكون مملوكا له بعد سداد كامل قيمته وفي المقابل يشاركه في الأرباح وافق وقتها ومنحه كل الدعم المادي ليقف على قدميه ولم
يطالبه بسداد الأقساط المستحقة إكراما لرجاء زوجته بالوقوف إلى جواره ودعمه لكن أطماع غريب ورغبته في الثراء السريع جعلته يغش في تجارته استبدل الجيد من مواد الطلاء بأخرى قليلة الجودة وبالرغم من نصائح بدير المستمرة له وتهديداته أحيانا بإنهاء العمل وفض الشراكة إلا أنه لم يرتدع أو يصغ إليه وأصر على ما يفعله ضاربا بكل تهديداته عرض الحائط حتى حدثت الفاجعة والتهمت النيران كل شيء وهلك هو معها لتحل الخسارة على جميع الأطراف عاد بدير من سرحانه في تلك الذكرى غير السارة وقد توحشت نظراته وكذلك نبرته حينما هدر
أبوك مۏت نفسه بسبب غشه وطمعه مش بسببنا وبلاش تخلط الأمور ببعض
رد عليه يلومه
عاوز تبرأ نفسك من دمه
هتف موضحا بصوت يشبه الرعد في قوته
احنا عملنا اللي علينا زمان وساعدناه وسيبناه يشتغل زي ما هو عاوز بس أبوك كان غشاش مصانش النعمة وكان ماشي ورا شيطانه لحد ما ضيع نفسه
ثم تحولت نظراته نحو بثينة وهو يتابع
وأمك عارفة بكده متقدرش تنكر!
أنكرت الحقيقة فادعت كڈبا
إنتو اللي عاوزين تاكلوا حقنا و
أخرسها على الفور بدير رافضا منحها الفرصة لتلفيق الأكاذيب بأسلوبها المبتذل في التلاعب بالأمور مستخدما عكازه في التلويح المهدد
حقكم خدتوه تالت ومتلت! ولولا العشرة وصلة الډم لكنت رميتلك ابنك يتعفن في السچن!
تطلعت إليه بعينين ناريتين عاجزة لوهلة عن الرد عليه وقد أوقظ ذكريات الماضي بكل ما فيها دب الړعب في بدنها وجحظت عيناها الحانقتين حينما هدد ابنها وبركان غضبه يثور فيهما
وإنت يا حرامي! هاعتبر الفلوس اللي إنت سرقتها من ورايا فدا عيالي بس قسما بالله لو اتكرر ده تاني هخليك تحصل أبوك وأدفنك بالحيا سامعني!
نظرة أخيرة محملة بالكراهية والشړ رمقها لكليهما قبل أن يتركها وينصرف من الغرفة التفتت بثينة نحو ابنها تعاتبه
ليه كده يا هيثم ليه خليته يبيع ويشتري فينا
وبوقاحة وعدم احترام دفع هيثم والدته من كتفها ليزيحها عن طريقه ليندفع نحو الخارج صارخا بها وغضبه المستعر يتجمع في عينيه بسرعة البرق
ابعدي عني يامه!
لم تتمكن من استبقائه في المنزل بعد أن أطاحت عاصفة بدير بكل شيء وقفت في مكانها تلطم على صدغيها حتى التهبا وهي تنوح في حسرة وسخط
منك لله يا بدير هتخسرني الواد اللي حيلتي !!!!
الفصل الرابع عشر
لا يعرف كم دخن من السچائر لينفث بها عن حنقه المكبوت والمشتعل في رأسه ناهيك عن الأحاسيس الجديدة التي اضطرمت بداخله وزادت من تأجج غضبه غير المفهوم لم يكن السبب فقط موضوع السړقة الذي أخفي عنه بل إهانة تلك الفتاة الثائرة له استثاره أنها لم تهابه ولم ترتدع من سمعته التي ربما تجعل البعض يفكر مرتين قبل أن يقترب منه كانت على النقيض من بني جنسها من النساء أنثى قوية شجاعة لا تهتز بسهولة وقادرة على الدفاع عن نفسها بشكل يثير الإعجاب والفضول أحس تميم بدبيب شيء ما يناوشه من بعيد لكنه لم يفقه إليه بعد ورغم ذلك ما زال حانقا لعدم إفراغ غضبه كان وجهها المتشنج بنظراتها الڼارية لا يزال محتلا لمخيلته وكأنها طيف حي يزداد سطوعا مع استمرار تفكيره فيها قاوم تلك الأحاسيس الغامضة التي استحوذت عليه مستعيدا موقفها الأخير بإلقاء الماء العكر في وجهه أمام الحاضرين استغله ليقضي على تلك اللمحة المحيرة التي تشوش ذهنه وتجعله غير قادر على اتخاذ موقفا صارما نفخ في غل ردد مع نفسه في استنكار مستهجن وكأنه يفكر بصوت مسموع
مش أنا اللي يتعمل فيا كده مين دي أصلا!
قڈف بقدمه حجرا مهملا كان موجودا على مقربة منه ثم تقدم خطوة نحو السور المنخفض لسطح منزله ورفع قدمه ليستند به عليه تطلع بغير هدى في الفراغ المعتم أمامه بعينين تقدحان شررا وقد أدرك أنه في حيرة من أمره فليس من شيمه أن يقتص لحقه من النساء وإن كانت مذنبة فهذا يناقض ما نشأ عليه فلو كانت رجلا لأبرحه ضړبا ولجعله عبرة لمن في المنطقة لكنها امرأة! عاد ليفكر مليا وبعمق فيما فعلته مختلقا لها الأعذار ربما لم تكن كما اعتقد وأساء الظن بها وما تطاولت به عليه كان دفاعا مشروعا عن حقها في الحصول على لقمة العيش لكن ليس من المعتاد أن تمتهن النساء بتلك الأعمال المٹيرة للريبة خاصة وأنها تمتد لساعات متأخرة من الليل كذلك هو رأى بعينه تجمعات مختلفة لمجموعات من الشباب الضاحك المحتشد بجوار عربتها ناهيك عن وجود بدائل أخرى من الأعمال النسائية مما لا تثير الشبهات عاد تفكيره ليدينها وقد ظن أن ذلك ربما يكون ستارا خفيا لاصطياد الرجال وارتكاب المحرمات تحت غطاء العوز والفقر كور قبضة يده وضغط عليها بشدة حتى ابيضت مفاصله همس مع نفسه في ضيق مزعج
أنا كده متكتف هاتصرف معاها إزاي
في تلك الأثناء ضجرت خلود من انتظارها غير المجدي بمفردها في المنزل ټضرب أخماسا في أسادس تترقب عودة زوجها إليها أحست بضرورة وجودها إلى جواره حتى وإن كان معترضا ومع تغلغل تلك الرغبة فيها فقدت آخر ذرات صبرها لذا قررت الذهاب إليه متحملة تبعات تلك الخطوة ربما تنجح بدلالها وغنجها الأنثوي في امتصاص عصبيته وتثبيطها ومن ثم استدراجه ليبوح لها بأسراره لفت الوشاح الصوفي حول كتفيها وأحكمت ربط حجاب رأسها ثم سحبت مفتاح المنزل ودسته في حافظتها الجلدية الصغيرة أغلقت الباب خلفها واتجهت للدرج كانت تعدو صعودا بأنفاس متهدجة وقفت عند مدخل السطح تتطلع إليه بعينيها الساهمتين خيل إليها أنه هدأ قليلا بعد مكوثه لساعات بالأعلى لكنها سمعته يهمهم بكلمات غير مفهومة دنت منه بهدوء تام عل أذناها تلتقط ما يقوله باتت على بعد خطوتين منه ولم تستمع إلا لأصوات أنفاسه الغاضبة وسباب حانق يلعن به أحدهم سألته بتلقائية
إنت
بتكلم نفسك يا حبيبي
انتبه لوجودها فتقلص وجهها الحانق أكثر رمقها بنظرة لا تبشر بخير وهو يسألها في عصبية
خلود بتعملي إيه هنا
ضبطت نبرة صوتها حتى لا تظهر قلقها عليه قبل أن تجيبه
جيت اطمن عليك يا حبيبي
ثم أراحت رأسها على كتفه وتابعت مبدية اهتمامها به
الجو مش برد عليك
أبعد رأسها عنه وكأنها حية تلدغه ثم أمرها بخشونة
انزلي الشقة وماتطلعيش تاني!
تطلعت إليه في انزعاج واضح لم تصغ إليه وسألته بوجه اكتسب ملامحا جادة
مالك يا تميم إيه اللي مغيرك
هدر بها بصوته المتشنج
يوووه هو إنتي لازم تعصبيني كل شوية
انتفضت من صراخه بها وتراجعت لا إراديا خطوة للخلف لتكون في مأمن من غضبته ازدردت ريقها وهتفت بما يحمل العتاب
تميم اهدى في إيه لكل ده أنا مراتك مش حد غريب!
لانت نبرتها قليلا حينما أكملت موضحة
وبعدين أنا قلقت عليك وخۏفت يجيلك برد فطلعت أشوفك ما أجرمتش يعني
نظر لها بشكل غامض كانت محقة في أسباب قلقها اختفت الجدية من صوت خلود ليحل الاختناق عليه وهي تلومه مستشعرة بقوة أنه لا يبادلها أي نوع من المشاعر المهتمة
ليه دايما بتحسسني إنك مجبر عليا وإني حد غريب عنك
رد بجمود
أنا حابب أكون لوحدي مش حكاية يا خلود!
لأ يا تميم حكاية ورواية كمان!
وجدت صعوبة في إكمال جملتها بصلابة حتى كلماته لا تشفق عليها ولا تظهر أي نوع من التعاطف معها وكأنها مخلوق من حجر لا يتأثر ببرودة مشاعره انسابت دموعها ونكست رأسها في خذلان وهي تستطرد
أنا قولتلك من الأول لو مش عاوزني متكملش!
كالخڼجر الحاد طعنته جملتها في صدره وأشعرته بتأنيب الضمير لماذا وحدها تتحمل جرائر انفعالاته وهي التي تكاد ټموت شوقا لكلمة ناعمة منه استنشق الهواء البارد حتى يستعيد انضباط أعصابه عليه أن يصلح ما أفسده تنهد بقنوط بدت حركة قدميه ثقيلة وهو يخطو ناحيتها ليعتذر منها
متزعليش
تراجعت قبل أن يلمسها تصرخ فيه بمرارة ووجهها أغرق بالكامل بدموعها الحاړقة
مش كل مرة كده أنا بيصعب عليا نفسي وأنا بأحاول بكل الطرق أرضيك وإنت
اڼفجرت باكية فعجزت عن مواصلة الحديث إحساسه بالذنب وخز وجدانه أكثر خطا نحوها وامتدت ذراعه لتمسك بها من معصمها وبحركة واحدة قوية جذبها إليه وخبأها في أحضانه بكت خلود بشهقات متقطعة على صدره في حين مسح برفق على ظهرها وقبل أعلى جبينه متابعا اعتذاره النادم
أسف يا خلود معلش استحميلني شوية
رفعت وجهها الباكي إليه تطلعت إليه في ألم ثم ردت عليه
أنا معنديش مانع أصبر العمر كله بس معاملتك تتغير معايا أنا ماستهلش ده منك
وجد صعوبة في الابتسام وهو يقول
حاضر يا حبيبتي كل اللي إنتي عاوزاه هيتنفذ بس
متعيطش!
تنفست بعمق لتسيطر على نوبة بكائها كذلك حاول متناسية آلامها المعنوية كفكفت بظهر كفها عبراتها وسألته
ها هتنزل معايا ولا آ
أجابها دون تفكير
نازل يا ستي مبسوطة
حركت كتفيها في غنج ثم عضت على شفتها السفلى وهي ترد
شوية
حاوطها من ظهرها وضمھا إليه وسار معها نحو باب السطح فأحست بالدفء يغلف جسدها تنهدت في ارتياح صامت ونظرت له عن قرب وهي تهمس له ويدها تتلمس صدره النابض بقوة
ربنا يخليك ليا يا حبيبي
ربت على جانب ذراعها دون أن ينبس بكلمة آملا في نفسه ألا يستبد به الڠضب من جديد فلا ترى هي أو غيرها وجهه الخفي الذي يحاول كبحه
سهرة ذكورية متأخرة أقامها أعلى سطح منزله الذي يقطن فيه بمفرده ولكن بصحبة أتباعه ليقوموا بخدمته وتلبية احتياجاته من إحضار المشروبات المثلجة وتجهيز نارجيلته كلما انطفأ حجرها التزم ناجي الصمت أغلب الوقت وكأنه
يحيا في عالم خاص به مكتفيا بإخراج سحب الدخان الكثيفة بعد أن تنتهي مهمتها في إحراق رئتيه من جوفه وفتحتي أنفه لم يكن رائق المزاج أو كعادته المعروفة في إلقاء النكات السمجة أو القبيحة ليلهب الأجواء جثا شيكاغو على إحدى ركبتيه ليضع الفحم المتقد في مكانه بالنارجيلة متسائلا في فضول وعيناه تجولان على وجهه
مالك يا ريسنا في حاجة معكرة مزاجك
أجاب باقتضاب زاد من الفضول
يعني
سأله مبتسما وكأنه يملك عصا سحرية قادرة على فعل المستحيل
طب إيه المطلوب ونعدل المزاج يا كبير
لوح له بخرطوم النارجيلة قبل أن يجيبه
مالوش لازمة!
ومن الخلف تساءل حمص في اهتمام
أومال الريس تميم فين مش هيسهر معانا ولا إيه
رد عليه شيكاغو بما يشبه المزاح
شكل الجواز هيجي على دماغنا
علق عليهما ناجي بزفير ثقيل وكأن شيء ما يجثم على صدره
لأ مش كده بس انسوه خالص اليومين دول!
ارتفع حاجب حمص للأعلى متسائلا
ليه بس
أجابه دون وعي بعد أن لعب الدخان غير البريء برأسه فأصبح غير قادر على التحكم فيما يتفوه به
أصل شوية بنات شوارع عكننوا عليه مزاجوا ومش طايق حد
توهم شيكاغو أنه يتحدث عن مشاجرة شديدة ربما تكون قد وقعت بين تميم وإحدى الساقطات اللاتي يتخذن أماكن معينة في بعض المناطق من أجل الحصول على متعة غير شريفة في مقابل حفنة من النقود فقال عارضا خدماته
لأ دول معروف تمامهم إيه إدينا بس الإشارة!
عقب عليه في فتور وقد شعر بالثقل يجتاح رأسه
بعدين غيرلي الحجر لأحسن مش عاجبني!
تحول في لحظة إلى التابع المطيع وهو يرد مبتسما بابتسامة سخيفة أظهرت اتساخ أسنانه
أوامرك يا كبير
أجاد ما يفعله معه واسترسل معه بمكر عله يحصل على معلومات مفيدة ربما يوضفها لصالحه بعد أن طرأ بباله فكرة جهنمية وما إن انتهى منه حتى تركه يستمتع بالټدخين ليعود إلى رفيقه الذي كان يبتلع الطعام بشكل مقزز مال عليه يسأله بصوت خفيض
إيه رأيك ياض يا حمص لو خدنا بونط ووجبنا مع الريس تميم
رد متسائلا والرذاذ المختلط باللعاب يتناثر من فمه
هنعمل إيه يعني
غمز له بطرف عينه ثم لكزه وهو يرد بصوت خفيض
هفهمك بعدين بس أشوف ريسنا!
نهض من رقدته حاملا طبقا مليئا بالسوداني وبعض المكسرات ليضعه بجوار ناجي تأكد من عدم حاجته إليه ليرجع إلى صديقه تبادل معه حوارا هامسا أطلعه فيه على ما يدور في رأسه بعد أن تشكلت فكرته العبقرية حيث راودته فكرة السعي للاڼتقام ل تميم والاقتصاص له بعد أن باح له ناجي في غير وعي منه عن حنق الأول مما صار معه ورغبته في إھانتها بعد أن عبثت بهيبته في مقابل نيل مبلغ مالي كبير يسد به كليهما عوزهما ونجح بحنكته اللئيمة في أن يحصل على بعض المعلومات الأساسية عن تفاصيل المشاجرة مع الفتاة رد عليه حمص بوجه تظهر عليه علامات التفكير
مالوش لازمة بت إيه اللي هنتخانق عشانها إنت شكلك لسعت!
رد عليه بعقلانية حتى يقنعه بالاشتراك معه في رسم تلك الخطة
ياض مايبقاش مخك ضلم هنطلعلنا بقرشين كده منه وهو فلوسه حلوة وكتيرة خلينا نروق على نفسنا والحكاية مش هتاخد مننا غلوة احنا بس نفكر ونرتب هنعملها ازاي وامتى
حك طرف ذقنه يفكر في العرض الشيطاني ثم ما لبث أن سأله مستفهما وقد راقت الفكرة له
وهنعرف البت دي منين
جاوبه في انتشاء مغتر
بسيطة صاحبك معلم وبيعرف يجيب أرار أي حاجة!
هز رأسه في استحسان متابعا تعليقه عليه بما أكد له موافقته الصريحة على الاشتراك فيما يريد فعله وتلك النظرة الغامضة الوضيعة تتوهج في حدقتيه
على رأيك
وأهوو نستفيد بأي حاجة بدل ما الدنيا مأشفرة على الآخر معانا دوس يا برنس وأنا معاك!
لوح بيده لأحد عماله ليكمل تعبئة الأقفاص بالخضروات الموضوعة في الأجولة ثم استدار سائرا نحو المكتب الخشبي ليسحب المقعد الجانبي حمله تميم في خفة وبيد واحدة ووضعه على مقربة من والده الجالس بالخارج ومنهمك في تناول قهوته ومطالعة الصحيفة كنهج يتبعه يوميا جلس بجواره ونظراته المعاتبة تغطي وجهه تنهد في ضيق وتطلع إليه بتردد ليقول مستهلا حديثه معه
ينفع كده يا حاج أبقى أنا آخر من يعلم بالسړقة اللي حصلت
في البداية لاذ بدير بالصمت وسدد له نظرة غريبة قبل أن يقول بامتعاض ظاهر على قسماته
هي أمك برضوه انسحبت من لسانها وقالتلك
رد بهدوء ادعاه
أنا اللي ضغطت عليها عشان تقولي هي مالهاش ذنب يابا بس كان المفروض تعرفوني وأنا هاتصرف!!
ترك بدير فنجان قهوته ليحتج بنبرة تميل للضيق وقد تملك منه الانزعاج لانفلات لسان زوجته وإفشائها للسر
هو أنا مش مالي عينك!
لعق ابنه شفتيه وضبط صوته حتى يحافظ على هدوء نقاشهما حينما قال
لأ يابا مش القصد بس بردك آ
قاطعه والده بلهجته الصارمة منهيا الحوار في ذلك الموضوع تحديدا
خلاص يا تميم موضوع وراح لحاله
رفض ترك الأمر وسأله مستوضحا بإلحاح عنيد
يعني إنت عرفت اللي سرقنا
لوى ثغره يجيبه بتحفز
أيوه وخد جزاته خلاص!
لم يرغب بدير في نبش تفاصيل السړقة حتى لا يوغر بينه وبين زوجته ويفسد علاقتهما بسبب أخطاء الغير خاصة أن الأمر يمس شقيقها وأمها وبخبرته الحياتية الطويلة عمد إلى تغيير النقاش فيه فأمر ابنه بما لا يقبل المجادلة
انساه وخلينا نشوف الطلبيات اللي ورانا مش هانفضل نلك كتير في حاجات مالهاش تلاتين لازمة!!
كان مدركا لطبيعة والده في إنهاء النقاش حينما يحتدم رد مستسلما بالرغم من تذمره الظاهر عليه
حاضر يابا اللي يريحك
نهض من مقعده واستعد لإعادته إلى مكانه حينما سمع صاحب الصوت الرجولي المألوف يهتف
سلامو عليكم
الټفت تميم برأسه للجانب ليجد أحد أصدقائه الأعزاء ممن جمعهم العمل في البداية بسبب الأباء قبل أن يتحول الأمر بين الأبناء إلى ود وصداقة أعمق بالرغم من سنوات الحبس ترك المقعد واتجه إليه ليصافحه وهو يرحب به بحرارة شديدة
وعليكم السلام! منور الدكان والحتة كلها يا منذر!
منذر طه حرب هو أحد الشخصيات الرئيسية في رواية الدكان والتي سبق نشرها الكترونيا عام 2018 في ذلك المشهد يحل ضيفا على عائلة سلطان حيث تربطهما روابط الصداقة والعمل والتي تعود لجيل الأباء كذلك كانت زوجة منذر الأولى خلال تلك الأحداث مټوفية ولم يكن قد التقى بعد ب أسيف معشوقته
بادله منذر المصافحة والحضن الرجولي رابتا على ظهره بقوة قبل أن يبتعد عنه ليتابع باهتمام
منور بأصحابه وحسكم دايما فيه إزيك يا حاج بدير عامل إيه
رد عليه الأخير بلطف وتلك الابتسامة الهادئة مرسومة على شفتيه
يا أهلا وسهلا بالغالي ابن الغالي أنا الحمدلله في نعمة
وقف منذر قبالته مكملا ترحيبه المهتم وهو يمسح على كتفه بود كنوع من التوقير له
والحاج سلطان أخباره إيه
بخير والحمد لله
تلفت حوله باحثا عنه وهو يسأله
هو فين يا حاج أنا مش شايفه
أجابه بدير
شوية وهينزل الدكان يقعد معانا
ابتسم معلقا عليه
ربنا يديه الصحة ده بركتنا كلنا
دنا تميم من صديقه وضع المقعد الخشبي أمامه ليدعوه للجلوس عليه ثم استطرد متسائلا
إيه يا ابن العم جاي في مصلحة ولا زيارة
تنحنح منذر في خفوت قبل أن يجيبه بنبرته القوية الرنانة
الاتنين عندي شغل قريب منكم هنا فقولت أعدي أسلم على الحبايب
رد بدير في امتنان وتقدير
الله يسلمك ابن
أصول وفيك الخير والحاج طه أخباره إيه ودياب
تنهد وهو يرد
كلنا تمام وفي فضل من ربنا
مال بدير نحوه يسأله وقد استند بكفيه على رأس عكازه
إيه مش ناوي تتجوز زي أخوك
بدت آثار المفاجأة السارة جلية على ملامحه الټفت في بهجة نحو رفيقه يهنئه بعد أن نهض من مكانه ليحتضنه مجددا
مبرووك يا تميم بالله ما أعرف والله فرحتك أوي
رد الأول مجاملا
الله يبارك فيك يا صاحبي مش ناوي تعملها إنت تاني
قال معترضا على الفور وتلك النظرة المهمومة بائنة على تعابيره
لا يا سيدي كفاية مرة وأديك شايف لعڼة الجواز عاملة فينا إيه!
علق عليه بدير بنبرته الرزينة
ربنا يصلح حال عباده بكرة تقابل بنت الحلال اللي تستاهلك يا منذر
قال له بصوت فيه مسحة من الأسى
أنا راضي بنصيبي بعد المرحومة
أصر عليه
الله يرحمها بس دي سنة الحياة الأمر مايسلمش من واحدة تاخد بالها منك تراعيك وتشوف شئونك وتجيب عيال يشيلوا اسمك ويكونوا امتداد ليك
ضغط منذر على شفتيه قليلا وقال
اللي فيه الخير يقدمه ربنا
هتف تميم عاليا ومستخدما يده في الإشارة
هاطلبلك شاي ولا تحب أجيب قهوة ولا أقولك نجيب فطار أجدع من ده كله و
قاطعه معتذرا في لباقة
لا الله يكرمك أنا تمام التمام أنا بس جيت أرمي السلام وماشي
رد مدهوشا وقد تبدلت تعابيره للضيق قليلا
هو إنت لحقت يا منذر
تنحنح يقول له بابتسامة مهذبة
معلش يا صاحبي ورايا مصالح كتير متعطلة ويدوب الوقت يكفي ده غير إن ورايا مشوار سفر طويل خليها وقت تاني
طب عاوز أشوفك هنتقابل إزاي
على تليفون بقى إن أنجزت بدري هاعدي عليكم
أخرج زفيرا بطيئا من جوفه قبل أن يرد
ماشي يا ريس
لوح منذر بيده يودعهما
أشوفكم على خير مع السلامة!
في حفظ الله!
راقبه تميم بعينيه حتى توارى عن أنظاره واختفى في الزحام انتبه لجملة والده حينما استطرد يشكر مجيئه لزيارتهما
فيه الخير ابن طه
رد تميم يؤيده في مدحه والثناء عليه
عيلة حرب كلها ولاد أصول ويعرفوا في الواجب يابا
معاك حق
رفع تميم يده ليضعها أعلى رأسه ليفركها بحركة دائرية وهو يقول بنبرة عازمة
طيب يابا أنا هاروح أقف على إيد العمال وأشوف الطلبية اتقفلت ولا لسه
أومأ برأسه يرد عليه
ماشي يا ابني
مضى اليوم على كلتيهما بهدوء ودون أن يعكر صفوه أي شيء فخالهما خليل سافر في مأمورية عمل وزوجته الحشرية غادرت أيضا لتذهب في زيارة قصيرة لعائلتها بالبلدة وبالتالي ترك لهما المجال والحرية لمزاولة عملهما بعربة الطعام مع فارق بقاء والدتهما آمنة بالمنزل لشعورها بالإعياء لم تجد الفتاتان أي وقت لإضاعته وعملتا بجد لإرضاء الزبائن وتحصيل النقود وضعت فيروزة السندوتش الآخر الذي انتهت من تغليفه في الكيس الورقي وأضافت معه بعض المناشف الورقية لتدير رأسها في
اتجاه أختها ثم استطردت تقول بلهجة جادة
بأقولك إيه عاوزين نقفل بدري شوية عشان نشوف ماما شوفتي شكلها عامل إزاي النهاردة طول اليوم مأريفة
لم ترفع همسة عينيها إليها بل بقي تركيزها منصبا على قلي شطائر اللحم وهي ترد عليها
شكلها خدت دور برد
عللت التعب الذي أصاب والدتها قائلة
ما ده الموسم بتاعه وناس كتير تعبانة
توقفت للحظة عن الكلام لتسلم الطلب لزبونها وابتسامة عملية تزين وجهها ثم تابعت بصيغة آمرة ويدها تمسح بمنشفة نظيفة الرخامة الملطخة ببقايا المسطردة
المهم خلصي اللي في إيدك عشان أسلمه ونرجع لماما
هزت رأسها وهي تقول
ماشي على طول
لم تلاحظ إحداهما هذين الشابين المرابطين في نقطة تواجههما مباشرة وكأنهما يتربصان بهما بشكل مريب ويدعو للقلق نفخة خفيفة لبقايا السېجارة الزهيدة الممسوكة بين إصبعيه قام بها شيكاغو قبل أن تتحول نظراته
نحو حمص الذي سأله بتأهب
هما دول
أجابه وهو يلفظ الدخان من بين شفتيه
على حسب كلام المعلم ناجي مافيش إلا هما في المنطقة
سأله من جديد كإجراء احترازي حتى لا يتسببا في إحداث الفوضى دون داع
يعني إتأكدت منهم ولا هنعمل فورتينة مشكلة على الفاضي
قال بنفاذ صبر وهو يلقي بعقب سيجارته ليدعسه تحت قدمه بحذائه القديم
يا ابني أنا لفيت الكورنيش كذا مرة ومافيش إلا هما ده غير إني سألت كام واحد من اللي واقفين بيبيعوا بالمحسوس عن اللي حصل مع الريس تميم وقالوا عن اللي شافوه والكل قال هي البت دي
توجهت نظراته نحو فيروزة التي تناول أحدهم كيسا مليئا بالطعام فرك حمص كفيه معا وقال بنبرة توحي باستعداده
مية مية كده احنا في السليم جاهز يا بونط
تبدلت نظرات شيكاغو للشراسة على نحو مخيف قبل أن ينطق
جاهز يا برنس بينا
وجه قميء منفر رمقها بنظرة غريبة تعكس شړا وخبثا وهو يدنو من العربة حينما حدقت نحوه بتلقائية من النافذة أمامها كان ممسكا بعصاه غليظة أو ما يطلق عليها شومة راودها شعورا غير مريح تجاهه فله تعابير شيطانية تبعث الانقباض لم تستطع إبعاد أنظارها عنه ولكن اكتسى وجهها بتعابيره الجادة حينما بات في مواجهتها مباشرة وبرسمية بحتة بادرت فيروزة قائلة له
معلش احنا قفلنا الأوردرات و
قاطعها شيكاغو بابتسامة وضيعة وتلك النظرات الملبكة للأبدان تجتاح عينيه
احنا مش جايين في أوردر يا حلوة
عبست ملامحها وقطبت جبينها مرددة في استغراب لا تنكر أنه وترها
نعم
انتبهت همسة للكلام المريب الذي شحنت به الأجواء وقد كانت في البداية منهكمة في غسل أدوات الطهي تحركت حدقتاها لتتجول على وجه الرجل الآخر الملاصق لذاك الفظ حينما استطرد
سمعتي عن المثل اللي بيقول اللي مالوش كبير بيشتريلوا كبير
نظرت فيروزة لكليهما شزرا قبل أن ترد بلهجتها المزعوجة
أفندم! إنتو جايين تهزروا هنا
تجاهل عبارتها ليضيف بكلمات موحية بشړ قادم وهو يرفع عصاه عاليا ليلوح به
وإنتو غلطتوا في كبيرنا!
كانت طريقته مستهلكة في بث الخۏف لكنها فعالة في التأثير على النفوس وبالرغم من تلك الرجفة التي تسللت إليها إلا أنها قاومت شعورها بالخۏف ووأدته في مهده قبل أن يتمكن منها لترد ببسالة
كبيركم مين ده هو احنا نعرفكم أصلا!!!
قست نظراته عندما جاوبها
لأ متعرفوناش! بس احنا رجالته واللي يمسه يمسنا
استجمع جأشها وتغلبت عن خۏفها الذي تضاعف قليلا لترد بهدوء حذر
طب امشي من هنا والله يسهلك احنا مش عاوزين مشاكل مع حد
أولته ظهرها لتستدير نحو أختها ثم دمدمت بصوت خفيض وكأنها بذلك تطرد الخۏف قبل أن يتمكن منها
هي ناقصة بلاوي على آخر الليل شكلهم مش طبيعي
على عكسها كانت همسة تتطلع إليهما في ارتعاب لعقت شفتيها مرددة بصوت مهتز
قلبي مقبوض يا فيروزة حاسة إن
لم تكمل جملتها للأخير فقد لمحت واحدا منهما يرفع عصاه في الهواء ليضرب بها نافذة العربة فتهشم زجاجها وكردة فعل تلقائية مذعورة جذبت أختها نحوها وهي تصرخ منادية إياها في هلع حتى لا تتناثر القطع الحادة على ظهرها
حاسبي يا فيروزة!
وبأعجوبة شديدة نجت الأخيرة من ضړبة قاسېة كادت أن تطالها من طرف العصا استدارت فيروزة تنظر في حنق لذلك الوغد الذي شرع في ټدمير حلمها بتحطيم واجهة العربة وتمزيق الإعلانات الملتصقة بها انتابتها نوبة من الهياج فصړخت به لتذود بشراسة منقطعة النظير عن خاصتها
إنتو اتجننتوا إيه اللي بتعملوه ده
على الفور ترجلت من العربة لتواجههما بمفردها وصرخات أختها المذعورة التي تتوسلها بالابتعاد عنهما تصدح من خلفها كانت مغيبة فلم تر سوى تصرفهما الشنيع انهال حمص بعصاه
على جانب العربة ليحدث التواء جسيما ببدنها حاولت إيقافه فاندفعت تلكم ظهره بقبضتيها وهي تلعنه لكنه دفعها من كتفها بخشونة فارتدت للخلف وسقطت على ظهرها چثت همسة على ركبتيها أمامها ترجوها باستماتة وهي تجاهد لمنعها من العودة إليه
لأ يا فيروزة احنا مش أدهم!
صړخت بهيسترية
سبيني عليهم
ردت پبكاء مڤزوع وصارخ
بلاش عشان خاطري هيأذوكي
تفاجأ المتواجدون بالمكان بما يحدث من تخريب للعربة حاول بعضهم التدخل لإيقافهما لكن ټهديد شيكاغو شديد العدائية والمقترن بإشهار سلاحھ الأبيض ذو النصل الحاد في يده الأخرى أجبر أشجع الرجال على التراجع بعد أن تلاشت بوادر الشجاعة دار في المكان وهدد صائحا بصوته الجهوري
محدش يتدخل لنجيب كرشه على الأرض!!!!!!
ولكونه ذائع الصيت في تصرفاته الإجرامية لم يتجرأ أحدهم على إيقافه وإلا لتحول لچثة هامدة وتركوه يفعل ما يحلو له صړخت فيروزة مستنجدة بمن حولها علها تجد من يتصدى لهما
الحقونا يا ناس هاتسيبوهم كده
ولكن لا حياة لمن تنادي الكل خذلها في لحظة انعدمت الشجاعة في نفوسهم واختفت المروءة فأداروا لها ظهورهم خوفا على أعمارهم مما سحقها تماما احتضنتها همسة بكل قوتها وجثمت عليها حتى لا تتحرر منها وتتورط بتهورها في تلك اللحظات المصيرية في کاړثة قد تودي بحياتها امتزجت أصوات صرخاتهما مع بكائهما المرير وفي دقائق معدودة كانت النيران تضرم في العربة لتحترق روح فيروزة معها وما إن انتهى شيكاغو من عمله حتى استدار نحوهما رفع عصاه الغليظة أمام وجهيهما يلوح لهما بها وصوته الخشن يجلجل عاليا لينذرهما
ده درسك ليكم عشان لما تتعاملوا مع أسيادكم تعرفوا مقامكم وتلزموا حدودكم!
وضع حمص يده على كتف رفيقه وهو يقول بنبرته المزهوة
الريس تميم مش هافية عشان شوية نسوان كسر تعلم عليه لأ وراه رجالة ينسفوا اللي يقرب منه!
كركر شيكاغو ضاحكا قبل أن يبتر ضحكته فجأة ليهينهما
سلام يا بياعين الكبدة!
رحل كلاهما تاركين ألسنة النيران تلتهم العربة وتقتلع روح فيروزة معها رأت بأم عينيها ما سعت لتحقيقه يذهب سدى ويتحول إلى رماد لم تتحمل قساوة الأمر كان لزاما عليها أن ټنتقم ممن أحرقها حية دفعت أختها عنها بقوة مستخدمة كفيها أسقطتها إلى جوارها ونهضت تركض في اتجاه الطريق تأوهت همسة من الألم وصړخت تناديها
رايحة فين يا فيروزة استني عشان خاطري!
قاومت الألم الشديد ولحقت بها اعترضت طريقها لتستوقفها ورجتها بأنفاس متهدجة
وحياة أغلى حاجة عندك تخليكي هنا!
كانت مدركة أن أختها حينما تنال منها عصبيتها العمياء تتحول للجنون وتطيح بكل شيء خلال ڠضبها الأهوج تملصت فيروزة منها صاړخة بلا وعي وڠضبها يتعاظم في عينيها كحمم البركان الملتهبة
ابعدي عني والله لأوريه تميم ده قسما بالله لأحرق قلبه زي ما حړق عربيتي مش هاسيبه إلا لما أرجعه السچن اللي جه منه!
كالمجذوبة والفاقدة لأهليتها اندفعت عبر الطريق غير عابئة بحركة السير فيه قطعته عدوا وبشكل چنوني وسط أبواق السيارات المتذمرة لرعونتها فشلت همسة في إيقافها فما كان منها إلا اللحاق بها وهي تصيح بها كرجاء أخير بائس حتى بح صوتها
يا فيروزة استني!
ركضت في اتجاه دكان عائلة سلطان الذي يطل على ناصيتين إحداهما للزقاق الجانبي والآخر لطريق فرعي يصل في نهايته للشارع الرئيسي كانت كامل نظراتها المحتقنة مسلطة على وجه تميم وقفت قبالته وهو جالس أمام المدخل وصدرها ينهج علوا وهبوطا مسحت بيدها عبراتها التي انسابت بلا توقف حدجته بنظرة ممېتة خالية من الحياة ثم نادته عاليا بنبرة أقرب للصړاخ بصوتها المجروح
إنت يا رد السجون