الطاووس الابيض لمنال سالم

لمحة نيوز


بأخلصه 
ثم توقف عن الكلام للحظة ليحوز على كامل انتباهها قبل أن يستأنف سؤاله
إنتي بقى بتعملي إيه هنا
التفتت إلى آمنة تجيبه بربكة طفيفة
أنا مع والدتي وآ 
قاطعها آسر ممررا يده إلى أمها وهو يرحب بالأخيرة بتهذيب
إزي حضرتك يا فندم
صافحته متسائلة بفضول واستغراب
أهلا بيك يا ابني إنت مين
تولت ابنتها الإجابة عنه فقدمته ببسمة متكلفة
ده يا ماما آسر بيه ظابط صاحب ماهر بيه أخو علا صاحبتي
وقبل أن تستشف منها المزيد من المعلومات كان خليل يقف على رأس الطاولة متسائلا بصوت أجش وعيناه محتدتان
في حاجة يا حضرت
وكالعادة لحقت به زوجته لتشبع فضولها النهم وتساءلت بابتسامة خبيثة
إنتي تعرفي الأستاذ ده يا فيروزة
استطرد آسر موضحا ونظراته تدور على جميع الأوجه المحدقة به
سوري يا جماعة إن كنت اقټحمت عليكم الأعدة بس حابب أعرفكم بنفسي وبالمرة أوضح سوء الفهم اللي حاصل 
مين ده يامه اللي واقف مع المزغودة دي
قبل لحظات تساءلت خلود في اهتمام مبالغ وعيناها مثبتتان على وجه عدوتها نظرت بثينة إلى حيث أشارت ابنتها ودققت النظر إلى ذلك الشخص الذي يرتدي بدلة أنيقة ويتبادل الحديث الحميمي نسبيا مع فيروزة مالت عليها وقالت بحيرة
ولا أعرف أنا مشفتوش قبل كده
كزت خلود على أسنانها هامسة وتلك النظرة المشمئزة تكسو حدقتيها
بت صايعة بتاعة رجالة مش ملاحقة تشاغل مين
ولا مين! مرة جوزي ومرة واحد تاني! 
للحظة طرأ في بالها فكرة وضيعة كتفكيرها الذي تحول مؤخرا ليصبح كارثيا على من حولها تصنعت البراءة وقالت بنبرة مرتفعة قدر الإمكان لتضمن سماع الجميع لما تنطق عنه
وعلى فكرة يامه دي مش أول مرة أشوف فيروزة بتكلم رجالة غرب كويس إن ده بيحصل قصادنا عشان محدش يقول إننا بنظلمها 
استثيرت حمية خليل وهتف محتجا
مايصحش الكلام ده يا بنتي احنا بناتنا متربين! مافيش
حد غريب عننا!
هزت كتفيها بحركة مستهزأة ولوت ثغرها قائلة
ما هو واضح إنك مش عارف هما مين وإلا لكان اللي واقف معاها جه وسلم عليك 
أوغرت ببساطة صدره ناحيتها فانقلبت ملامحه ونهض بأمارات غيظه المتراقصة على صفحة وجهه نحو ابنة أخته قاصدا إحراجها علنا شعرت خلود بالنشوة تغمرها من جديد الآن نالت انتقامها الجزئي منها وما زال في جعبتها الكثير لأجلها 
ظلت ملامحه هادئة رغم تباين ردات الفعل المنعكسة على الأوجه الناظرة إليه كان الأمر بديهيا أحدهم يقتحم جلسة عائلية ليرحب بابنة العائلة دون إظهار احترامه لمن معها تحتم عليه إصلاح خطأه وإن تطلب الأمر أكثر من اعتذار لذا حافظ آسر على ابتسامته العملية وأشار بيده للجميع معرفا بنفسه
أنا أسف يا جماعة إني معرفتكوش بيا دي غلطتي بس مش مقصودة أنا آسر وهبة مدير فرع الشئون القانونية للمجموعة العربية للملاحة الدولية في دول الخليج
ومد يده لمصافحة خليل الذي بقي حائرا لثانية قبل أن يصافحه في حين نظرت له فيروزة باندهاش وتساءلت وكأنها تفكر بصوت مسموع
هو إنت مش ظابط!
هز رأسه نافيا قبل أن يجيبها وهو يدير رأسه لينظر ناحيتها
لأ يا آنسة فيروزة 
لعقت شفتيها وعلقت عليه في حيرة
بس إنت كنت مع ماهر بيه والظابط وجدي!
أوضح لها ببساطة
هما أصحابي فعلا ومن زمان من أيام ابتدائي لكن هما دخلوا شرطة وأنا دخلت حقوق 
ادعت الابتسام لتخفي حرجها من الموقف برمته وقالت
تمام كده فهمت 
حاوطت حمدية بذراعها كتفي فيروزة لتبدو وكأنها تكن لها مشاعرا دافئة ثم تساءلت بفضول ماكر
وعلى كده إنت متجوز يا أستاذ
انزعجت فيروزة من وقاحة سؤالها ونظرت لها بحدة في حين ابتسم آسر حين جاوبها بنبرة ذات مغزى
لأ لسه ومش خاطب كمان!
اتسعت بسمتها اللئيمة وغمزت ل فيروزة بطرف عينها قبل أن تدمدم
ربنا يرزقك ببنت الحلال 
سددت لها الأخيرة نظرة ڼارية مشټعلة وتنحنحت قائلة بوجه شبه عابس
دي فرصة كويسة إننا شوفناك بس مش حابين نعطلك!
ظلت ملامحه مرتخية وهو يعلق عليها بنوع من الاهتمام البائن عليه
مافيش أي عطلة بالعكس أنا قلبي كان حاسس إني هاشوفك قصدي إني محظوظ إني اتقابلت مع العيلة الكريمة 
هتفت حمدية معبرة بشكل مبالغ فيه وبحنكة ماكرة لتستدرجه
ده احنا الأسعد يا أستاذ آ متأخذنيش أنا ذاكرتي ضعيفة في الأسماء شوية 
نظر نحوها قائلا بلباقة ليعرف بشخصه مجددا حتى يتسنى للجميع تذكره 
اسمي آسر يا هانم آسر وهبة 
حملقت في زرقة المياه المغرية بنظرات مطولة شبه ساهمة كانت تهرب من إحساسها المتزايد بالألم بإمعان النظر في تلك الأمواج المتلاحقة وامتزج صوته الأجش مع أصوات حركة المياه الثائرة ليحفر ذلك لمشهد بجميع مؤثراته في مخيلتها باتت همسة على وشك الصړاخ طلبا للنجدة لكنها قاومت قدر استطاعتها معتقدة في نفسها أنها ستتغلب عليه دنا هيثم منها وبقلب يقفز طربا سألها وكأنه لا يجد ما يحاورها فيه
مبسوطة
التفتت ناحيته تطالعه بغرابة وردت متسائلة
من إيه بالظبط
ازدرد ريقه وتابع بارتباك أبله مستخدما يده في التلويح
من المكان من الجو أي حاجة يعني 
هزت رأسها قائلة وذلك الوخز الممېت ينخر في جانبها
كله
تمام 
لاحظ هيثم تلك التقلصات الظاهرة على تعبيرات وجهها دقق النظر فيها وسألها مهتما
إنتي كويسة
ضغطت على شفتيها معترفة له بصوت بطيء مكتوم يعبر عن مدى تألمها وقد انحنت قليلا للأسفل وواضعة ليدها على جانبها الأيمن
لأ حاسة إني بأموت 
تبدلت تعابيره المبتهجة للخوف وسألها وهو يفحصها عن كثب
مالك يا همسة في إيه
أطلقت صړخة عميقة من جوفها قبل أن تتكوم على نفسها على الشرفة وهي تبكي بحړقة من شدة الألم الذي يفتك بجانبها جثا هيثم على ركبته أمامها تفقدها بنظراته والټفت برأسه مناديا في لوعة
يا جماعة حد يلحقنا بسرعة!
وعلى إثر صړاخها المرعب تجمع المتواجدين بالمطعم ومن ضمنهم أفراد العائلتين حولها كانت فيروزة الأسبق في الوصول لتوأمتها بعد أن دفعت من يسد الطريق عليها لتبلغها وضعت يدها على ظهرها وچثت على ركبتيها تسألها في جزع
حصلك إيه يا همسة
رفعت الأخيرة نظراتها الباكية إليها وأجابتها بصعوبة
مش قادرة بأموت 
اخترقت آمنة صفوف المحاوطين لصغيرتها وهتفت بقلب أم خائڤ للغاية
بنتي جرالك إيه إنتي كنتي كويسة و 
هتف هيثم فجأة وقد حسم أمره
أنا هوديها لأقرب مستشفى مش هاسيبها كده 
لم ينتظر الرد من أحدهم حيث أزاح فيروزة من طريقه بالرغم من تذمرها وأحنى نفسه عليها ليمرر ذراعيه أسفل ركبتيها وحول جسدها ليتمكن من حملها ألقت همسة برأسها على صدره وجفناها مطبوقان من شدة الألم لم تتوقف عن البكاء وقالت له بصوت بالكاد سمعه
الحقني 
نظر لها بعينين مرتاعتين وهتف يعدها بصوت لاهث من فرط خوفه عليها
أنا معاكي مش هايحصلك حاجة!
لحظات عصيبة مليئة بالخۏف والترقب مرت على كلتاهما وهما ينتظران في ردهة المشفى ما سيخبرهما به الطبيب بعد الكشف الأولي على حالتها احتضنت فيروزة والدتها وحاولت تهدئتها بكلمات متفائلة بالرغم من الخۏف الذي يسري في أوصالها لكن عليها أن تبدو قوية الشكيمة أمامها ألا ټنهار مع مصائب الدهر لتكن هي الحائط المتين الذي تستند عليه تنهدت قائلة لتشد من أزرها
إن شاءالله الدكتور هيطلع ويطمنا عليها همسة هتبقى كويسة ومافيهاش حاجة 
ردت بحزن وهي تمسح دمعاتها المنسابة على وجنتيها
يا رب
بالطبع لم يتخل بدير عن دوره الشهم في مد يد العون لتلك الأسرة وتواجد بنفسه مع خليل وحمدية ليطمئن بنفسه على الفتاة المړيضة عرض عليهما بجدية
متشلوش هم أي حاجة المهم نطمن عليها
رد خليل مجاملا
كتر خيرك يا حاج بدير والله ما عارف أقولك إيه أنا حاسس إني إيدي متكتفة ومش عارف أعمل حاجة
ربت على كتفه مهونا عليه
متخافش كلنا أهل وجيران
أخفت حمدية ابتسامة مستمتعة بالعرض الهزلي الذي يقدمه زوجها وكأنه يستجدي بذلك عطفه وإحسانه والأهم بالطبع نقوده الطائلة فلا يضطر لإنفاق أي شيء من جيبه بسبب تلك القرابة تنحنحت تشكره هي الأخرى بوجوم زائف
احنا غلابة أوي يا حاج ربنا بعتك لينا في الوقت المناسب
بينما وقف هيثم بجوار الباب المعلق أعلاه لافتة طوارئ ونظراته مرتكزة عليها ظل يغمغم بكلمات غير مفهومة حانت منه نظرة تائهة إلى والدته التي جلست على المقعد المعدني والتصقت بأخته كلتاهما لم تتوقفان عن الهمس الغامض استطردت بثينة تقول بتذمر
مش عارفة لازمتها إيه أعدتنا دي
ردت عليها خلود على مضض
البركة في هيثم هو اللي مجرجرنا ورا الهانم بتاعته لحد هنا
أخفضت والدتها نبرتها وهي تضيف
أنا اتشائمت من الجوازة دي مش جاي من وراها إلا المصاېب
همست تؤيدها وقد شردت تفكر في مخاوفها غير الحقيقية من فيروزة
ومين سمعك!
أوحت ملامح الاثنتان بأنهما غير راضيتان عن تصرف هيثم المليء بالمروءة تجاهلهما الأخير مرغما ليبقى في مكانه منتظرا من يخرج إليه ليطمئنه انتصب واقفا حين
لمح إحدى الممرضات تسير عائدة من الداخل أسرع نحوها ليسألها متلهفا 
أخبار همسة إيه
أجابته بنظرة جامدة وهي تتفحص وجهه
مين دي
صاح منفعلا
البنت اللي لسه جايبها من شوية ودخلناها عندكم 
هزت رأسها وقد تذكرت شأنها ثم سألته بسماجة
إنت قريبها
أجاب بنفاذ صبر وهو يشير بيده
أيوه أنا خطيبها وأهلها كلهم هنا 
ألقت نظرة عابرة على الأشخاص الذين انتفضوا في أماكنهم وتحركوا نحوها ليبدو قريبين منها وعلقت بنبرة روتينية بحتة
دلوقتي الدكتور هيخرج من عندها ويطمنكم 
كان هيثم على وشك سبها لبرودها الذي لا يطاق لكنه أمسك أعصابه وكظم غيظه داخله فمن المعروف عن تلك الفئة التي تصادف يوميا عشرات الأنواع من أنماط البشر الثبات الانفعالي والهدوء التام لاعتيادهم الواضح على ردات فعلهم المختلفة 
لاحقا خرج طبيب ما من ذلك الرواق الممتد متسائلا بصوت مرتفع
فين قرايب المړيضة همسة
صاحت فيروزة عاليا لتلفت انتباهه وهي تركض نحوه
أنا أختها 
بينما تدخل هيثم فارضا ومعرفا بنفسه
وأنا خطيبها 
رمقته فيروزة بنظرة حادة قبل أن توجه سؤالها المباشر للطبيب
أختي مالها
أجابها بلهجة عملية وبجمل مرتبة موضحا طبيعة حالتها
عندها اشتباه في الزايدة واحنا دلوقتي بنعمل معاها الفحوصات اللازمة قبل ما نجهزها للعمليات 
تفاجأت مما أصابها وردت في صدمة
إيه أنا أختي مكانتش بتشتكي من حاجة!
عيني عليكي يا بنتي كان مستخبيلك الهم ده فين!!
صړخت آمنة بتلك العبارة وهي تلطم على صدغيها في ارتعاد وحسرة رمقها الطبيب بنظرة عادية قبل أن يكمل بهدوء اعتاد التعامل به مع عائلة المړيض
الأعراض واضحة عليها وزي ما فهمتك احنا بنعمل الفحوصات اللازمة 
ثم وزع نظراته بين فيروزة وهيثم وتابع بلهجته الرسمية
من فضلكم حد يعدي على الحسابات ويكمل باقي الإجراءات هناك قبل ما نوديها للعمليات 
ردت عليه فيروزة دون تفكير 
الفلوس مش فارقة معانا المهم هي تبقى كويسة 
قال مبتسما
تمام متقلقيش دي حاجة بسيطة وكل يوم بنعملها والمرضى بيقوموا منها بخير 
أحست بالارتياح لعباراته المطمئنة وقبل أن تفكر في خطوتها التالية هتف هيثم بجدية
خليكي هنا مع أختك وأنا هاتصرف وأشوف عاوزين كام في الحسابات ماتشليش هم حاجة 
نظرت له بحدة قبل أن تعترض طريقه لتستوقفه بالإجبار ورغم صفاء نيته إلا أنها شعرت أنه يمس كرامة عائلتها ويخص شأنهم لذا رفضت عرضه السخي قائلة بكبرياء
شكرا الحمدلله مستورة معانا أختي ملزمة مني مش من الغريب!
نطق مستنكرا تزمتها الفارغ
حتى لو أنا غريب دلوقتي فاحنا جيران ومن حتة واحدة وماتربناش على كده 
أصرت على موقفها الرافض
برضوه متشكرين وكفاية تعبكم لحد كده  
ثم نظرت إلى والدته وأخته المحدقتين بها وتابعت بما يشبه التهكم
ويا ريت تشكرلنا العيلة الكريمة قاموا بالواجب وزيادة!
رد عليها معاندا
أنا بأعمل بالأصول 
ابتعدت عنه فيروزة وهي عاقدة العزم على ألا تقبل المساعدة المادية منه أو من غيره ستتكفل بمصاريف المشفى وإن كان ذلك يعني الاستغناء عن الأموال المدخرة لشراء ما قد يلزم لتجهيزها مستقبلا الأهم نجاتها من ذاك الألم الممېت لذا طلبت من والدتها الانتظار بجوار أختها ريثما تحضر المبلغ المطلوب في حين أرهفت بثينة السمع للكلمات الأخيرة التي تلفظ بها ابنها ثم التفتت إلى خلود تشكوها في غيظ
شايفة أخوكي واللي بيعمله
علقت عليها ساخرة منه ونظراتها الحقودة مثبتة على فيروزة
أه يامه الحبيب بيتكلم! عاوز يكسب بونط معاهم!
تقدم هيثم مندفعا ناحية والدته ودفعها برفق من ظهرها للجانب ثم سألها بصوت خفيض
يامه معاكي قرشين كده سلف أحطهم تحت حساب المستشفى للبت همسة و آ 
قاطعته معتذرة ومدعية الفقر
منين يا ابني أنا على الحميد المجيد يدوب اللي معايا يكفي مصروف البيت لآخر الشهر لو كان معايا بزيادة كنت اديتك 
غامت عيناه في
ضيق وردد حائرا وكأنه يستشيرها وهو يفتش عن الأنسب بين خياراته المتاحة
طب أجيب فلوس منين دلوقتي!
قالت ببرود يعكس تهكمها
دي مش مسئوليتنا هي معاها أهلها هما أكيد عاملين حسابهم ومدكنين قرشين تحت البلاطة لزوم الظروف اللي زيي دي اسمع مني!
نظر لها في عتاب والتزم الصمت غير محبذ للتعليق عليها خاب رجائها فيها وشرد مستغرقا في أفكاره باحثا عن حل سريع اقترحت عليه والدته ببسمة ماكرة
طب أقولك روح خد من جوز خالتك هو مش هايقولك حاجة ده
ياما بيعمل خير وآ 
ود هيثم لو تمكن من مساعدتها دون اللجوء لزوج خالته ليثبت لها أنه قادر على تحمل المسئولية في أشد الأزمات شعر بالعجز وبقلة الحيلة وهو لا يملك في جيبه ما يكفي لإظهار شهامته ومرة أخرى يندم بشدة لإنفاقه أمواله هباء ضاقت نظراته بشكل منفر ولم يتحمل كلام والدته غير المقبول وقاطعها بتبرم
خلاص يامه أنا هاتصرف 
نظرت له بغرابة قبل أن تهتف متسائلة
هتعمل إيه
تجاهل الرد عليها ليهرع في خطواته متجها نحو مخرج المشفى اضطربت أنفاسه وغص صدره بالبكاء لكن عاد الأمل ليرفرف فوق رأسه وقد تذكره ودون تردد أخرج من جيبه هاتفه المحمول وضع الهاتف على أذنه وقد تطرق إلى ذهنه ذلك الحل الذي وجده مناسبا له دار حول نفسه في توتر وهو يحاول جاهدا ترتيب أفكاره قبل أن يبوح بها إليه ثم هتف دون مقدمات حين أجاب عليه الطرف الآخر
تميم أنا عاوزك في خدمة مش هنسهالك طول العمر  !!!
يتبع
الفصل الحادي والثلاثون الجزء الأول
حزمة من المشاعر اليائسة غزت وجدانه بعد أن أحصى عقليا وبحسبة سريعة ما يدخره من مال لم يملك من كده اليومي حين التزم طريق الحلال سوى القليل الضئيل الذي لا يذكر أو حتى يصلح لشراء باقة من الورد لمعايدتها بعد تماثلها للشفاء فماذا عن دفع تكاليف العلاج بالمشفى لعڼ هيثم استهتاره الدائم الذي أوصله لتلك الحالة من العوز والاحتياج عبث بشعر رأسه وتابع مكالمته مع تميم قائلا له على عجالة
أنا محتاج منك قرشين ضروري وهردهوملك أما ربنا يفرجها معايا
بدا على صوت تميم الضيق حين سأله مستفهما
خير يا هيثم عملت مصېبة إيه المرادي
أجابه بأنفاس غير منتظمة وهو يتحرك في حركة شبه دائرية خارج المشفى
دول مش ليا 
استطاع أن يسمع صوت أنفاسه البطيئة عندما تساءل مجددا بما يشبه الاستنكار
قول إنك رجعت تاني للسكة الشمال والحكاية فيها عوأ مشكلة مع حد!
هتف نافيا بصوت مخټنق
اقسم بالله أبدا أنا وعدتك ووعدتها ولحد النهاردة ملتزم بكلمتي 
انقطع صوته للحظة قبل أن يتابع بتوسل
بس البت ھتموت لو ملحقتهاش
على الفور سأله تميم وقد تبدلت نبرته
بت مين
أجابه بتلعثم وتلك النهنهة تختلط بصوته
همسة خطيبتي!
رد عليه تميم يستحثه على تمالك نفسه
اهدى كده وفهمني في إيه ومستشفى إيه اللي بتحكي عنها ومتقلقش هاجيبلك كل اللي إنت عاوزه وبزيادة 
تنفس هيثم الصعداء لدعمه الذي هبط عليه كنجدة من السماء ومسح بيده الدمعات التي فرت من طرفيه ثم قال وهو يسحب نفسا عميقا
حاضر بس بالله عليك ما تتأخر 
اخترقت نبرته أذنيه وهو يرد عليه
أنا جايلك في الطريق 
تنهيدة ثقيلة خرجت من جوف هيثم أزاحت معها هما قابضا للأرواح جثم على أنفاسه طوال تلك الدقائق الماضية بدأ يستعيد انضباطه وسرد له تفاصيل ما حدث في المطعم منذ لحظة اڼهيار همسة وذهابه بها إلى المشفى بصحبة أفراد العائلتين 
لم تمهل نفسها الفرصة لالتقاط الأنفاس بمجرد أن دست المفتاح في قفل الباب ووطأت داخل منزلها ركضت فيروزة نحو غرفة نوم والدتها اتجهت إلى دولاب الملابس حيث تحتفظ والدتها في الرف الأوسط بصندوق صغير تضع فيه مدخرات الفتاتين من أجل تجهيزهما حين تحين لحظة زواجهما كانت تعرف هدفها جيدا فلم تضع الوقت في البحث والتفتيش أزاحت الثياب التي يختبئ الصندوق أسفلها وفتح الصندوق بالمفتاح الصغير المعلق به أخرجت جميع النقود الموجودة به وطوتهم بإحكام قبل أن تحشرهم في جيب حقيبتها كانت على وشك غلق الدولاب حين لمحت علبة القطيفة الحمراء رددت لنفسها
إيه دي
مدت يدها للرف العلوي لتسحبها نحوها ثم فتحتها لتعلو الدهشة المستنكرة كامل ملامحها كزت على أسنانها متسائلة في ضيق
الدهب ده بيعمل هنا إيه المفروض يكون رجع لأصحابه!
أعادت العلبة في مكانها بالرف العلوي وتابعت حديث نفسها
عموما ده مش وقته هتكلم مع ماما في حكايته بعدين المهم دلوقتي همسة وبس 
أوصدت
الدولاب وتحركت بخطوات متعجلة إلى خارج الغرفة أغلقت الباب خلفها ومنه تابعت سيرها السريع نحو باب المنزل وهي تأمل في نفسها ألا تكون قد تأخرت على توأمتها 
كل ما شغل حيز تفكيره في تلك الأثناء هو كيفية إحضار النقود المطلوبة دون إضاعة المزيد من الوقت فالدقائق تكلف كثيرا في حالة مريض تتوقف حياته على الثمن الذي يدفعه لتلقي العلاج الفعال كان تميم متواجدا بالدكان أثناء تلقيه للمكالمة الهاتفية لهذا اتجه إلى الخزانة القديمة الضخمة الموضوعة عند الزاوية ليسحب منها ما يريده من أموال ركض نحو سيارته وقادها بتعجل نحو المشفى الذي لم يكن ببعيد عنه وظل على تواصل مع هيثم ليعرف منه آخر المستجدات وعندما بات أمام مدخل المشفى قال له بصيغة آمرة
اطلع استناني عند الحسابات أنا هاركن العربية في الجراج وجاي
رد بتعجل
ماشي 
وفي المكان المخصص لركن السيارات صف تميم خاصته به ثم ترجل منها وهرول نحو الدرجات يصعدها دفعات التقط أنفاسه عند الاستقبال وهو يجوب بعينيه القلقتين على الأوجه المتواجدة أوقف إحدى الممرضات يسألها
الحسابات هنا فين
أرشدته وهي تشير بيدها
هتطلع من السلم اللي هناك ده الدور الأول آخر الطرقة يمين 
متشكر
قالها وقد شرع يهرول في اتجاه السلم ليكمل صعوده الراكض عليه وقبل أن يصل إلى الغرفة المنشودة كان هيثم ينتظره في الردهة هلل الأخير فور أن رأه
تميم! أنا أهوو 
ثم ركض نحوه متسائلا بتوتر
جبت الفلوس
أجابه وهو يخرج من جيبه مظروفا أبيض اللون وضع به النقود
أيوه شوف دول يكفوا ولا محتاج بزيادة
تناول منه المظروف وألقى نظرة خاطفة على المبلغ الكبير قبل أن يغلقه لينظر إليه قائلا بامتنان
كده تمام أوي الله يكرمك يا تميم مش عارف أقولك إيه إنت أنقذتني وآ 
لم يكمل جملته الشاكرة له بسبب صوت فيروزة المقاطع بحسم
محدش يتدخل!
الټفت كلاهما نحوها لينظرا باندهاش لتلك التي تركض وعرقها الغزير ينساب على جبينها حتى خصلاتها تنافرت وتبعثرت بشكل فوضوي بالطبع ظهر تأثير رؤيتها المفاجئ على تميم إنها نفس الخفقة العجيبة التي ټضرب فؤاده وتصيبه بربكة موترة حجم من مشاعره التي تضاربت في حضرتها ليسألها بلهجته الصارمة وهو ينظر إلى عينيها المنزعجتين
مندخلش في إيه بالظبط الموضوع عندنا!
رمقته بنظرة حادة ثم انخفضت نظراتها نحو المظروف خمنت دون سؤال عما يحتويه وردت بشموخ وهي تتطلع إليهما رافضة إقحام أيا منهما في شئون عائلتها سواء المادية أو المعنوية 
لأ معلش دي أختي أنا مالهاش لازمة تتحشروا في أي حاجة تخصنا
هدر بها هيثم وقد استفذت طاقته على الاحتمال
بأقولك إيه أنا آ 
قاطعه تميم بصوته القوي ومشيرا بيده دون أن تبتعد نظراته المتأملة عن وجه فيروزة
خلاص اهدى يا هيثم!
رد عليه بنرفزة واضحة
إنت مش شايفها يا تميم كلامها يفور الډم!
أدار رأسه نحوه يأمره بصوته الآمر دون أن تخبو صرامته 
روح يا هيثم اعمل المطلوب
وخلص الإجراءات!
هز رأسه ممتثلا له فصړخت به فيروزة محتجة
استنى عندك!
وكأنها تحادث الفراغ حيث تابع تميم إلقاء أوامره عليه
نفذ الكلام ماتقفش!
تراقصت في عينيه نظرة انتصار وهو يرد
حاضر 
أوشكت فيروزة على اللحاق به وإيقافه لكن اعترض تميم طريقها بجسده توقفت عنوة حتى لا ترطم بصدره بسبب اندفاعها المتعجل نظرت له شزرا ثم تحركت في الاتجاه الآخر لتتجاوزه لكنه سده عليها وقد فرد ذراعيه في الهواء منحته نظرة ڼارية من عينيها قبل أن تصرخ به بعصبية
ممكن أفهم إنت بتتحشر ليه
رد مبتسما وكأنه يستفزها بهدوئه
مش في رجالة موجودين هما اللي بيخلصوا الحاجات دي فماتتعبيش نفسك 
غمغمت مع نفسها في حنق وقد شردت تفكر في جملته الأخيرة ذات الدلالة الواضحة
الله يسامحك يا خالي إنت السبب المفروض تكون بتجري مكاني!
تأمل تميم سكونها اللحظي بنظرات متفحصة كانت كشعلة من الڼار الملتهبة ألسنتها والتي يزداد أوجها حين تغضب ورغم هذا كانت تجعل كامل حواسه في حالة استنفار عجيبة وكأنها تحثه بكل ما تملكه من وسائل هجومية على عدم الاستسلام والخوض معها في معركة طويلة الأجل طالعته بنظرة غريبة حين رأت نظراته الساهمة نحوها ثم هتفت بتنهيدة محبطة وذلك التقوس المستنكر يعلو زواية شفتيها 
يعني مش معقول كده كتير بجد 
حافظ على ثبات نبرته وهو يرد
معلش استحمليني 
ابتسمت في سخرية وقد عاد إلى ذهنها مشهدا ليس ببعيد عنها حين أخبرتها زوجته بأنه لا يتقبلها مطلقا ويكن لها كراهية مفهومة لم تتحمل سخافة الموقف وسألته بما يشبه الإهانة
للدرجادي إنت منافق كمان!
صډمه وصفها الأخير له والمرفوض كليا وقال محذرا وقد اشتدت تعابيره عبوسا
منافق! حاسبي على كلامك 
استرسلت موضحة بكبرياء وقد تصلبت عروقها
ما هو مالوش تفسير اللي بتعمله غير كده أكيد واحد مش طايق يبص في خلقتي ولا أنا أصلا بأقبلهن فجأة بقدرة قادر جاي يعمل معروف معايا لأ شكرا مش عاوزين حاجة من حد الحمدلله ربنا ساترها معانا وموصلش الأمر إننا نشحت على أختي لأ ومنك!
تطلع إليها في اندهاش متعجب من الأقاويل التي تملي بها أذنيه وسيطر على غضبه الذي اندلع كردة فعل طبيعية بداخله سحب شهيقا عميقا لفظه دفعة واحدة ثم قال بتمهل
طيب أنا مش هسألك على اللي قولتيه ده دلوقتي أنا مقدر الظروف!
صاحت بنفس النبرة المنفعلة وهي تشيح بيدها أمام وجهه
وتسألني ليه أصلا بصفتك مين ما كفاية مراتك قايمة بالواجب وزيادة
تساءل مندهشا
مراتي وهي مالها بيكي!!
نظرت له باحتقار وهي معتقدة أنه يتلاعب بها ثم قالت بما يشبه السخرية
إنت بتهزر صح قالولك عني غبية وبرمي بلايا إنتو الكلام معاكو خسارة
حاولت تخطيه لكنه احتل الطريق بجسده ومنعها من المرور فلم تجد إلا صدره العريض أمامها وكأنه بذلك يتحداها رفعت عينيها إليه فوجدت نظراته المحتقنة مسلطة عليها وبصوت بدا مشدودا سألها
أنا مش فاهم منك حاجة قصدك إيه
بكلامك ده
ضجرت من لغوه الفارغ معها ومن تلاعبه المستهلك بعقلها وكأنه بذلك يضيع الوقت عليها إذا لتوقفه عند حده إن كان لا يفهم إلا بلغة العڼف ودون أن يتوقع ردة فعلها شحذت فيروزة قواها المنفعلة ودفعته من صدره بكلتا قبضتيها لتتمكن من تحريكه من مكانه خطوة للخلف وهي تصرخ به
ابعدوا عننا بقى شيلونا من دماغكم!
تفاجأ من ردة فعلتها التي حفزته أصبحت تعابيره متقلصة للغاية كانت على وشك تكرار نفس الفعلة الچنونية لكن امتدت يداه لتمسك برسغيها ثبتهما للأسفل مستخدما قوته وشد بأصابعه وعيناه تنظران مباشرة في حدقتيها المحتدتين استجمع هدوئه وضبط غضبه ثم قال لها بصوته الخفيض
لو قصدك على خطوبة هيثم بأختك فده اختيارهم أنا ماليش فيه 
حاولت تحرير يديها منه وهتفت بحنقها
واحنا مش عايزين نرتبط بيكم افهموا بقى!
أرخى أصابعه عنها فسحبت على الفور يديها للخلف وبدأت تفركهما تنهد من جديد ثم رفع كفيه أمام وجهها متابعا كلامه
ده مش موضوعنا المهم دلوقتي نطمن على أختك مشاكلك مع هيثم أو غيره تحليها بعدين 
فتحت فيروزة شفتيها لترد عليه بلهجة قاسېة شديدة لتلزمه بحدوده معها فلا يتجاوز مطلقا تحت أي
مسمى لكن الصوت المألوف المنادي باسمها جعلها تدير رأسها للخلف في اتجاه مصدره غير متوقعة ما أبصرته عيناها !!!!
يتبع
الفصل الحادي والثلاثون الجزء الثاني
رمشت بعينيها عدة مرات لتتأكد من هويته انفرجت شفتاها عن دهشة مصډومة كان أمر حضوره إلى هنا بالتحديد مستبعدا عن ذهنها لم تتصور مطلقا أنه سيتبعها إلى المشفى بعد لقائها الحرج معه في المطعم انطفأت شعلة اللهب الغاضبة الظاهرة على صفحة وجهها ليحل بدلا منها الارتباك والتوتر التفتت فيروزة كليا نحوه متناسية وجود تميم معها ورددت بعفوية دون أن تنتقص صډمتها
إنت !
تقدم آسر بابتسامته المنمقة نحوها وقال معتذرا
أنا أسف إن كنت مجتش معاكي من الأول 
تأهبت في وقفتها وظلت تتطالعه بغرابة وهو يكمل ببسمته المرسومة بعناية
بصراحة مكونتش متأكد إن كانت المستشفى هنا بتقبل الدفع بالفيزا ولا لأ فروحت البنك أسحب فلوس كاش 
تفاجأت مما فعله ورأت تلك الحقيبة الجلدية الصغيرة معلقة في يده وقبل أن يتم جملته للنهاية قاطعته بتلعثم خفيف وقد لانت ملامحها نسبيا
شكرا يا أستاذ آسر مكانش ليها لازمة تتعب نفسك 
رد معتذرا من جديد بتهذيب واضح
تعب إيه بس ده أنا مقصر خالص كان المفروض أتحرك بسرعة عن كده وأقف جمبك من البداية 
لم يستسغ تميم تلك اللطافة الزائدة منه كانت مصطنعة للغاية شعر وهو يتابع حواره الكلامي بسماجة فائضة غير مستحبة زادته نفورا من ناحية شخصه اللزج ابتسمت له فيروزة مجاملة ورققت من نبرتها حين قالت
كتر خيرك كلك ذوق 
تصاعدت الډماء بقوة في رأس تميم وهو يصغي إلى ردها الناعم معه هي ليست من النوع المتساهل مع الرجال بل القسۏة عنوان صوتها وتلك النبرة الأنثوية الهادئة استثارت مشاعره بدرجة أكبر فأصبح في حالة لا يحسد عليها تنفس بعمق ليضبط انفعالاته التي بدت في حالة ما بين الجنون والڠضب الأعمى كبحها قدر المستطاع علها تحط في أعماقه نظر لها مليا بضيق شعر وكأنها تتعمد استفزازه برقتها الغريبة مع غيره لذا تنحنح بصوت مرتفع نسبيا ليلفت انتباهها إلى وجوده فتكف عن إيذائه بذلك الشكل السافر قبل أن يستطرد قائلا بنبرة جافة مالت للخشونة
متشكرين يا حضرت الرجالة عملوا الواجب وزيادة 
استدارت فيروزة ناحيته حدقت فيه بقسۏة اختفت الرقة من تعبيراتها عندما ردت عليه بعبوس
لا معلش أنا مش عاوزة حد من طرفكم يساعدني 
استقام في وقفته الرجولية فبدا أكثر مهابة وقوة ثم رد معاندا إياها
ودي مش مساعدة يا أبلة ده واجب علينا 
قالت بتبرم وتلك النظرة الحادة تعلو حدقتيها
وأنا مش محتاجاه 
ثم التفتت ناحية آسر تعتذر منه
وبرضوه بأشكرك يا أستاذ آسر على ذوقك لكن مستورة والحمدلله 
هتف الأخير بإصرار
يا آنسة فيروزة طبيعي كلنا نقف مع بعض وقت الأزمات ماتتكسفيش مني 
وبجراءة غير مقبولة مد آسر ذراعه نحوها وأمسك بيدها ووضع النقود في كفها بالإجبار ذعرت من حركته المباغتة ونفرت منه شعرت بالڠضب يجتاحها لمحاولته فرض الأمر عليها احتقن تورد بشرتها وردت بحدة وهي تحاول إعادة النقود له دون أن تمسه
لأ مش هاينفع كده 
شخصت أبصار تميم من تجاوزه الوقح ودون تفكير انتشل النقود من يد فيروزة ثم خطى للأمام خطوتين نحو ذاك اللزج ليقطع عليه طريق الود المائع معها بجسده المشدود حجب عنها الرؤية عن قصد ووجه نظراته المنذرة إليه ثم قبض على معصمه ودس النقود پعنف في راحته قاصدا إيلامه سدد له نظرة ڼارية أخرى أشد حدة قبل أن يقول بصوت أجوف مهدد يعكس قساوة غريبة
هما الرجالة اللي واقفين قصادك دول مش ماليين عينك عين فلوسك في جيبك
استنكر آسر تصرفه الفظ وقال بوجه ممتقع
افندم 
زجره تميم بنبرته التي اخشوشنت أكثر
سمعتني كويس ولا تحب أعيد!
احتجت فيروزة على تدخل تميم
في شئونها وإن كانت رافضة لذلك التصرف الجريء من آسر لإقناعها بقبول مساعدته ومع ذلك صبت جام ڠضبها على الأول وڼهرته بتشنج 
حد كلمك أصلا ولا طلب منك تدخل ده شيء يخصني أنا
نظر ناحيتها بعينين غائمتين ورد بجمود
أنا بأعمل الأصول يا أبلة لو كنتي نسيتي 
ثم تركزت كامل نظراته على وجه آسر وهو يستأنف تهديده الصريح له
في حاجات ماينفعش أشوفها وأعديها ويحمد ربنا الأخ إنه حوالينا ناس وإلا كنت خليته يحجز بالفلوس دي سرير في عنبر 6 فوق!
قست تعابير آسر وقد فطن إلى كونه يحاول جعل الأمر يبدو استعراضا للقوة الذكورية فسأله ببرود متعمدا تحديه
ده ټهديد يا أخ إنت
تقوست شفتا تميم عن ابتسامة مغترة وهو يرد
أيوه 
أشار آسر بسبابته نحوه موجها حديثه ل فيروزة ليسألها مباشرة وبقيت نظراته الساخطة مسلطة عليه
قبل ما أغلط فيك قريبك ده يا آنسة فيروزة أصل أنا ماينفعش حد يهددني بالشكل ده وأسكتله!
ابتسامة استخفاف احتلت شفتيها قبل أن ترد
ولا أعرفه!
تحفز آسر للاشتباك معه بعد أن أعاد النقود إلى داخل الحقيبة الجلدية الصغيرة وقال متسائلا بنبرة تحمل الإهانة
طب حضرتك بتدخل بصفتك إيه! إذا كان الآنسة نفسها متعرفكش! رزالة يعني ولا شو قصادنا يا ريت تفهمنا
اربد وجه تميم بغضبه المحموم رافضا أسلوبه التهكمي المستهون بشخصه وبما يمكن أن يفعله إن فقد أعصابه وخرجت الأمور عن السيطرة ثم حدجه بنظرة مخيفة من عينيه اللاتين التهبتا بشدة ورد بجمود وهو يلكزه في كتفه پعنف
دي حاجات أكبر من اللي زيك صعب تعرفها لوحدك 
اغتاظ آسر من تجريحه الواضح لشخصه وتقليله من شأنه فلجأ لاستحقاره قائلا بنظرة متعالية
خلاص أنا كده فهمت النوع بتاعك إنت من اللي واخدينها بلوي الدراع 
لم يتحمل استهزاء ذلك الغريب به فحرك تميم ذراعه نحوه ليمسك به من طرف سترته باهظة الثمن جذبه بقوة نحوه وكأنه خرقة لا يزن شيئا عجز آسر عن مقاومته أو الابتعاد عنه كان غليظا للغاية في تعامله ثم حذره الأول بلهجة قاتمة وعيناه تنظران له بشراسة
طب كويس إنك عرفت نوعي عشان لما بأزعل ببقى غبي!
على الفور تدخلت فيروزة لتمنعه من عليه وصاحت فيه بنبرة غلفها الصړاخ المهدد
ابعد عنه إنت مابتفهمش غير في البلطجة وبس 
هتف آسر يتوعده وهو يحاول تخليصه نفسه من براثنه وكأنه بذلك يحاول لم كرامته التي بعثرها بسهولة أمامها
خد بالك أنا محامي مهم أقدر ألبسك تهمة وأنا واقف هنا في مكاني ده غير إن معارفي كتير فبلاش اللي زيي يأذيك أحسن 
ضحك تميم مستخفا بجمله المتباهية وتركه متعمدا المسح على كتف بدلته كما لو كان ينظفها قبل أن يعلق عليه
الصراحة خۏفت وهاجيب ورا بس مش عشانك عشان أخت الأبلة!
ضاقت نظرات فيروزة من عبارته المبهمة في حين عاد هيثم من الداخل وقد انتهى من الإجراءات المادية الخاصة بحالة همسة نظر بغرابة إلى الثلاثة المتشاحنين وتساءل في فضول ليثير انتباههم
خلاص يا ابن خالتي هو في إيه!
وضع تميم يده على كتفه وهو يهز رأسه في تفهم ثم قال ببرود وعيناه تحدقان في وجه آسر بتوعد مريب
بينا يا هيثم وقفتنا هنا مالهاش لازمة 
تحركت فيروزة لتعترض طريقه ثم هتفت فيه بصوتها الغاضب 
استنى إنت رايح فين
أخرجت النقود من حقيبتها ورفعتها أمام وجهه متابعة بشراسة
خد فلوسك اللي دفعتها أنا مابشحتش !
ثم سحبت شهيقا سريعا لتكمل به هجومها عليه
ولا دي حركة متفق بيها مع مراتك عليا عشان تعايرونا بيها بعدين!
رمقها تميم بنظرة مستنكرة مزعوجة غريبة نافذة ومليئة بالغموض لم تفهم طريقة
تحديقه بها واغتاظت أكثر عندما دفع ابن خالته للجانب ليبتعدا عن طريقها وهو يأمره
يالا 
صاحت من خلفه بصوتها المرتفع
فلوسك هترجعلك سامعني 
تجاهلها مرغما ليتابع سيره بينما حملقت فيروزة في ظهره وهو يبتعد بنظرات مغتاظة ودمدمت قائلة لنفسها
أنا مشوفتش في حياتي كده!!
ظلت نظراتها تتبعه إلى أن هبط الدرجات واختفى في حين هندم آسر من سترته التي فسد مظهرها مرددا بعض العبارات المنزعجة فاستدارت فيروزة ناحيته لتقول معتذرة عن وقاحة ذاك البلطجي معه
أنا أسفة يا أستاذ آسر إنت اتحطيت في الموقف البايخ ده بسببي مش عارفة أقولك إيه!
رد مبتسما وهو يحرك رأسه للجانبين
ولا يهمك أنا غرضي أساعد و 
ودون أن تسمع باقي جملته قاطعته في امتنان
أنا مقدرة ده وبأشكرك على اهتمامك 
سألها في جدية
طيب أختك فين دلوقتي
خرجت تنهيدة بطيئة من جوفها قبل أن ترد
هاروح لماما أشوف الوضع إيه 
استأذن منها بأسلوبه اللبق
طب تسمحيلي أكون معاكي يعني عشان لو عوزتي حاجة ماتبقيش لوحدك وكده 
تحرجت من وجوده والذي لن يكون مقبولا بالمرة بالنسبة لعائلتها ناهيك عن ظرافة حمدية اللا متناهية والتي ستسعى لاستدراجه واستخراج المعلومات منه كما لو كانت تعمل خاطبة مما سيزيدها حرجا لذا حاولت التملص من عرضه وقالت بجدية
أهلي كلهم هنا اطمن 
لم يجد بدا من الإصرار أمام رفضها الواضح فرد في استسلام
أوكي يا آنسة فيروزة مش هاضغط عليكي لكن لو عوزتي حاجة فأنا في الخدمة 
رانت على شفتيها ابتسامة لطيفة وهي تشكره
ميرسي ليك يا أستاذ آسر 
بادلها ابتسامة ودودة قبل أن يطلب منها راجيا
أتمنى نشيل التكليف بينا يعني أنا باعتبر نفسي دلوقتي صديق ليكي وآ وللعيلة 
ضغطت على شفتيها في تردد وقالت بحسم
أفتكر إن كده أحسن يعني منعا للمشاكل وحضرتك شوفت النوعية الناس اللي عايشين معاهم إيه
قال بما يشبه التغزل بها
بس إنتي غير أي حد مختلفة ومستقلة وشخصيتك حلوة 
لم تعرف بماذا تعقب عليه فقالت وهي تحاول الابتسام
شكرا هستأذنك هاشوف أختي 
اتفضلي وإن شاءالله تبقى كويسة 
لم يمد تلك المرة يده لمصافحتها حتى لا تحرجه واكتفى بتوديعها بعباراته المهذبة ليبدو حينما تستحضر صورته في ذهنها المحامي المحترم لوحت له بيدها وظلت متسمرة في مكانها لبعض الوقت وكأنها قد عادت لتستغرق في أفكارها المهمومة من جديد لم تعلم فيروزة بوجود من يراقبها من على السلم أصر تميم على البقاء تاركا هيثم يعود بمفرده ووقف في بقعة تمكنه من متابعتها دون أن تلتقطه عيناها توهجت غرائز الانفعال بداخله وكأنه في معركة البقاء للأقوى كبح ما يعتريه بمجهود عڼيف أنبئه حدسه بعد ملاحظة ما يدور من تلميحات وحركات مفتعلة بأن وراء تلك التعابير الوديعة لذلك الرجل ثعلبا ماكرا ولم يخطئ إحساسه بشأن أحدهم يوما 

اتجه عائدا إلى منطقة الجلوس الخاصة بأهالي المرضى في الردهة الواسعة جاب بعينيه على أوجه المتواجدين باحثا عن عائلته كانت بثينة تتخذ المقعد الخلفي وإلى جوارها ابنتها سار هيثم صوبها وجلس على يسارها ليلتقط أنفاسه سألته الأولى بفضول وبنبرة أقرب للهمس وهي تتفرس في قسماته المرتخية بشكل ملحوظ
كنت فين كل ده
أجابها بزفير مرهق
موجود يامه هاروح فين 
سألته بخبث وذاك الوهج يحتل عينيها
ها عرفت تتصرف في فلوس!
هز رأسه يجيبها بغموض
أه الحمدلله
لم تتقبل مراوغته في الكلام فألحت عليه بنظرتها المتشككة
منين يعني
رد بعفوية ودون أن يفصح عن مصدر مساعدته
من باب الله 
ابتسامة غير مريحة داعبت شفتيها وهي تحاصره بأسئلتها
قولي استلفت من جوز خالتك مظبوط إنت روحت كلمته
نفخ يجاوبها في سأم
يامه متركزيش في الحاجات دي
وادعي ربنا يقوم همسة بالسلامة 
زمت شفتيها محتجة بقنوط
وأدعيلها ليه ما أمها موجودة!
هي عدمتها
نظر لها بعينين تلومان قساوة مشاعرها وعاتبها بضيق ظاهر في نبرته وملامحه
لله يامه لله! ادعي لله!
ضجرت خلود من مكوثها غير المجدي فنهضت من مكانها وعلقت حقيبتها على كتفها لتقول بنبرة عازمة مستخدمة يدها في التلويح
بأقولك إيه يامه أنا هاروح البيت ألحق أعمل لقمة ل تميم أعدتي هنا زي قلتها 
رد عليها هيثم من تلقاء نفسه ودون أن ينتبه
لأ متتعبيش نفسك جوزك موجود هنا 
وكأن يدها لامست سلكا مكشوفا يسري فيه التيار الكهربي فأصابعها بصاعقة ممېتة حدث ما لم يخطر على بالها أو تضعه في الحسبان انتفض كامل جسدها وتخشبت في مكانها ساهمة للحظة قبل أن تفيق من دهشتها الكبيرة حدقت فيه بعينين جاحظتين ثم عاجلته متسائلة بوجه شاحب وأغلب مخاوفها ټقتحم رأسها حاليا
إنت بتقول إيه جوزي بيعمل إيه هنا
أدرك هيثم أنه بغبائه وتسرعه تلفظ بحماقة ربما تكشف فأمره فبادر يصلح خطأه بالإدعاء كڈبا
اقصد أنا شوفته مع جوز خالتي والبت أخت همسة كانوا بيتكلموا سوا 
هتفت خلود بصوت مرتجف وقد
 

تم نسخ الرابط