الطاووس الابيض لمنال سالم
لو مشى زي ما أنا عاوز هنطلعلنا بمصلحة!
سألته بفضول وقد توهجت نظراتها
ترتيب إيه ده ما تقولي عليه!
رمقها بنظرة مزعوجة قبل أن يقول على مضض
ما أنا خاېف لتبرمي فيها وتفسد!
زجرته بعصبية وقد هبت واقفة على قدميها
ليه حد قالك إني بومة خلاص يا إدلعدي مش عاوزة أعرف!
أمسك بها من معصمها ليستوقفها ثم جذبها منه ليجلسها في مكانها وهو يقول مرغما
هاقولك وربنا يستر!
ادعت عدم اكتراثها وأشاحت بوجهها للجانب لتظهر ضيقها فأكمل بحذر عارضا عليها فكرته الخبيثة
دلوقتي الحاج بدير عليه دين في رقبته لينا عشان اللي حصل من قريبه مع أختي أنا عاوز أستغل ده بقى وأخد منه قرشين كده ندفعهم عربون لدكان محندق حاطط عيني عليه بقالي فترة أل يعني بحجة إننا بنساعد البنات اليتامى بدل وقفتهم في الشارع
انتبهت له وسألته مستوضحة
أها وبعدين
قال بإيجاز مليء بالغموض
ولا قبلين هاجيب الدكان وأشغله لحسابي
رددت في قلق
طب وبنات أختك هتعمل معاهم إيه
أجاب ببساطة وكأنه قد أعد الرد مسبقا
هخليهم يبيعوا العربية دي وأخد فلوسها واحطها في الدكان وتوضيبه
طب ما جايز يشبطوا فيه وتخسر المصلحة كلها!!
مش هايحصل ما أنا هاعمل الورق كله باسمي ويبقوا يقابلوني لو طالوا مني حاجة
حذرته من جديد بلهجة مغلفة بالجدية
إنت ضامن الحكاية دي بنت أختك فيروزة مش عبيطة ولا سهل يضحك عليها
استطرد محتقرا قدراتها
دي جعجاعة على الفاضي قطتها جمل ومش هاتقدر تعمل حاجة
كانت غير راضية عن استهانته بها فعادت لتحذره
أنا بأنبهك بس هي مش سهلة!
تقوست شفتاه قليلا وأظهرت ابتسامة مغترة عليهما حينما قال عن ثقة كاملة
متقلقيش جوزين أقلام مني على وشها هيربوها!
نظرة مطولة منها إلى وجهه الخبيث بدت كما لو كانت تدرسه ثم تنهدت قائلة
هانشوف
بابتسامة عملية بحتة وإيماءة رأس بسيطة مدت يدها بكيس ورقي مليء بالسندوتشات من نافذة العربة نحو أحد الأشخاص المنتظرين ليحصل على طلبه تلقت فيروزة النقود من شخص آخر ودونت في ورقة صغيرة ما يريد ثم استدارت نحو أختها تسألها بتلهف
أوردر 36 خلص
أجابتها همسة بلهاث وهي تدور حول نفسها لتنجز عملها في أسرع وقت
بأقفله أهوو
أشارت الأولى بالورقة الصغيرة التي في يدها متابعة حديثها
طيب في أوردر تاني مستعجل
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترد عليها ويداها مشغولتان في تغليف السندوتشات بطريقة جذابة
ماشي هاعمله بعد ده على طول
أوكي
تطلعت
فيروزة من النافذة مجددا لتراقب وتقرأ ردات الفعل على أوجه الزبائن الذين لم يغادروا المكان بعد وآثروا تناول السندوتشات على الكورنيش بجوارهم رأت علامات التلذذ والاستحسان واضحة على محياهم شعرت بالانتشاء والرضا لنجاحها في إرضاء جمهورها من الذواقة استمرت في تحريك عينيها على باقي المنطقة إلى أن توقفت عند البقعة التي يجلس فيها خالها لم تصدق بقائه حتى تلك الساعة قالت في ذهول لاكزة أختها في جانب ذراعها لتنتبه لها
تصدقي يا همسة خالك لسه قاعد لحد دلوقتي!
رفعت الأخيرة عينيها لتنظر إلى الأمام باحثة عن مكانه وهي تقول
بتهزري!!
تابعت فيروزة جملتها بتأفف مشمئز
لأ والعقربة مراته لازقة فيه!
ردت عليها أختها تمازحها
تلاقيها مش رحمانا من كتر أرها علينا
أيدتها الرأي فاستطردت
ايوه ربنا يستر من عينيها ومن شړ حاسد إذا حسد!
يا رب الأوردر جاهز للتسليم يا فيرو
قالتها وهي تناولها آخر ما أعدته من طعام لتضعه في الكيس الورقي حتى يتسنى لها إعطائه لصاحبه ولزمة معتادة منها مسحت كفيها في مريلة المطبخ التي تحاوط خصرها قبل أن تنظر مصادفة أمامها وكأنها على موعد مع القدر كانت أكثر إحساسا بالتوتر والضياع جحظت عيناها في ارتعاب منه حينما أبصرته أمامها يطالعها عن قصد جف حلقها وانتفضت عروقها خوفا من قدومه المحمل حتما بالمشاكل رددت مع نفسها في رجاء كانت واثقة أنه لن يستجاب
شكل الليلة مش هاتعدي على خير يا رب ما يجي هنا!
تراجعت تلقائيا خطوة للخلف وقد بات بالفعل واقفا أسفل نافذة العربة وكامل نظراته مرتكزة عليها أولا قبل أن تتحول عيناها تلقائيا وبشكل آلي نحو فيروزة وقد هتف صائحا بصوته الرجولي الأجش
سلامو عليكم !!!!!
الفصل الثاني عشر
بخطوات متهادية بطيئة وحذرة اتجهت هاجر إلى الأريكة لتستلقي عليها وقد بدا بطنها المنتفخ متدليا بشكل لافت للأنظار وضعت صحن الفاكهة الذي قطعت ثماره إلى قطع صغيرة في حجرها وبدأت في تناوله واحدة تلو الأخرى شعرت بعدم الراحة لجلوسها هكذا وساقيها تتدلى لذا ثنيت ساقها اليسرى ووضعتها أسفل منها وتطلعت إلى والدتها بنظرات عادية قبل أن تقول لها بلوم وفمها ممتلئ بالفاكهة التي تلوكها
إنتي غلطانة في الحكاية دي يامه كان لازم تبلغوا البوليس!
زمت ونيسة شفتيها قائلة في حيرة وضاربة بظهر كفها على الآخر
وأنا كنت هاعمل إيه وأبوكي مصمم على اللي في دماغه!
قالت وبقايا الطعام تتناثر من جوفها
كنتي تقوليلنا واحنا نتصرف
بدت أمها كما لو لسعتها حية فانتفضت بجزع تقول
إنتي عاوزاه يغضب عليا
ثم التقطت أنفاسها لتهدئ من حالتها المرتاعة لتضيف في ندم
بقى دي جزاتي إني حكيتلك
لأ يامه بس احنا خايفين عليكي
ردت بصوت متهدج متذكرة إحساسها الشديد بالارتعاب لمعايشة تلك الذكرى من جديد حتى وإن كانت متجسدة في مخيلتها
متفكرنيش يا هاجر ده أنا حالتي كانت حالة ولسه وحياتك لحد دلوقتي!
تجشأ محرز بصوت مزعج بعد أن انتهى من تجرع زجاجة المشروب الغازي على دفعتين وهو يستدير في اتجاه حماته ليعلق بسخافة وكأن الأمر يعنيه حقا
يا حاجة كده احنا ادينا الحرامي ده فرصة يعلم علينا والكلام لو اتنتور واتعرف في الحتة شكلنا مش هايبقى حلو
أدارت رأسها في اتجاهه لترد عليه
عمك الحاج هيتصرف
استطرد متسائلا وهو ينظف ما بين أسنانه بظافر إصبعه الصغير
وتميم يعرف على كده
اتسعت عيناها تحذره بلهجة جادة
بالله عليك ما تقوله يا محرز! احنا مش عاوزين نعكنن عليه وهو لسه عريس جديد بيشم نفسه مع مراته مش هايبقى محطوط في مشاكل من أولها!
رد على مضض
ما هو هيضايق لما يسمع من برا ويجي يعتب علينا!
قالت مؤكدة عليه في نبرة أقرب للرجاء حتى لا يتسبب في إحداث مشكلة دون داع
ما أنا قولتلك محدش يعرف وإنت ماتقولوش خالص ولا كأن في حاجة حصلت ماشي يا ابني
بينما هتفت هاجر توصيه هي الأخرى ومدعمة لوالدتها في رغبتها
خلاص يا محرز هما أدرى بمصلحتهم
هز رأسه بإيماءة مستسلمة يقول لهما
ماشي يا حماتي اللي يريحك
نظرت له ونيسة في امتنان بالرغم من القلق الذي اعتراها بعد أن أطلعتهما على ما حدث في المنزل من سړقة قبل بضعة أيام دعت الله في نفسها ألا يتفوه أحدهما ولو مصادفة بشيء ل تميم أو والده فتتعرض هي للتوبيخ أشاحت بعينيها بعيدا عن وجه محرز لتنظر إلى ابنتها متسائلة في اهتمام
هننزل امتى نشتري حاجات النونو
أجابها بتنهيدة متعبة
يومين كده ولا حاجة يامه أكون بس شديت حيلتي شوية
حركت رأسها في تفهم وابتسمت تدعو لها
على خيرة الله ربنا معاكي ويقويكي ويرزقك بساعة سهلة من عنده
مسحت بمنديل ورقي اللوح الرخامي الممتد أمامها حتى تزيح أي بقايا لزجة عالقة به فور أن عبأت السندوتشات في الكيس الورقي لتكتمل مهمتها في تجهيز الطلب وإعداده للاستلام قبل أن ترفع رأسها وتنظر إلى ذاك الشخص المرابط أسفل نافذة العربة دققت فيروزة النظر في ملامحه المألوفة عرفته دون عناء في التفكير إنه العريس الذي دعيت والدتها لحضور حفل زيجته منذ أيام وبابتسامة روتينية بحتة سألته
أيوه أؤمر حضرتك إيه طلباتك!
انتصب تميم في وقفته الرجولية المهيبة يجوب بنظراته شكل العربة من داخلها وخارجها وكأنه مفتش من الصحة يبحث عن النواقص والعيوب قبل أن يكتب تقريره النهائي تأملته همسة في خوف مبرر فسكوته ونظراته المريبة تؤكد لها وجود
خطب ما ناهيك عن معرفتها الجيدة بحمية أختها وتعصبها الزائد لما يخصها تضرعت بتوسل للمولى أن يمر الأمر على خير خاصة أن اللقاء السابق معه لم يبشر بخير أطاح تميم برجاواتها حينما هتف متسائلا بوقاحة منقطعة النظير مستخدما يده في الإشارة
إنتو بقى اللي مدورين الليلة دي كلها
وضعت همسة يدها على جوفها لتمنع شهقة مصډومة من الخروج عقب جملته الموحية تلك والتي حتما ستشعل جذوة الشجار كانت مرتعدة من ردة فعل أختها التي لن تقبل بتلميح صريح ومسيء كهذا التفتت نحو فيروزة لتجدها قد جحظت بعينيها في ذهول مستنكر لتلاعبه بالألفاظ والإشارة لكون الاثنتين تفعلان ما يشين احتدت نظراتها نحوه ورمقه بنظرة عدائية شرسة قبل أن تصيح في وجهه بصوته مرتفع وغاضب
ما تحترم نفسك يا جدع إنت! إيه الكلام ده يعني إيه مدورينها
أجابها ببرود وقد قست نظراته هو الآخر
يعني زي ما فهمتي يا أبلة!
استشاطت حنقا من اتهامه الباطل دون وجه حق فتشنج صوتها ولوحت بذراعها وهي تهاجمه وقد انحنت من النافذة نحوه
اخرس قطع لسانك إنت واللي زيك إنت جاي تقل أدبك علينا هنا
بدا فجا للغاية وهو يتابع وكامل نظراته المزدرية تدور في المكان بشكل ينم عن نفوره
أومال تسمي اللمة اللي هنا دي دي معجنة! والسايب في السايب
اشټعل وجهها واربد بغضبه المستعر اعتقدت أنه واحدا من المتسكعين اللزجين الذين يظهرون وقاحتهم مع الناس لترتعد ردت تحذره بحدية حتى توقفه عند حده فلا يتمادى معها
لأ عندك أنا مسمحلكش!
ثم اتجهت إلى باب العربة دافعة أختها للجانب لتتنحى عن طريقها توسلت لها الأخيرة باستماتة والړعب يشع من عينيها المذعورتين
بلاش يا فيروزة خليكي معايا ده شكله بلطجي!
ردت حاسمة أمرها ودون أن تلتفت لها
مش سيباه برضوه!
هبطت عن العربة لتغدو في مواجهته لم تكن بصاحبة
القامة القصيرة لتخشاه بدت أقرب طولا إليه تطلعت إليه في عدائية بائنة وهتفت مدافعة عن نفسها بقوة وذراعها يلوح في الهواء
الكل واقف باحترامه هنا محدش يجرؤ يعمل حاجة غلط ولا حتى يقدر
قست نظراتها أكثر نحوه حينما استأنفت جملتها قاصدة إهانته بشكل فج يليق بتصرفه
بس في ناس تفكيرها قذر زيك كده مفكرة الكل مش مظبوطين!
نظر لها شزرا وقد احتقنت عروقه بدمائه الثائرة حدجها بنظرة احتقارية جابتها من رأسها لأخمص قدميها وهو يسألها بلهجة ذات مغزى
وإنتي بقى اللي مظبوطة
صړخت فيه تهدده بسبابتها وعيناها تطقان شررا
اخرس قطع لسانك انسان مش محترم!
ثم ما لبث أن هددته بعدوانية يستحقها
اقسم بالله لو ما مشيت من هنا لأفرج عليك الناس وأمسح بكرامتك الكورنيش ده كله وألبسك مصېبة وقتي!
هتفت همسة لها من بعيد وقد تخلت عنها شجاعتها
سبيه يا فيروزة
لم تستدر نحوها وظلت تحملق فيه بقوة لا تعرف من أين أتتها لكنها تخرج دوما في الوقت الصحيح حينما يتم استفزازها وبالرغم من استبسالها في الدفاع عن خاصتها إلا أنها كانت متوترة من ردة فعله المجهولة وباتت هواجسها عن كونه أحد أولئك العاطلين ممن يفتعلون المشاجرات مع الأبرياء من أجل مساومة حقېرة أو فرض رسوم جباية لا حق لهم فيها ليحصل على الأموال التي يريدها بطريقة سريعة وغير شريفة تحلت بشجاعتها وأخفت قلقها لتنظر له في تحد وقوة تقوست شفتا تميم قليلا لتظهر بسمة تهكمية قبل أن يرد عليها عن ثقة مربكة لها
هانشوف مين هايمشي لأنك مش هاتفضلي هنا كتير
لوحت بيدها في وجهه تصيح بنبرة مستهجنة
إنت مين أصلا عشان تتكلم ولا تهددني
ثم أطلقت ضحكة ساخرة قبل أن تستهزأ به
أيوه صح
إنت عريس الغفلة!
هددها بسبابته وهو يكز على أسنانه
لمي نفسك معايا
ردت غير مبالية
غلطان وبتبجح
لم تعبأ بمظهره الغاضب وتعابيره المحمومة ووقفت له الند بالند حتى لا يستضعفها حانت منها نظرة سريعة خلف كتفه فرأت بعض الشباب مجتمع في الخلف ربما إن تطور الأمر لرفعت نبرتها واستعانت بهم ليبعدوه أشعرتها تلك الفكرة بالارتياح قليلا في حين أحس تميم بالمزيد من الغيظ يتعمق فيه مع كلماتها التي تنتقص من قدره وتهينه بشكل قاس أمعن النظر فيها والحيرة تداعب عقله وخاصة فيما هو متعلق بجراءتها الأنثوية التي تناقض كليا طبيعة زوجته الساهمة المستكينة التي تكاد تفني عمرها لأجل الحصول على ابتسامة صغيرة منه عاد من شروده السريع على صوتها المكمل وقد استبد بها حنقها
أنا ورقي كله قانوني وماشية سليم! ولو مفكر بالشبورة اللي إنت عاملها دي هخاف تبقى غلطان أنا أد عشرة من عينتك! ويا ريت تبطل الهباب اللي بتشربه ده
ابتسم لها في استخفاف بعد آخر ما تلفظت به يا للسخرية! هي تظنه متسكع اندلع ڠضبها أكثر منه ولم تعد تتحمل استهانته بها لذا وجدت فيروزة نفسها تتلفت حولها باحثة عما يمكن أن تستخدمه لتضربه بها حتى تزيحه عن طريقها توقفت أنظارها عندما وجدت دلوا مليئا بمياه غسل أدوات الطهي على الفور تحركت ناحيته لتحمله ثم قذفته دون تفكير في وجهه لتغرقه به وهي تطرده
اتطرأ من هنا السكة اللي تودي
تفاجأ تميم بفعلتها غير المتوقعة تلك وانتفض كليا مع إغراق ثيابه بالمياه المتسخة هدر بها في هياج مبرر
إنتي اټجنني!!!!
لطمت همسة على صدغيها في هلع وقد تفاجأت هي الأخرى بتصرفها ارتدت خطوة للخلف تقول في نفسها أن حربا ضروسا اندلعت بينهما ولن يوقفها أحد صاحت فيروزة وابتسامة انتصار ممتزجة بالشماتة تتراقص على محياها ودون أن يبدو عليها أدنى بادرة ضعف أو تراجع
خلي المياه الۏسخة تنضف الأشكال الضالة وتشيلها من هنا
صعد معه الدرجات في تمهل متبادلا معه حديثا مقتضبا قبل أن يصل إلى الطابق الكائن به منزله بدا ضيفه مشغولا بدراسة المكان وفحص كل زاوية وركن بعناية فائقة حتى أن هيئته كانت تعبر عن اشتغاله بوظيفة في جهاز حساس بالرغم من تقلده لبدلة عادية دس بدير يده في جيبه ليخرج مفتاحه منه ثم وضعه في القفل الخاص به ليديره وينفتح الباب ثم تنحنح عاليا بصوته المميز ليعلن عن وصوله قبل أن يبادر مرحبا بضيفه
اتفضل يا باشا
تأهبت حواس ونيسة مع سماعها لصوت زوجها وعدلت من وضعية حجاب رأسها عليها رسمت ابتسامة لبقة على شفتيها تقول في ود وقد رأت اللواء وفيق يمرق للداخل
يا مرحب بالضيف الغالي أديلنا زمن ماشوفنكش يا باشا
قال مجاملا
إزيك يا حاجة إنتي عارفة ورايا أشغال كتير واللي زينا مالوش راحة
دعت له بصدق
ربنا يقويك وينصرك على مين يعاديك يا سعادت الباشا
تساءل بدير في اهتمام وعيناه تمسحان المكان
أومال أبويا فين
جاوبته مسترسلة في ردها
صلى العشا ونام وهاجر وجوزها كانوا هنا من شوية ونزلوا
أومأ برأسه في تفهم
طب تمام
أضاف وفيق يطلب منها وهو يمسح على شاربه الكث ليهندمه بلزمة التصقت به
معلش يا حاجة هنتعبك شوية عاوزين فنجانين قهوة كده مظبوطين!
ردت على الفور
عينيا دقيقة ويكونوا عندكم في الصالون اتفضل ارتاح
هز رأسه في تهذيب واستدار متجها إلى غرفة الصالون حيث قام زوجها بإضاءة أنوارها ليجلس فيها بصحبته دقائق وعادت زوجته ومعها فنجانين من القهوة وضعتها على المائدة الرخامية المستديرة التي تنتصف الأرائك ثم انصرفت في هدوء ليبدأ بعدها وفيق في
تناول خاصته وهو يستأذن بهدوء يعكس جديته
عاوزك يا حاج بدير توريني أوضة النوم محتاج أشوف الدرج اللي اتكسر وأعاين المكان
وافق دون نفاش مشيرا بيده
اتفضل اعتبر البيت بيتك
تناول رشفة أخرى من فنجان قهوته واستند على مرفقيه لينهض من جلسته الاسترخائية ليسير عبر الردهة متجها إلى غرفة النوم قام بفحص الشفونيرة بتأن وهو يسأل بدير بضعة أسئلة تحقيقية وأجابه الأخير بكل ما يعرفه وما إن فرغ منها حتى طلب الذهاب إلى المطبخ للنظر إليه فكعادة أغلب اللصوص دوما يقتحمون المنازل من نوافذ المطابخ أو الحمامات لأن تلك الأماكن مهملة إلى حد كبير من قبل سكان البيت وتعد بمثابة نقطة الضعف التي يستغلها السارق للولوج للداخل تساءل وفيق بلهجة اكتسبت طابعا رسميا وأنظاره مرتكزة على بقعة ما بالأسفل
في حد بيستخدم البلكونة دي
أجابه نافيا
لأ معتقدش
مط فمه يفكر في أمر ما ثم عاد يسأله
مين غريب بيجي عندك يا بدير
استغرقه الأمر لحظة ليجيبه مستفهما
زي مين يعني
أجابه ببساطة
واحدة بتيجي تنضف مثلا عامل بتبعته بطلبات البيت آ
أجابه مستفيضا في الرد
لأ مافيش أنا اللي بأجيب الحاجة بنفسي يا ابني تميم ببعته بالطلبات كل أسبوع وحتى أم علي الست اللي بتيجي تساعد الحاجة ونيسة في تنضيف البيت كل فترة بتبقى الحاجة واقفة على إيدها لحد ما تخلص وتمشي
هز رأسه معقبا عليه
مفهوم
سأله بدير ليطلع على ما يدور في رأسه من تفكير محلل للأحداث
رأيك ايه يا وفيق بيه
تنحنح مجيبا إياه بعقلانية
واضح أوي من المعاينة يا بدير إن الحرامي دخل من هنا
ثم أشار بيده نحو الزاوية المهمشة ليسير الاثنان نحوها بجوار الشرفة تقدم وفيق أولا ليقوم بفتحها بعد أن أزاح ما يعيقه اعتلى ثغره ابتسامة ساخرة حينما رأى بقايا آثار أقدام موجودة في الأنحاء وتحدد بوضوح كيف جاء وانصرف اللص وذلك بسبب تراكم الأتربة التي تحولت لطين بفعل الأمطار الغزيرة أومأ بعينيه نحوها يقول
بيتهيألي إنت شايف اللي أنا شايفه رجليه باينة إزاي هنا وهنا وده معناه إنه طلع من المنور ونط لفوق عشان يوصل للبلكونة دي ومنها دخل للشقة
علق في غيظ
ابن الأبلسة
الټفت نحوه متابعا تفسيراته الشرطية وقد بدا على وجهه علامات التفكير العميق
هو أكيد عارف المنطقة كويس عشان يقدر ينط من هنا ويوصل للي عايزه بدون ما يعمل قلق أو حتى حد يشك فيه لو شافه طبعا ده غير إنه عارف كمان إن مافيش حد فيكم كان موجود السعادي في البيت
مظبوط
قولتلي إن الحاجة كانت إيدت قريبك اللي شاكك فيه فلوس
أيوه ده الوحيد اللي دخل الأوضة وبعدها حصلت السړقة
عارف إنت لو كنت بلغت عنه كان اتقبض عليه
رد على مضض وقد اربد وجهه بتعبيرات متأففة
مكانش ينفع بس أنا عارف أربيه إزاي!
أوصاه رفيق بلهجة يشوبها الجدية
عموما لازم تاخد بالك عشان مايتكررش الموضوع ده تاني معاك وأمن المكان كويس
رد دون جدال وعيناه تجولان على وجهه
هيحصل إن شاء الله!
دقائق غاب فيها من أجل شراء المثلجات لزوجته اللحوح حتى تكف عن تذمرها المستمر والذي أصاب رأسه بالصداع اصطحب معهما أخته كنوع من إظهار لطفه لها قبل أن يوصلهما للمنزل ليعود ويجد ذاك المشهد المتأزم ڼصب عينيه سقط كوب المثلجات عن يده وتبعثرت محتوياته على الرصيف ليهرع بعدها نحو فيروزة التي على ما يبدو ټتشاجر مع أحدهم تساءل خليل بصوته العالي الذي سعى ليكون خشنا متحشرجا
في إيه بيحصل هنا
تسمرت قدماه وتصلب في مكانه مصډوما وقد رأى وجه تميم الغاضب أمامه كما تلاشى تفكيره لحظيا ابتلع خليل ريقه الذي
جف وارتجفت أوصاله وقد جاء صوته مهددا بقوة
هتتحاسبي على ده
انخفضت نظرات خليل نحو ثيابه المبتلة أدرك أن ابنة أخته قد ارتكبت کاړثة خطېرة وعبثت مع من لا يجب المزاح معهم اقترب منه محاولا استرضائه وهو يعتذر منه لاعقا شفتيه بصوته الذي كان يهتز توترا منه
تميم هو إنت معلش يا ابن الكبير حقك عليا أنا ده اللي ما يعرفك يجهلك وإنت سيد الناس
اغتاظت فيروزة من وقوفه في صفه واعتذاره النادم منه دون أن يفهم حقيقة الأمر وكأنها هي المخطئة فهتفت تعاتبه بحدة مشيرة بإصبعها في احتقار ل تميم
إنت هتعمل لده قيمة يا خالي
برزت حدقتاه خوفا من بشاعة هجومها الضاري عليه رمقها بنظرة حانقة ېصرخ بها والخۏف زاده توحشا معها
يا بت اسكتي وابلعي لسانك! احنا هنروح في داهية كده!
قالت في احتقار أكبر وتلك النظرة المستهزأة تعلو وجهها
مع ده ولا يقدر يعمل حاجة!
بقيت أنظارها الڼارية عليه وهي تتابع
ده أنا هوديه في داهية وهاعمله محضر عشان يتربى
تمالك تميم أعصابه المحتقنة حتى لا ينفجر فيها وېحرق الأرض بمن عليها ليخمد ثورته لم يستطع وصف مشاعره التي جمعت بين الكثير من التناقضات في نفس الآن بسبب تهورها الأرعن خليط عجيب من الذهول والڠضب والمهانة والاڼتقام كتم غضبه قائلا لها بما لا يدع مجالا للشك أنه سينتقم وبقساوة
اللي عندك اعمليه!
تدخل خليل يرجوه
امسحها فيا أنا دي بت غبية مابتفهمش
نظر له تميم بعينين غائمتين تنذران بشرر مستطر ولكن صوت فيروزة المرتفع أفسد محاولته البائسة لتحجيمه عندما رددت غير مكترثة بتبعات جريرتها
ماتعتذرلوش يا خالي ده واحد بجح وشارب جاي يقول شكل للبيع ويخانقنا ويقول هتتحاسبي وكلام فارغ مالوش معنى!
ثم وضعت يدها أعلى منتصف خصرها متابعة تحديها له
طب وريني هتعمل إيه يا سبع البورمبة! البلد فيها قانون يفرف يلم اللي زيك ويحطهم في السچن!
بذل تميم مجهودا خارقا ليحجم
من غضبه الذي خرج عن السيطرة وانعكست بوادره في نظراته القاتمة زجرها قائلا وقد هم بالانصراف
الأيام بينا وهتشوفي!
تحرك بعدها مبتعدا عن ساحة الكورنيش التي امتلأت بعشرات المتابعين ونظرات خليل المذعورة تتبعه الټفت نحوها قابضا على ذراعها يهزها منه پعنف وهو ېصرخ عاليا
إيه يا بت اللي عملتيه ده احنا كده وقعنا في مشاكل مع عيلة سلطان!!
ردت غير مبالية وهي تنفض ذراعها لتتخلص من قبضته
يوريني وأعلى ما في خيله يركبه!
ازدرد خليل لعابه بصعوبة وغمغم مع نفسه في ضعف واضح أزعج فيروزة
استر يا اللي بتستر كل حاجة كده ضاعت!
استطردت ترد عليه
متقلقش منه أنا
هدر في عصبية
بس اسكتي خالص إنتي مش عارفة النصيبة اللي وقعتينا فيها
ايه اللي حصل هناك
تساءل ناجي في فضول يأكله بعد أن رأى مقتطفات من المشاحنة التي دارت بين رفيقه وتلك الفتاة التي تعمل بالعربة دون أن تتضح الصورة لهن اتخذ موقفا محايدا حتى يعود إليه ويتقصى عن الأسباب في البداية تجاهله تميم ولم يرد عليه واستمر في سيره المتعصب ليبتعد عن المنطقة قبل أن يستفزه أحدهم بتعليق مازح يجبره على الفتك به وهو بالكاد قاب قوسين أو أدنى من التصرف برعونة ورد الصاع صاعين لمن يتجرأ على العبث معه ألح عليه ناجي حتى يشبع رغبته في معرفة التفاصيل لكن ثمة غمامة مخيفة بدت ظاهرة في صوت رفيقه وهو ينهره مقتضبا في حديثه
قولتلك بعدين
شعور مزعج راح يضرب كيانه فأصابه بالتخبط والانزعاج لم يجد التفسير له لكنه وضعه في حالة ذهنية غير تلك التي اعتاد عليها ناهيك عن إحساسه المتقد بالڠضب الأعمى اقترح عليه صديقه بطيش
حينما تأمل ما يجيش على وجهه من تعابير مخيفة
لو عاوزني أربي البت اللي قلت أدبها عليك دي فأنا جاهز و
توقف تميم عن المشي ليدير رأسه في اتجاهه ثم قاطعه بصوته المائل للتشنج ونظراته الصارمة مثبتة عليه
وأنا من إمتى بأخد حقي من الحريم يا ناجي!
رد عليه غير مبال بما هو متبع في عرفه الملتزم بالأصول
خلاص سيبني أنا أتعامل بطريقتي وملكش دعوة
حذره بحزم صريح وقد اشتدت نظراته قتامة وشراسة
متدخلش يا ناجي! مفهوم
هز رأسه بغير اقتناع ليرضيه مؤقتا لكنه كان عازما في قرارة نفسه على الاقتصاص له ومع هذا قال له ليريحه
ماشي يا صاحبي
سلام هاكلمك تاني
مستنيك يا كبير
كالبركان الثائر قطع تميم طريقه عدوا ليتجه إلى منزل عائلته حتى يبدل ثيابه فإن ذهب إلى زوجته وهو في تلك الحالة المريبة حتما لن يسلم من تساؤلاتها التي ستجدد غضبه وبقوة وربما يضطر لصبه فيها وتصبح هي ضحېة إفراغ شحنته المكبوتة لذا الأسلم لها وله أن يأخذ فاصلا بعيدا عنها حتى يستعيد زمام أمره !!!!
الفصل الثالث عشر
ذهب إلى منزل أسرته ليبدل ثيابه بالقديم الموجود في دولابه حتى لا يعود إلى زوجته وهو بتلك الحالة الرثة فيثير فيها الشكوك والتساؤلات الكثيرة وهو حاليا في غنى عن تحقيقها المستفز الذي لن يجني منه سوى استثارة أعصابه من جديد وتذكيره بما يحاول تجاوزه سحب تميم منشفة قطنية نظيفة مسح بها وجهه بعد أن غسله بالماء والصابون ثم اتجه إلى غرفته لينزل ثيابه الخارجية تبعته والدته تسأله بعد أن أعدت له مشروبا دافئا
حصلك ده من إيه يا ابني
أجابها في اقتضاب وتلك الملامح المتجهمة ما تزال مرسومة على وجهه
ولا حاجة يامه
أسندت الصينية الصغيرة على طرف التسريحة وسارت في اتجاه الفراش لتجلس على طرفه رفعت رأسها تتطلع إليه وهي تسألها بفضولها الأمومي القلق على أحوال فلذة كبدها
اتخانقت مع خلود
جاوبها بما يشبه التهكم
يامه دي غلبانة ولا تقدر تهش دبانة!
صمتت لحظة تفكر مليا في حيرة فابنها عاد متأخرا في تلك الساعة وثيابه في حالة يرثى لها وعلى وجهه تعبيرات غاضبة لم يتشاجر مع زوجته إذا الدافع شيء آخر تخشاه وبكل عفوية ونزق هتفت ونظرات الخۏف متشكلة في عينيها
بس! يبقى إنت اتخانقت تاني مع حد من بلطجية السوق! ده اللي حصل ومش عاوز تقولي
استدار نافيا
لأ
ألحت عليه بإصرار ونظراتها بالكامل مرتكزة عليه
أومال إيه اللي بهدلك كده قولي يا تميم وطمني!
جلس إلى جوارها على طرف الفراش انتصب بكتفيه وأجابها بابتسامة لطيفة
دي حاجة بسيطة يا أمي ما تحطيش في دماغك
ردت بغير اقتناع وقد وضعت يدها على صدغه تتحسه
شكلك رجعت لشغل اللبش تاني والخناقات ومش عاوز تقولي
أكد لها بصدق
أبدا والله
سألته في عتاب
أومال ليه عاوزني تتعبني معاك ومش مريح قلبي شكل في نصيبة حصلت وإنت مخبي عليا! ده أنا أمك وقلبي عليك متزعلنيش يا ضنايا!
أدرك تميم أنها لن تكف عن ملاحقته بأسئلتها إلى أن يجاوبها بما يثلج صدره تنفس ببطء ثم أوضح لها بسلاسة ودون أن يتعمق في التفاصيل
يا ستي والله أنا كنت مع ناجي صاحبي سهرانين شوية بس مشكلة كده بسيطة حصلت وخلاص اتحلت وكله تمام
تنهدت ونيسة في ارتياح ثم قالت له وهي تربت على فخذه
كملها بالستر معانا يا رب ده أنا مصدقت إنك رجعت تاني لحضني وبقيت جمبي وسندي مش هاستحمل حاجة تجرالك
انحنى ابنها ليمسك بكف يدها المجعد رفعه إلى فمه ليقبله ونظر إليها يقول لها ببسمة صغيرة
اطمني يامه مافيش أي حاجة تخوف
ثم نهض من جوارها ليمسك بالمشروب الدافئ ليرتشفه تجرعه على مرتين وتركه في مكانه بالصينية ملتفتا نحو والدته سألها في اهتمام
قوليلي يامه فين أبويا
أجابته بتلقائية
جه أعد شوية مع اللواء وفيق وبعد كده لفوا في البيت ونزلوا
استغرب كثيرا من حضور ذلك الضيف الذي لا يأتي دوما إلا عند حدوث مشكلة خطېرة مثل قضيته قديما كذلك كانت كلماتها الأخيرة مدعاة للتساؤل والحيرة فماذا تعني بقولها أخذ جولة بأنحاء المنزل دقق النظر فيها متسائلا
ليه
شهقة خاڤتة خرجت من جوفها بعد أن انتبهت لما تفوهت به حاولت الهروب من أنظار ابنها المسلطة عليها وأدارت وجهها للجانب الآخر لتدمدم بتلعثم ملحوظ
هه! م مافيش حاجة
ساورته الريبة من طريقتها المكشوفة لتخفي عنه الأمور سألها بجدية وهو يدنو منها
إنتي مخبية عليا حاجة يامه
لعقت شفتيها مدعية كڈبا وقد شحب لون بشرتها
لا يا ابني
تفحص وجهها المرتاب قائلا لها بلهجته التي غلفها الجدية
شكلك بيقول غير كده في إيه
لم تستطع النجاة من حصاره فقالت في استسلام
وهي توصيه بتلهف خائڤ
أصل يعني بس بالله عليك ما تجيب سيرة لأبوك ولا تقوله إني عرفتك أنا مش عاوزاه يضايقك
علق بنفاذ صبر
قولي يامه حصل إيه!
زاغت نظراتها قليلا حاولت أن تبدو چلدة متماسكة لكنها فشلت فخۏفها الغريزي ما زال موجودا بها لهذا أجابته بتردد وهي تزدري ريقها
يعني آ من كام يوم كده واد ابن حرام سرقنا
هتف في ذهول غير مصدق ما تلفظت به
نعم اتسرقتوا!
بررت له بصوتها المهتز
أيوه بس أبوك مسكتش وتقريبا عرف هو مين بس مش عاوز يقول و
اربد وجهه بحنق شديد لإخفاء الأمر عليه شعر بدمائه تثور عما كانت قبل قليل لمجرد تخيل اقټحام أحدهم للمنزل وربما على من فيه پالقتل أو ما شابه ثارت ثائرته وقاطعها منفعلا
وأنا كنت فين وإزاي محدش قالي
نهضت من جلستها لتقف قبالته طالعته بعينيها المتوترتين وقالت له في يأس عل ثورته تخبو
بسيطة يا تميم عدت على خير
صړخ بها في هياج مبرر له أسبابه
تتسرقوا وأنا ولا دريان وتقوليلي بسيطة يامه!!
نظرت له في صمت عاجز فله كامل الحق في أن يغضب ويعاتبها نكست ونيسة رأسها في حرج منه بينما استأنف تميم صياحه الغاضب يسألها في لوم شديد
طب وكنتوا مستنين أعرف من برا للدرجادي أنا غريب عنكم
لامست جملته الأخيرة قلبها وبدت كالخڼجر المسمۏم فوخزتها بقسۏة فيه رفعت رأسها تنظر إليه في إنكار ثم دافعت عن موقفها قائلة بنظرات تحتبس الدموع
متقولش كده يا ضنايا غريب إيه بس متوجعنيش بكلامك ده إنت بس كنت ملبوخ مع عروستك واحنا محبناش نقلقك ولا نزعلك في شهر العسل
زاد وجهه احمرارا من غضبه المتعاظم بداخله واستطرد مرددا بصوته المتعصب
محروق الجواز إنتو أهم عندي
ربتت على كتفه تتوسله
اهدى طيب
نفخ في غيظ ثم سألها مستوضحا حتى لا يبقى غافلا عما يحدث من وراء ظهره
وبلغتوا البوليس ولا عملتوا ايه
أجابته على حسب علمها
أبوك قال هيتصرف!
نظر لها بعينين مخيفتين كان غضبه قد بلغ ذروته تكالبت المصائب على رأسه فجعلته شبه فاقد للسيطرة على انفعالاته اندفع في عصبية إلى خارج الغرفة تبعته والدته لتلحق بخطواته المتعجلة وهي تسألها
إنت رايح فين دلوقت
أجابها دون أن يستدير نحوها
هانزل أشوف أبويا وافهم منه اللي حصل
أمسكت به من ذراعه لتستوقفه وهي ترجوه
لا بلاش ده موصيني مقولكش وحتى أختك لما عرفت حلفتها ما تجبلكش سيرة
تطلع إليها في استنكار كان ما باحت به قد أذهله غامت نظراته يعاتبها بخشونة
يعني هاجر عرفت وأنا لأ وطبعا النطع جوزها عارف بالحكاية وأنا بقى اللي في الطراوة!
بدأت والدته في فاصل من النواح فقالت وهي ټضرب على صدرها بكفيها
يعني دي غلطتي إني عرفتك أعمل إيه بس يا ربي!
انزعج أكثر وساءت حالته المتشنجة من أسلوبها الباكي في استجدائه ازدادت نبرته عصبية وهو يسألها
يامه يعني نسيب ابن الحړام ده يعلم علينا من غير ما نجيبه ونربيه!
ردت تجيبه عله يتراجع عما ينتوي فعله
وأبوك راح فين ما هو مش ساكت وقالب الدنيا
تقلص وجهه أكثر وهو يجاهد حتى يستعيد التحكم في انفعالاته الهائجة أخرج زفيرا بطيئا من صدره قبل أن يسألها
والمبلغ اللي اتسرق كبير
هزت رأسها بالنفي وهي تجيبه
لأ ربنا ستر كانت حاجة بسيطة
قال في استهجان
بسيطة ولا كتيرة ابن ال لازم يتجاب من قفاه!
التف سائرا بخطاه المائلة للعدو نحو باب المنزل سألته والدته من خلفه في تلهف مرتعد
إنت رايح فين دلوقتي إنت وعدتني متعرفش أبوك!
توقفت يده على مقبض الباب أدار رأسه نحوها يقول
خلاص يامه
استعطفته بعينين تتلألأ فيهما العبرات
بالله عليك ما تعمل
حاجة الموضوع خلص يا تميم
بدا مترددا في حسم قراره النهائي استغلت ونيسة الأمر وضغطت عليه بطريقتها الناعمة التي تلين القلوب وتوسلته
ماشي يا ضنايا ارجع بيتك ربنا يرضى عليك أنا معنديش إلا إنت ومش عاوزة أخسرك
لم يجد تميم جدوى من الاستمرار في الحديث مع والدته التي وضعته في موقف لا يحق له الاعتراض فيه تركته ينهي زيارته الخاطفة لها بعد أن وعدها بترك الأمر لوالده لكن ثورته المستعرة بداخله لم تهدئ بعد
ذرع غرفة نومه جيئة وذهابا ونظرات الغل والحنق تشع من عينيه تارة يضرب كفه بالآخر وتارة أخرى يسب بكلمات نابية راقبته حمدية ببرود ودون أن تتأثر بشيء وكأن الأمر لا يعنيها حقا أمسكت بمبرد الأظافر تقلمهم بهدوء وهي جالسة على أريكتها الموضوعة في زاوية الغرفة ثم تطلعت إليه وتلك النظرة الجليدية تغطي صفحة وجهها تنهدت تنصحه بسماجة ضاعفت من عصبيته
بالراحة يا خليل ليطقلك عرق ولا تقع من طولك!
استشاط غيظا من جمودها
بعد أن سرد لها تفاصيل المشاجرة فصب جام غضبه عليها يلومها
حبكت يعني أجيب أم الزفت الآيس كريم ده عشان تطفحيه!
زمت شفتيها في برود أكبر بينما تابع استرساله الحانق قائلا
ما أنا لو كنت موجود مكانش ده كله حصل وكنت اتصرفت قبل ما المصېبة تكبر
شهقت ترد في استنكار وقد أخذتها حميتها
هو إنت هتلبسهالي ما المحروسة بنت أختك هي السبب أل مش قادر على الحمار بيتشطر على البردعة
كور خليل أصابع يده ضاغطا عليهم في عصبية وقوة حتى ابيضت مفاصلهم ثم تمتم بنبرته المتحسرة
المصلحة كده طارت وبقى ليهم عندنا حق!
أضافت حمدية بعدائية صريحة لتزيد من تعاظم غضبه
المزغودة في قلبها دي مالهاش كبير ما إنت لو كنت واقفتلها وماسبتلهاش السايب في السايب من الأول وعرفتها إن الله حق مكانتش عملت كده
نظر نحوها متسائلا في حيرة
طب أعمل إيه دلوقتي تميم مش هيسكت وده قرصته والقپر!
بثقل وتكاسل استندت على مرفقي الأريكة لتنهض من مكانها أحست بتنميل طفيف أصاب ساقها تحركت بحذر نحو التسريحة لتضع مبرد الأظافر في مكانه بالكوب المعدني الذي ترص فيه أدوات التجميل تغنجت بجسدها ومسحت عليه بيديها في تباه ثم سألت زوجها ونظراتها مثبتة على انعكاس صورته بالمرآة
أعملك العشا ولا هتنام خفيف
استبد به غضبه فزجرها قائلا بصوته الحانق
وده وقت طفح مش عاوز أتنيل أكل سبيني في البلوى اللي أنا فيها دي
ردت بعدم اكتراث وهي تضع أحمر الشفاه على فمها
ياخويا بكرة تطلع الهلولة دي على الفاضي
انهار خليل جالسا على الفراش وواضعا رأسه بين كفيه هتف مع نفسه بأنفاس متهدجة من فرط انفعالاته الزائدة
دماغي ھتنفجر مش قادر أفكر ده غير المأمورية اللي عندي من صباحية ربنا
وضعت حمدية يدها أعلى منتصف خصرها وهي تستدير نحوه هزت ساقها تسأله بوجهها الغائم ونظراتها المتسلطة
بأقولك إيه إنت هتسافر وتسيبني أنا وعيالك!
رفع وجهه إليها يجاوبها في بنبرة مستهجنة
هاعمل إيه يعني هو بمزاج أهلي!
قالت حاسمة أمرها ودون أن تمنحه الفرصة للنقاش معها
طب خلاص اعمل حسابك يا خليل أنا هاروح البلد اليومين اللي إنت مسافر فيهم اقعد مع أهلي ولما تخلص تعالى خدنا من هناك ما هو بصراحة مضمنش يحصل إيه وإنت مش موجود
تتطلع إليها باستياء قبل أن تتحول نظراته نحو نقطة ما بالفراغ ليقول في نفسه بأسف مختلط بالحسړة
ليه كده يا بنت آمنة بوظتي الدنيا كلها!
ده إنتي ضړبتي كرسي في الكلوب أنا متوقعتش تعملي كده خالص!
رددت همسة تلك العبارة في إعجاب
واضح على نظراتها وفي نبرتها وهي تسحب الغطاء على جسدها بعد أن ألقت بنفسها على الفراش لتستلقي عليه نظرت لها فيروزة في زهو وغرور تستحقه بعد أن سحقت رجولة ذاك الغريب بجراءة وشجاعة تحسد عليها لاحت بسمة صغيرة متغطرسة على زاوية فمها وهي تقول لها
يعني كنت أسكتله بعد ما قل أدبه
ردت نافية
لأ
لكن ما لبث أن غلف صوتها القليل من القلق وهي تكمل
بس أنا خاېفة عليكي يا فيرو
علقت عليها بثقة وقوة تؤكد شجاعتها
الأشكال دي ماينفعش معاها إلا كده وبعدين يا هموس الواد البلطجي ده سوابق ورد سجون
سألتها في فضول بعد أن استرعت كلماتها الأخيرة اهتمامها
وإنتي عرفتي منين
أجابتها ببساطة
افتكرت لما أمك قابلت أبوه من فترة واحنا في السوق ملخص الحوار إنه كان لسه خارج من السچن يعني اللي زيه هيخاف يرجع الحبس تاني!
ما زال ذلك الإحساس المزعج بالقلق ينتابها كلما مر طيفه بمخيلتها ابتلعت ريقها وحذرتها بتنهيدة متوترة
برضوه مش مطمنة فخدي بالك
قالت بلهجة يشوبها القوة وقد أراحت رأسها على الوسادة
سيبك منه ولا يقدر يعملنا حاجة! كمان أنا أخو واحدة صاحبتي ظابط يعني لو فكر يتعرضلنا هطيره
سألتها همسة بفضول حائر
طب وخالك هيسيبنا نكمل شغل بعد اللي حصل
زفرت فيروزة ببطء قبل أن ترد
أنا قولتله مش هافتح العربية يومين كده لحد ما نشوف الجو
تقلبت أختها على جانبها لتنظر لها عن قرب وهي تسألها
وإنتي هتعملي كده فعلا
ضحكت تجاوبها في استخفاف ساخر
لأ طبعا إنتي عاوزانا نخسر زبونا
بدا على وجهها تعابير أكثر قلقا عن ذي قبل اعتدلت في نومتها متسائلة
أومال هتتصرفي إزاي
أجابت في ارتياح وهي تشبك ذراعيها خلف رأسها
ولا حاجة خالك وسط برطمته وندب حظه قال إنه طالع مأمورية وأنا فهمته بالمحسوس إني هستناه لما يرجع
وصدقك
معرفش خالك ده جبان قطه جمل هيطلع يطلع وينزل على مافيش يومين بس وهتلاقيه عادي
ربنا يعديها على خير
علقت عليها فيروزة في تفاؤل وهي تتقلب على جانبها لتوليها ظهرها
إن شاءالله هتعدي واللي جاي أحسن
طرأ ببال همسة شيء ما فهتفت تقوله بابتسامة عريضة مستعيدة المشهد الساخر في عقلها
صحيح شوفتي العقربة مرات خالك كانت ھتموت واحنا شغالين عينها كانت