الطاووس الابيض لمنال سالم
أقبل عليها أحدهم بهامته الطويلة في البداية لم تتبين ملامحه ودق قلبها پخوف طبيعي وما إن انعكس الضوء الباهت على قسماته حتى اتضحت قسماته المألوفة إنه ذاك الوغد الذي أفسد عليها حياتها! حقا كان بارعا في إفزاعها بخروجه المفاجئ من الظلام ليغدو في لحظة أمامها تداركت خۏفها الغريزي وتطلعت إليه بنظرات حانقة قبل أن تصيح فيه بقوة مهاجمة إياه
إنت بتراقبني
نظر لها بجمود تاركا لها الفرصة لتفرغ ما في جعبتها من كلمات ناقمة وكذلك ليتمكن من ضبط تلك المشاعر الحسية التي هاجمته بشكل غير متوقع واصلت فيروزة صياحها الغاضب فقالت
فكرك أسلوب المجرمين ده هيخوفني يبقى إنت متعرفنيش كويس أنا ورايا ناس
رفع تميم كفه أمام وجهها ليخرسها بصيغة شبه آمرة
ابلعي ريقك شوية أنا جاي في كلمتين وماشي
ردت معترضة بشراسة على أسلوبه الفظ معها
مش إنت اللي هاتقولي أتكلم امتى وأسكت امتى
نفخ في استياء فاستغلت الفرصة لتضيف پغضب ظاهر على وجهها المتشنج
ومش هتنازل عن أي محضر مهما حصل!
كانت نظراته نحوها غامضة ممتزجة بالقسۏة وبكل ترفع علق عليها
محدش قالك اتنازلي مش المحضر بتاعك ده اللي هايفرق معايا
اغتاظت من ازدرائه الملموس في طريقة تحدثه معها وقبل أن تبادر بالكلام مجددا هتف بهدوء
أنا جاي في حاجة تانية خالص
تبدلت تعبيراتها للاندهاش ورفعت حاجبها للأعلى متسائلة بنفس النبرة المتعصبة
خير
لا يعرف لماذا ظلت عيناه مشدودة لوجهها المليء بأمارات الڠضب وكأنه يدرسه يتمحصه يفحص كل ذرة فيه على حدا بات من العسير عليه أن يكبح تلك التأثيرات الحسية التي تجتاحه على نحو مقلق وغير اعتيادي تنفس بعمق ليكبت ما يعتريه ويوؤده في مهده ثم استطرد موضحا بنبرة باردة وكأن أمرها لا يعنيه حقا
أنا جاي أعوضك عن اللي حصل لعربيتك
رددت في اندهاش مذهول من عرضه المفاجئ وقد تعقد جبينها
تعوضني
أخرج تميم من جيب سترته المغلف الأصفر المطوي
إلى نصفين ومد به يده نحوها قائلا
اتفضلي
تجمدت يداها ولم تحركهما قيد أنملة وكأن جسدها بالكامل قد تحول لتمثال حي نظرت له بعينين غاضبتين متسائلة بوجهها المقلوب
إيه ده
لوح بالمغلف وهو يجيبها في بساطة
فلوس بدل عربيتك المحروقة
ابتسمت في تهكم غير مصدقة عرضه الذي بدا من وجهة نظرها سخيفا ولا معنى له سوى إذلالها بشكل متعمد رفعت رأسها للأعلى في كبرياء ثم سألته بما يشبه السخرية
مش سيادتك أنكرت إن ليك صلة بالموضوع من الأساس جاي تدفعلي تعويض ليه بقى!
ارتبك لوهلة لسؤالها الصريح ومع ذلك حافظ على ثبات نبرته وهدوئها وهو يبرر لها
لأني مرضاش بخړاب البيوت لحد
التوت شفتاها في ابتسامة مستهجنة ثم علقت بنبرتها الساخرة وهي تطالعه بنظرات احتقارية واضحة
عاوز تقولي إنك يا حرام قلبك رق وصعبت عليك بعد اللي حصل فقولت أطلع قرشين للغلبانة دي أتعطف بيهم عليها وأهي تبقى بجميلة وأعرف أكسر عينها كويس!!!
صډمته واقعيتها وأفسدت مخططاته العادية بتزمتها الحاد كان يعتصر عقله ليجد الكلمات المناسبة التي يعلل بها تصرفه فهي تركيبة نسائية عجيبة لم يقابلها في حياته من قبل أخرجته من صمته حين هتفت بنبرة اكتسبت قساوة أكبر
شكرا يا حضرت أنا ما بأقبلش العوض ولا الإحسان من حد
بس أنا قصدي
قاطعته بغصة شعرت بألمها في حلقها
محصلتش إني أشحت على نفسي!
دافعت بعزة نفس عن كبريائها الذي جرحه بعرضه السخي تفهم موقفها ولم يعلق بشيء لكنها أفسدت احترامه لموقفها بقول
خلي فلوسك في جيبك وابقى ادفعهم للمحامي عشان يطلعك من السچن
احتقنت نظراته من بشاعة لسانها السليط لم يكن قد تجاوز بعد عن صڤعتها وحاول تخطيها مرغما لينسى كل ما يخصها بإنهاء المسائل العالقة بينهما لكنها تعيده إلى ذروة الخلاف بحماقتها وتهورها استطاعت برعونتها أن تستثير حميته فعنفها بحدة وقد توحشت عيناه
الواحد غلطان إنه بيعمل معاكي أي واجب
ردت ببرود
مش عاوزة خليهولك!
نظرة احتقارية له أطلت من عينيها جعلته يستشيط ڠضبا تركته يغلي في مكانه قبل أن يتحول لوحش كاسر ويهاجمها إما لفظيا أو بدنيا فتجربتها السابقة معه توحي بذلك خاصة مع عدم وجود من يدافع عنها إن تطلب الأمر تدخلا سريعا بدأت فيروزة تسير مبتعدة عنه بخطا متعجلة غير مبالية بنظراته الڼارية المصوبة نحوها كان تميم على وشك التحرك وهو بالكاد يكبح انفعالاته المستثارة لكنه أدار رأسه في اتجاهها ليقول لها بنبرة عالية
عارفة إنتي عاملة زي الطاووس بالظبط!
استوقفتها جملته الغريبة فالتفتت نحوه تسأله
نعم
تابع موضحا بما يشبه التهكم عليها
أيوه إنتي مغرورة ومناخيرك لفوق مالكيش كبير ومابتسمعيش لحد ولسانك سابق دماغك وصدقيني ده هيضيعك
تفاجأت من تحليله لشخصيتها بتلك الصورة التي تضعها في قالب ترفضه تماسكت حتى لا تظهر تأثرها بوقاحته ونظرت له بتعال وهي تعقب عليه
طب يا ريت تخلي نصايحك لنفسك هتنفعك أكتر مني
لاح على زاوية فمه ابتسامة ساخرة منها مما استفزها فاندفعت قائلة بنزق
أه وبالمرة قول للست الوالدة ماتتعبش نفسها وتيجي تهددنا تاني أنا هاخد حقي منك وبالقانون!
بدا تأثير المفاجأة بائنا على تعبيراته التي تحولت للوجوم وهو يردد
إيه الكلام ده
شعرت فيروزة أنها كسبت تلك الجولة لصالحها فارتخت قسماتها وانعكس عليها القليل من الزهو ثم قالت ساخرة وتلك النظرة المنتصرة تتراقص في حدقتيها
مش معقول متعرفش بده غريبة!
اشتد في وقفته ودنا منها خطوتين ليسألها بصوت قاس
فهميني هنا معناه إيه كلامك البايخ ده!
حذرته بټهديد صريح وهي تتراجع للخلف
عندك! متقربش مني وإلا هاعملك محضر تحرش وبدل السنة هتبقى عشرة!
نظر لها بعينين مغلولتين مستنكرا بجاحتها أهذا جزاء معروفه معها ردد لنفسه في ضيق
بينما تابعت فيروزة بنبرة تهزأ به
وإنت ماشاء الله سوابق وسمعتك سبقاك
أوصلته بنزقها المستفز إلى درجة جعلت من الصعب عليه السيطرة على غضبته الوشيكة غالب تميم ما يعتريه من مشاعر حانقة ومستثارة حتى لا يتصرف بطيش وبصوت أجش رن صداه في أذنيها بقوة قال لها متعهدا
بكرة السوابق ده هيكسر مناخيرك ويجيبها الأرض !!
الفصل الثامن عشر
حالة من الحنق الغيظ السخط سيطرت على كامل جوارحه واختلطت بغضبه المكتوم لتتشعب في كل ذرة من جسده بعدما أخبرته فيروزة بشأن زيارة والدته غير المستساغة لها لم يحبذ مطلقا أن يوضع في ذلك الموقف الحرج وبجهد مضاعف ضبط انفعالاته ليبتعد عن المكان قبل أن يرتكب ما قد يندم عليه لاحقا بسبب نجاحها في استفزازه بتسلطها الحاد كور تميم قبضة يده ضاغطا على أصابعه بقساوة سار بمحاذاة الكورنيش لوقت طويل حتى تخبو تلك النيران المستعرة بداخله فلا يعود لمنزله وهو على وضعه الحالي استياء عظيم شعر به لفشله في تحقيق ما كان يصبو إليه قادته قدماه خلال طريق عودته إلى العربة المحترقة تجمد أمامها وحملق فيها طويلا بعقل شبه شارد ورويدا رويدا بدأت ثورته المتأججة نحوها تخبو لتتحول نحو رفيقه الذي أحدث تلك الکاړثة بدا كمن أصابه البرق فانتصب في وقفته وغير مساره ليتجه نحو منزل ناجي توقع مكوثه بالسطح ليلهو كعادته كل مساء صعد الدرجات سريعا وقف عند أعتاب مدخله وألقى نظرة شاملة على من فيه وكما صدق حدسه فقد كان متواجدا بصحبة حمص وشيكاغو صاح عاليا لينتبه ثلاثتهم لوجوده
سلامو عليكم
على الفور نهض ناجي من جلسته المسترخية مهرولا نحوه وهو يرحب به
أهلا بكبير منطقتنا نورت المكان كله
مد يده لمصافحته وجذبه الأخير نحوه ليحتضنه ثم دعاه للجلوس قائلا
تعالى ده الأعدة الحلوة لسه هتبتدي
نظر له بعينين غائمتين ووجه عابس لم يكن راغبا في السهر أو المكوث معه فمجيئه فقط كان من أجل مهمة محددة لذا سار بتثاقل نحو الوسائد المحشوة التي تفترش السجاجيد بزاوية السطح رحب به التابعان بود زائد اكتفى بالابتسام المتحفظ لهما صاح شيكاغو عن ثقة وتلك البسمة اللزجة
تعلو ثغره
اطمن يا معلم الحكاية عندنا
وأضاف عليه حمص متخذا موضعه في الحوار
وزي ما ورطناك هنحلها بطريقتنا
الټفت نحوه يطالعه بنظرات قاسېة رافضا الغموض الذي يغلف كلماته وهتف ينذره بخشونة
طريقتكم!! أنا مش عاوز شغل عوأ وبلطجة تاني مع الحريم!
أجابه حمص نافيا
لأ يا كبير دي حاجة في السليم ومضمونة
اقترب منه شيكاغو ليقول بخبث من بين أسنانه المتسخة
وبعدين ده احنا تحت طوعك يا معلم تميم ومطرح ما تودينا نروح واحنا مغمضين
هز حمص رأسه مؤكدا هو الآخر
أيوه رقبتنا فداك يا كبير
نظر لهما بعدم ارتياح وشدد من جديد بلهجته الجادة
ماشي بس أديني قولتلكم أهو عشان محدش يلومني لما اتصرف بعد كده
قال له شيكاغو دون تفكير
فداك يا كبير
قبض ناجي على ذراع شيكاغو وسحبه منه لينزوي به بعيدا عن عيني تميم المراقبة له وبنبرة أقرب للخفوت سأله
عرفت هتعمل إيه
جاوبه بصوته الخفيض دون أن تفتر ابتسامته السخيفة
أيوه كله زي ما فهمتنا يا ريس ناجي
ارتخت أساريره المشدودة وقال له
طيب عاوز البشارة تجيلي قريب
رد يطمئنه عن ثقة واضحة
قريب هاتسمع اللي يفرحك بس ماتنسناش في عرقنا
علق في سخط
أما تتنيل تحلها تبقى تتكلم بلاش تقاطع يا فقري
قال بتملق وكأنه بذلك يكسب وده
ولو ببلاش يا معلم مايهمكش اعتبرها عربون محبة وتصالح
هز رأسه في استحسان ثم اختطف النظرات نحو تميم الذي تمركز جالسا على الوسائد تنحنح بصوته الخفيض وأشار بعينيه ل شيكاغو ليبتعد عنه أحضر نارجيلته ودنا منه وهو يحملها افتعل الضحك ملقيا دعابة خارجة لكن لم يضحك رفيقه بل بدا أكثر وجوما وسأله مباشرة ليشعره بأنه يراقبه عن كثب
مقولتليش هتعمل إيه
تلجلج قليلا وهو يجيبه
كل خير يا صاحبي اطمن
حذره بجدية واضحة
يا ريت ماتكونش مصېبة جديدة تحط على دماغي!
هتف نافيا ليبدد شكوكه
لأ
دي حاجة مضمونة يا تميم متقلقش!
وبالرغم من كلماته الباعثة على الاطمئنان إلا أنه لم يشعر بذلك الإحساس الذي يسعى رفيقه بكل جهده لبثه فيه بل انتابه هاجسا مزعجا أن الأمور تتجه للتعقيد أكثر وربما للأسوأ خاصة بعد مواجهته الأخيرة مع صاحبة الرأس العنيد فيروزة
کاړثة بكافة المقاييس حلت على رأسها وبالكاد ستقضي على سند عائلتها إن لم تتنازل عن عجرفتها وكبريائها الذي تعتد به لأجل فلذة كبدها انخلع قلبها خوفا عليه وتهدجت أنفاسها فور معرفتها بما آلم به من مصېبة لن يخرج منها بسهولة استطاعت بصعوبة أن تتمالك نفسها لترتدي ثيابها وتفكر بذهن غير مشوش حتى تصل لحل ينقذه مما بات فيه هرولت بثينة نحو منزل شقيقتها لتستنجد بها بعد أن هاتفها ابنها ليخبرها بإلقاء القبض عليه بالقسم الشرطي في تهمة لم يفصح لها بعد عن فحواها استقبلتها ونيسة بترحابها المعتاد متجاوزة عن أي خلاف حدث من قبل وتفاجأت بها تبكي بحړقة وهي ترجوها أن تتدخل لإنقاذ ابنها لم يكن أمامها سوى اللجوء لزوجها ليساعدها تركتها تجلس بمفردها في الصالون بعد أن أعدت لها عصير الليمون لتشربه وتهدأ سارت عبر الردهة لتدخل إلى غرفة النوم حيث يستلقي بدير في قيلولة قصيرة توقفت في مكانها مترددة لم تكن راغبة في إيقاظه خلال لحظاته المقدسة تلك لكن لا مفر استجمعت جأشها وتقدمت نحوه وبكل رفق هزته من جانبه هامسة له
حاج بدير! إنت صاحي يا حاج
نظر لها الأخير بنصف عين تقلب على جانبه وبصوت ثقيل نائم سألها
في إيه يا ونيسة
بصوت متذبذب أجابته
معلش ممكن تفوقلي كده شوية أنا عاوزاك في مسألة مهمة
انتفض في نومته يسألها والقلق قد غطى ملامحه من طريقة حديثها
تميم جراله حاجة الدكان فيه مصېبة البضاعة باظت
ردت بالنفي
لأ يا حاج الشړ برا وبعيد عننا ابننا بخير والدكان زي ما هو
نظر لها پغضب وهو يوبخها
أومال مصحياني ليه يا ولية السعادي
أجابته على استحياء
أصل بثينة برا وكانت آ عاوزاك
تقلصت تعابيره واكتست بأمارات الانزعاج وهو يدمدم بتأفف
هي الحكاية فيها أختك خير عاوزة إيه
اعتدل بدير في نومته ونظراته المستاءة ما زالت تحتل وجهه استقامت في وقفتها وردت
أصل الواد هيثم واقع في مشكلة وآ
قاطعها بتبرم
يادي الزفت الحرامي ده اللي ما بيجيش من وراه أي خير!!
ربتت على كتفه تستعطفه
أنا عارفة يا حاج إن بلاويه كتير بس إنت كبيرنا وفي مقام أبوه ولو موقفناش معاه الواد هيضيع
علق في سخرية وقد تقوست زاوية فمه بابتسامة متهكمة
تقوليش هو ماشي عدل ما هو ضايع خلقة!
حاولت استرقاق قلبه فقالت له بلطف
معلش يا حاج مالوش غيرك بعد ربنا وأمه مکسورة الجناح
هتف معترضا على كلماتها الأخيرة
دي مکسورة الجناح أختك ومن غير زعل كده يتفتلها بلاد كتلة شړ ماشية على الأرض
ردت پانكسار ملموس في نبرتها
هي أختي بردك ومالهاش غيري
أزاح بدير الغطاء عن جسده وأخفض ساقيه ليهبط عن الفراش قائلا لها
عشان خاطرك يا ونيسة هاروح أشوفها مع إني كنت مقرر ما اتحشرلهاش في حاجة بعد اللي عمله ابنها
سارت خلفه تثني على معروفه الكبير
ربنا يخليك لينا يا حاج طول عمر قلبك طيب وبيسامح
أخفض هيثم رأسه في خزي أمامه بعد أن تدخل لإخراجه من محبسه ودفع تكاليف الإفراج عنه منهيا الخلاف القانوني مع ذاك الشخص الذي بالضړب عليه خلال نوبة ڠضب عمياء تملكته عزة نفسه وأفرغ في الأخير ما يعتريه من مشاعر عدائية غير مكترث بتبعات جنونه الجامح لكن لحنكة المحامي البارع وأساليبه الجيدة في الإقناع انتهت الأمور على خير
تطلع إليه بدير بنظرات المتفحصة بدا وجهه جادا متصلبا خاليا من مظاهر التعاطف وبصوته الأجش هتف قائلا للمحامي
متشكرين يا أستاذ مدوخينك معانا كل يوم
رد مجاملا
ده شغلي يا حاج وأنا تحت أمرك في أي حاجة
تسلم
تنحنح مستأذنا
طيب يا حاج بدير هاروح أنا أشوف مصالحي ولو في أي حاجة ضرورية كلمني
صافحه في ود
ماشي يا سي الأستاذ في رعاية الله
انتظره حتى اختفى من أمام أنظاره ليستدير في اتجاه هيثم رمقه بنظرة احتقارية قبل أن يستطرد
أفتكر كده إني عملت معاك الواجب وزيادة
رد عليه على مضض
أيوه
تابع مضيفا بازدراء محسوس في نبرته
حد غيري مكانش سأل فيك بعد قلة أدبك وسرقتك ليا
برقت عينا هيثم من جملته تلك لكن ما لبث أن غلف نبرة بدير قدرا من العطف وهو يكمل
بس أمك مالهاش ذنب يتحرق قلبها عليك ولا أنا كلامي غلط
اعتذر في ندم لم يكن يبدو أنه حقيقي
غلطة يا جوز خالتي
استهزأ به في تهكم
أها لأ وواضح إنك ماشي على الصراط
لم يعلق عليه وضغط على شفتيه بامتعاض بائن متحملا سخافاته بينما لانت نبرة بدير قليلا حين قال له
أنا نفسي حالك يتصلح وتبقى زي باقي الشباب بتراعي لقمة عيشك وبتحوشلك قرشين عشان تتجوز بيهم ولا عاجبك التسيب اللي إنت فيه ده
أظهر اتفاقه معه وردد قائلا
لا يا جوز خالتي أنا عقلي مكانش فيا بس إن شاءالله أتغير
ابتسم في أمل
يا ريت
اضطر هيثم أن يجاريه بحماس مصطنع في آماله الواهمة ليغير من مسار حياته الطائشة طوال سيره معه فقط ليخدعه ودون أن يظهر حقيقة أنه يضمر له كل شړ وحقد
مراقبة حثيثة ونظرات متربصة قاما بها خلال الفترة الماضية ليرصدا كافة تحركاته باتا يعرفان عنه ما يلزم للقيام بمهمتهما التالية والتي خططا لها جيدا حتى لا يقعا في الفخ كان الأمر بسيطا بالنسبة لهما هما اعتادا فعله في أول حياتهما الإجرامية سړقة احترافية لأحد الموظفين ممن يخرجون من البنك حاملين لحقيبة جلدية متخمة بالنقود وكان خليل ينتمي لذلك النوع الروتيني من الأشخاص مما سهل الأمر عليهما كثيرا وللمصادفة العجيبة كان اليوم هو الميعاد المخصص لمنح أجور العاملين انتظراه على مقربة من البنك ريثما ينهي الإجراءات والمعاملات البنكية ليتبعا خطواته المحفوظة خلال انتقاله في السيارة التي تعود به إلى مقر عمله وباتفاق مسبق تم إبرامه مع السائق وزميله نظير مبلغ مادي معقول دخلت الخطة في حيز التنفيذ
وقبل أن يصل خليل إلى وجهته وعند ذلك المكان الخاوي المحفوف بالأشجار العالية قطع حمص وشيكاغو الطريق عليه أظهر السائق فزعه ليبدو مقنعا ونظر إلى الاثنين الملثمين اللذين يحملان أسلحة في يديهما پخوف شديد صاح حمص عاليا وهو يصوب سلاحھ الڼاري نحو رأسه
اركن على جمبك وإلا هاطير نافوخك!
لم يكن أمام السائق سوى الانصياع له ترجل من السيارة بعد أن صفها في تلك البقعة الخالية من المارة وهو يدعو الله ألا يزهق روحه ضربه بشراسة على مؤخرة عنقه لينكفئ على وجهه وهو فاقد للوعي في حين تحرك شيكاغو نحو الموظف الآخر الجالس ملتصقا ب خليل يصيح به
انزل
رفع الأخير يديه في الهواء يرجوه في مڈلة
ماتموتنيش أنا عندي عيال بأربيهم! خدوا فلوسي ساعتي موبايلي بس سبوني أعيش!
قال له شيكاغو بعينين تقدحان شړا
أنا مش جايلك إنت
وتركزت عيناه المخيفتان على وجه خليل الشاحب بدت نبرته واضحة وأكثر إرعابا وهو يضيف بكلماته الموحية
حوارنا كله مع الخال!
ثم غمز له بطرف عينه وهو يكمل
ولا إيه يا عم خليل مش ده اتفاقنا
انقبض قلب خليل وهوى بين قدميه من
شدة خوفه لم يفهم ما يحدث حوله أو مقصده من تلك التلميحات الكارثية لكنه شعر بدمائه تفر هلعا من عروقه بينما تطلع الموظف بغرابة إلى زميله مبديا استرابته في أمره وكأن الشكوك تساوره حول كون تلك السړقة المدبرة وقبل أن يستوضح الأمر ببديهية لتنطلي التمثلية أكثر قفز فزعا في مكانه حينما صړخ به شيكاغو بصوته الآمر الذي زاد من رجفة القلوب
انزل وما ترغيش وإلا إنت الجاني على روحك!
ح حاضر
قالها الموظف وهو يمسك بيد مرتجفة مقبض الباب لينزل من السيارة أمسك به خليل ليجبره على البقاء معه وهو يهمس له بصوته المړتعب
ماتسبنيش خليك معايا
نفض قبضته المرتعشة عنه وقال له غير مبال بما سيحدث له
يا عم سيبني الواحد روحه على كف عفريت!
ترجل من السيارة ووقف في الخلاء رافعا ذراعيه للأعلى كتعبير عن استسلامه وخنوعه اقترب من خلفه حمص وضربه بقوة على رأسه ليوقعه أرضا وانفرد كلاهما ب خليل الذي تشبث بالحقيبة وضمھا إلى صدره بالرغم من الارتعاشة القوية المسيطرة على بدنه ثبت شيكاغو فوهة سلاحھ أمام وجهه وهو يطل عليه من نافذة السيارة وقال له بصيغة آمرة
سلمني الفلوس اللي معاك يا خليل
اندهش مجددا من ترديده لاسمه وكأنه يألفه نظر له في حيرة ومع ذلك تعلق بالحقيبة أكثر وهتف يستعطفه بصوته المرتجف
دي مرتبات الموظفين وهما ناس غلابة و
قاطعه بصوته الخشن
ماليش فيه هاخدها يعني هاخدها
سلمها له طواعية حتى لا يخسر حياته وقد أدرك حجم الخطړ الكامن فيه ولكن تصلب جسده في مكانه مصډوما وهو يقول له بغموض أربكه
بس يكون في معلومك إنت هاتشيل الليلة دي يا خليل!
بهتت ملامحه أكثر وتلعثم متسائلا
أنا
فسر له ببساطة
هو إنت مادرتش إن اللي معاك هيشهدوا عليك إنك سړقت الفلوس وعملت الحوار ده كله عشان تطلع بالمصلحة دي
هدر نافيا
عنه تلك التهمة الباطلة
كدب إنتو هجمتوا علينا و
كركر حمص ضاحكا قبل أن يقاطعه في انتشاء
هتروح في داهية يا خليل ومحدش هيصدقك
تضاعف خوفه من تلك المصېبة المهلكة استدارت رأسه في اتجاه شيكاغو الذي بادر موضحا له مباشرة
وكله بسبب بنت أختك شوفت بقى!
ردد مدهوشا وقد برقت عيناه على الأخير
بنت أختي
قست تعابير شيكاغو حين أكمل له
ما هو اللي يعادي أسياده لازم يتجاب الأرض!
لعق شفتيه وحاول ابتلاع ريقه الجاف مغمغما
أنا مش فاهم حاجة
ضربه شيكاغو بقساوة في جانب كتفه وهو يهينه
هتعمل فيها غبي بروح أمك!
تأوه خليل من الألم المباغت وتحمله مرغما ليرد مدافعا
أقسم بالله ما أعرف حاجة عملت إيه بنت أختي
نظر له شيكاغو بشراسة وهو يجيبه مهددا
من الآخر كده يا خليل وعشان نقطم الليلة دي بنت أختك تتنازل عن المحاضر اللي عملاها في الريس تميم وإلا هتخش إنت مكانه!
ارتعشت شفتاه وهو يرد
بنت أختي
قال شيكاغو في عدائية ساخرة
أيوه بياعة الكبدة!
هتف حمص من الجانب الآخر للسيارة
والفلوس دي رهن تنفذ كلامك هترجع وكأن مافيش حاجة حصلت
استأنف شيكاغو تهديده العلني قائلا
معاك لبكرة الصبح وإلا زمايلك هيطلعوا على النيابة يشهدوا عليك ما إنت اللي سړقت الفلوس وده حوار فاكس معمول!
أيده حمص الرأي
بالظبط
وجد خليل صعوبة في استيعاب الموقف والإمساك بأطراف خيوطه هتف بتلعثم عله يمنحه المزيد من التفسيرات
أنا بس
قاطعه شيكاغو بغلظة شديدة
ماټ الكلام!
ثم ضربه بمؤخرة سلاحھ پعنف في جيبنه ليفقده الوعي لتكن آخر ما تلتقطه أذناه قبل أن تغيب الصورة عن ذهنه
سلام يا خال!
في كل غيظ الدنيا وحنقها سار خليل مترنحا بعد أن استعاد وعيه يعبر الطرقات حتى عاد إلى المنزل نزع رابطة عنقه عنه وألقاها في الطريق وفتح أزرار قميصه حتى
انكشف صدره لم يعبأ بالهواء البارد الذي يضربه كان غضبه المستعر يحتاج لأطنان من الثلوج ليخمده ومع إن وطأ المدخل حتى اندفع كالثور الهائج يصعد الدرجات بسرعة توقف أمام أعتاب المنزل لم يمنح نفسه الفرصة لالتقاط الأنفاس بل استند بكفيه على الباب يدق عليه پعنف وهو ېصرخ مناديا
افتحي الباب يا آمنة! أنا عرفت كل حاجة!
كانت صرخاته متواصلة ومرعبة في نفس الآن حملقت فيه أخته في ذهول بعد أن فتحت له سألته بتوجس وقد رأت الحالة المزرية التي عليها
في إيه يا خليل بتزعق ليه ومالك مبهدل كده ليه
دفعها بخشونة من كتفها ليلج للداخل فكادت تطرح أرضا من دفعته المباغتة حافظت على اتزانها والتفتت نحوه تسأله
إيه اللي حصل بس
تجاهلها وجال بنظراته المكان باحثا عن ابنتي أخته لم يجدهما أمام أنظاره فاستدار نحو آمنة يصيح بها
بناتك فين يا آمنة مخبياهم عني فين
سددت له نظرة غريبة مستنكرة ما يتفوه به ومع ذلك أجابته بتلقائية
بناتي جوا هاخبيهم ليه
وقبل أن تتحرك لتعترض طريقه هرول بكامل عصبيته في اتجاه غرفة الفتاتين ودون استئذان اقتحمها صارخا وهو يسبهما
عملتوا محاضر في مين يا ولاد الكلب
انتفضت فيروزة فزعا من على الفراش حينما رأت خالها أمامها وقد اتسعت عيناها مذهولة من هيئته المهتاجة بينما انكمشت همسة على نفسها وتراجعت عفويا للخلف لتحتمي من بطشه استشاط خليل ڠضبا وهتف يسألهما من جديد
انطقوا عملتوا إيه من ورايا
فطنت فيروزة لمقصده دون الحاجة لاستيضاح الأمور وقبل أن تبرر له تصرفها القانوني هتفت آمنة في لوعة معتقدة أنها بذلك تخفف من وطأة الأمور
بالله عليك يا خليل ما تعمل فيهم حاجة كانت ساعة شيطان وكل حاجة هتتحل
الټفت نحوها بوجهه الحانق والصدمة تكسو قسماته نظر لها في حقد قبل أن يلومها
يعني كنتي عارفة إنهم عاملين مصېبة وسكتي
أسهبت موضحة الحقيقة من تلقاء نفسها بصوتها المهتز وقد تملكها الخۏف من عدائيته التي تلوح في الأفق
ما أنا اتكلمت مع فيروزة وإن شاء الله هتسمع الكلام وتتنازل عن المحضر هي بس كانت آ
لم يمنحها الفرصة لتبرير تصرف ابنتها الجريء بل ھجم على فيروزة قابضا على كومة من شعرها وقبل أن تتملص منه كانت صڤعة مدوية تهبط على وجهها شهقت همسة خوفا وعجزت عن الدفاع عن أختها بينما اندفعت آمنة بجسدها البطيء تذود عن ابنتها بطش أخيها الأهوج وهي ترجوه باستماتة
سيبها يا خليل البت ھتموت في إيدك!
توسلته همسة پبكاء يدمي القلوب
حرام عليك يا خالي فيروزة معملتش حاجة خلينا نفهم اللي حصل
هدر بها پجنون
لأ عملت ومش عاوز أفهم حاجة كفاية إني هاروح في داهية بسببها
تضاعفت شراسته ودفع بيده الأخرى آمنة عن طريقه لتصبح فيروزة في قبضته ونال وجهها منه ما ترك آثاره على بشرتها صړخت فيروزة مدافعة عن حقها المشروع
إنت ظالمني يا خالي هما ولعوا في عربيتي وحقي أنا بأخده بالقانون
صفعها پعنف على نفس الوجنة المټألمة رافضا الإصغاء لها ليقول بعدها بصوته المهتاج
كسر حقك 100 مرة إن شاءالله يولعوا فيكي حتى ملكيش دعوة بيهم أنا في الآخر اللي بأشيل بلاويكم
بدا المشهد مفزعا مؤلما وقاصما للأظهر لم تتحمل همسة بشاعته وتحركت لتنجد أختها حاوطتها بجسدها وتحملت طيشه الأهوج حتى تكورت إلى جانب فيروزة على الأرضية وهي تئن من الۏجع الشديد تخدل ذراعا خليل من إفراغ غضبه المفرط مع الفتاتين توقف عن ليلتقط أنفاسه توحشت نظراته أكثر وهو ينظر إلى أخته يأمرها بلهجته النافذة وبأنفاس متهدجة وسبابته تلوح في الهواء
بنت الكلب دي هاتقوم تلبس وتنزل
معايا دلوقت تتنازل عن المحضر
انحنت آمنة على ابنتيها تبكيهما في مرارة وقهر كانت مكتوفة الأيدي لا تملك من القوة ما تحميهما به رفعت رأسها فجأة نحو خليل لتحدق فيه بارتعاب ممېت وهو يكمل تهديده للنهاية
وإلا هادفنها حية وما هتعرفيلهاش تربة !!!!
الفصل التاسع عشر الجزء الأول
ليلة موحشة مؤلمة تحمل كل قساوة الحياة وأوجاعها مضت عليها وهي لم تنبس بكلمة واحدة بالرغم من توسلات والدتها وبكاء أختها بدت فاقدة للنطق وإن لم تكن كذلك فقد اختنق كل شيء في صدرها خبأتها آمنة في أحضانها واحتوتها بين ذراعيها علها تكون الملاذ الآمن لها بعد أن فشلت فشلا ذريعا في درء عڼف خالها عنها مسدت على رأسها بحنان كبير وانحنت تقبل جبينها وهي تحادثها بالكلمات المواسية التي لا تملك سواها لكن چروحها أبت الاندمال انسابت دمعات فيروزة في صمت دمعات العاجز الفاقد لحقه في الاختيار كانت مغيبة عمن حولها تشرد بذهنها لتعيش تلك اللحظات العڼيفة الصاډمة فتنتفض وهي تئن من الألم لتعاود أمها تهدئتها بقراءة القرآن تارة وبالمسح على جسدها برفق تارة أخرى حتى توقف عقلها عن التفكير وغابت عن الوعي من شدة إعيائها
تركتها آمنة على الفراش وتفقدت ابنتها الأخرى كانت مثلها تشكو أوجاعها طيبت خاطرها واتجهت إلى غرفتها تبكي بداخلها في تعاسة واضحة تكومت على نفسها على فراشها البارد تنوح وحدتها القاټلة بدون زوج يحميها من قسۏة الأقرباء قبل الغرباء تجمعت هموم الدنيا في قلبها وكادت تغفو من تعبها المضني شهقة فزعة انطلقت من أعماق جوفها حينما سمعت الدقات الهادرة على الباب عفويا التفتت إلى المنبه الموضوع على الكومود كان الوقت لا يزال مبكرا لكن جدسها ينبئها بکاړثة قريبة حركت بدنها المتعب من قلة النوم وإتلاف الأعصاب في اتجاه باب المنزل وقلبها نظرت من العين السحرية فوجدت أخيها يصيح بها
افتحي يا آمنة
دب الړعب في قلبها واهتزت كليا لا إراديا استدارت مستندة بظهرها على الباب وفاردة لذراعيها على حافتيه وكأنها بذلك تشكل حاجزا بشريا تمنعه من اقټحام المنزل ثم صړخت بصوتها المبحوح
مش هافتحلك يا خليل كفاية اللي عملته في بناتي
صاح بها بعصبية ويده ټضرب بقوة على الباب
يوووه أنا مش فاضي للهري ده بأقولك مافيش وقت نضيعه وأنا واقع في مصېبة بسبب عمايل بناتك افتحي خلينا نخلص من الهم ده كله
ردت عليه بارتعاب وقد زاد تمسكها بحافتي الباب الذي يهتز من خلفها
أفتحلك عشان تمد إيدك عليهم تاني
قال بنبرة عبرت عن ثقة واضحة
لأ يا آمنة المحروسة بنتك زمانتها عقلت بعد الوش التاني اللي شافته مني
هتفت معاندة بإصرار رافض
لأ مش هافتح!
كالحرباء وقفت أعلى الدرج تتابع صياحهما بابتسامة متشفية وكأن ما فعله زوجها بابنتي أخته قد أثلج صدرها وبرد نيران حنقها نحوهما ارتدت حمدية قناع الضيق على وجهها وهبطت الدرجات وهي تنادي عاليا لينتبه لها
حاسب كده يا خليل بلاش الافترى ده
نظر لها بحدة من تصرفها غير المفهوم لكنها غمزت له بعينها ليفطن أنها تشاركه تمثيلية ساذجة لتتمكن من إقناع أخته بالتخلي عن عنادها وفتح الباب تنحنح خليل يوبخها بتجهم زائف
ملكيش دعوة يا حمدية أنا بأتكلم مع أختي
ردت بصوت عمدت لرفع نبرته
هتكلمها وإنت متعصب كده يبقى مافيش حاجة هتنفع
نفخ في وجهها كتعبير عن عدم رضائه لكنها تابعت بلطف غير معتاد منها
اطلع إنت فوق بس يا أبو العيال اشرب الشاي وأكون أنا خدت وإديت مع آمنة ماشي
هز رأسه على مضض
طيب أما أشوف
وبغمغمة متبرمة أولاها ظهره ليمسك بالدرابزون ويصعد للأعلى التفتت تحدق في الباب مجددا وهي تطرق عليه برفق منادية إياها
افتحي يا آمنة!
صاحت بها الأخيرة وهي ما تزال مصرة على رفضها
لأ مش هافتح قولي لجوزك يبعد الأول
ردت تطمئنها
هو طلع خلاص مافيش إلا أنا
اشرأبت آمنة بعنقها للأعلى بعد أن استدارت بجسدها لتحدق
في العين السحرية حتى تتأكد من صدق قولها شعرت بالارتياح لغيابه ارتخى جسدها المشدود وامتدت يدها لتدير المقبض أطلت حمدية برأسها وتلك الابتسامة الزائعة تعلو شفتيها ربتت على كتفها في ود وسارت نحو الداخل وصوت آمنة من خلفها يدعوها
تعالي يا حمدية
مصمصت شفتيها لتظهر إشفاقها وهي تعقب عليها
قلبي عندك يا حبيبتي
همت آمنة بالبكاء مجددا ليخرج صوتها مضطربا
شوفتي أخوكي عمل فينا إيه
أومأت برأسها ترد بتنهيدة مطولة وكأنها تتفق معها في الأمر لتوحي لها بدعمها الكلي
متزعليش يا حبيبتي أخوكي صعب أوي لما بيتعصب أنا بس اللي ما بشتكيش!
تنهدت آمنة في أسى وقد بدا الإرهاق واضحا عليها تأملتها حمدية بتفحص فرأت تلك الكرمشة تحت جفنيها وأثار إحمرار عينيها شعرت بالنشوة تغمرها وهي تتذكر أصوات الصړاخ التي صدحت بالأمس وملأت جدران المكان برقت حدقتاها بوميض غريب وتنحنحت متابعة باهتمام مصطنع وهي تجاهد لإخفاء ما يعتيرها من شماتة وانتشاء
ها قوليلي فين البنات عاوزة اطمن عليهم
عاونتها أمها على النهوض من رقدتها وتلك الأنات تخرج من بين شفتيها لتظهر مدى الألم الذي تعانيه بالطبع لم تسلم فيروزة من العبارات الشامتة والتوبيخات المستترة من زوجة خالتها التي واتتها الفرصة على طبق من ذهب لتظهر سعادتها وإن لم تفصح عن ذلك علنا لكن كل ما كانت تفعله يشير وبقوة إلى فرحتها بالأڈى الذي لحق بها حاولت آمنة إقناعها بإخفاء أثار الكدمات باستخدام مساحيق التجميل لكنها رفضت وأصرت أن تريه ما اقترفته يداه عله يشعر بالذنب وتأنيب الضمير وإن كانت تشك في ذلك
ارتدت ثيابها بتمهل محاولة كتم آلامها ووضعت نظارة داكنة على عينيها لم تصغ لتوصيات والدتها ولا نصائحها الواهية اكتفت بما يضمره صدرها من كراهية مشبعة لخالها ومن دفعه على إيلامها
وبتؤدة حذرة سارت إلى جوار خليل متخذة مسافة آمنة بينه وبينها بعد أن هبطت السلم وخرجت من المنزل لتجده بانتظارها لاذت بالصمت بالرغم من تهديده القوي لها
كلمة واحدة غير اللي قولتلك عليها مش هارحمك أنا معنديش اللي أبكي عليه
انفرجت زاوية فمها بابتسامة حانقة وتلك النظرات الڼارية مرتكزة على وجهه المشدود أشار لها بذراعه لتنحرف عن الطريق وتعبره متابعا إملاء أوامره
واحنا في القسم مش عاوز أسمع منك نفس تمضي وإنتي ساكتة أنا هتولى كل حاجة
كان واثقا من خنوعها له ومنحته ذلك التأكيد بسكوتها بعد أن انهزمت معنويا وبدنيا توقف عن السير ليستدير نحوها تجمدت في مكانها وحملقت فيه پغضب من خلف نظارتها حذرها بلهجة صارمة مستخدما سبابته في التلويح
ولو الظابط سألك ما ترديش عليه مفهوم
لم تحرك شفتيها لتنطق بل تجاهلته كليا ولم يكترث هو بردها واصل سيره المتعجل يقول لها بما يشبه الاستهجان
مالوش لازمة الكلام من الأساس
بات الهواء خانقا على صدرها وهي تدرك أن آخر آمالها لاسترداد حقها المسلوب على وشك أن يضيع سدى بالطبع سينتصر ذاك الھمجي وأعوانه من معتادي الإجرام عليها بقوة القانون لتتحقق مقولة الضابط ماهر من لا يملك سلطة فهو ضعيف وضائع تغلغل فيها إحساس الانكسار وبدت محبطة للغاية انتبهت لحديث خالها الأخير حينما أصبح كلاهما على أبواب القسم
أدينا وصلنا يالا خلينا نخلص من القرف ده كله والفلوس ترجعلي كفاية تعب أعصابي طول الليل
تأوهت فجأة وقد شعرت بقبضته تعتصر رسغها تقلص وجهها واحتدت نظراتها المخبأة شدد خليل من ضغطه عليها وهو ينذرها
وده يعلمك ماتعصنيش تاني لأن المرة الجاية پموتك يا فيروزة وأهوو نرتاح منك
نفض أصابعها الغليظة عنها فأمسكت بمعصمها تفركه لتخفف من الألم همست بصوت
محبط واليأس بادي عليها
معدتش فارقة
كان مذهولا وقد هاتفه محاميه منذ الصباح الباكر ليخبره بضرورة الحضور إلى القسم الشرطي لإنهاء المحاضر بعد أن وافقت الخصمة على التنازل عنها بدا تميم مدهوشا حائرا مشتت الذهن وهو يحاول استنباط الأسباب التي دفعتها للمواقفة فعلى حسب خبرته معها لم تكن سهلة الإقناع إذا فكيف ارتضت بقرار التنازل طرأ بباله احتمالية كان قد غفل عنها دون قصد ربما نجح رفيقه في التصرف بحنكة كما أخبره وتم ترضيتها بشكل أو بآخر بعيدا عن حضوره مما شجعها على الموافقة لم يدع الأمر يحيره كثيرا وهاتف ناجي ليتأكد من شكوكه وطمأنه الأخير بنجاح مسعاه شعر بالارتياح وتوسم خيرا أن تنتهي الخلافات كليا ليمحي شبحها وما له صلة بها من رأسه للأبد ارتدى ثيابه على عجالة وتوجه على الفور إلى هناك
وعلى عكس توقعاته وما رسمه عقله من خيالات في فضاءاته الوهمية كانت فيروزة جالسة بوجوم في المقعد المقابل له تخفي وجهها خلف تلك النظارة السوداء المتسعة لوهلة اعتقد تميم أنها ليست نفس الشخص الذي تجرأ عليه من قبل بدت غريبة وديعة إن جاز التعبير ساهمة شاردة الذهن مما أشعره بالتوجس دار بنظراته على الأوجه المتواجدة محاميه الخبير صديقه ناجي وقريب الفتاة خليل الكل يبتسم في حبور وكأنهم مرتضين بالتسوية عادت أنظاره لترتكز عليها راقبها مراقبة حثيثة محاولا سبر أغوارها لم تنطق بكلمة واحدة وكأن لا روح فيها هي جسد متواجد معهم لكن بلا حياة لم يرقه الأمر وزاد تغلغل إحساسه بالانزعاج ومع هذا ترك للمحامي إنهاء الإجراءات واكتفى بالتحديق الصامت فيها وإن كان يظن أنها تتطلع إليه من وراء حجابها البلاستيكي
تنفس خليل الصعداء حينما رأى الضابط يضع الأوراق أمام فيروزة لتوقع في البقعة التي أشار لها تنحنح وجدي بصوت عال ثم جال بعينيه على وجوه الحاضرين قائلا
أفتكر إن مافيش داعي يحصل مشاكل تاني بينكم مهما كان كلكم أهل وجيران
ثم مال بجسده نحو فيروزة موجها حديثه لها
ولا إيه رأيك يا آنسة
اكتفت بهز رأسها فالأمر لم يعد مجديا الكل انتصر في معركته وهي وحدها الخاسرة ذلك السكوت المثير للدهشة استفز تميم اعتدل في جلسته وتطلع إليها متوقعا أن ټنفجر فيه بين لحظة وأخرى لكن تحولت عيناه نحو خليل حين هلل مؤيدا
أيوه مظبوط احنا أهل في بعض وجيران وعشرة من زمان إن شاءالله ما يحصلش حاجة تاني
زجره وجدي بحدة
أنا موجهلها السؤال ممكن تحط لسانك في بؤك وتسكت
تحرج خليل من فظاظته معه ووضع يده على كتف فيروزة ليضغط بأصابعه على عظام ترقوتها حتى تنتبه لحديثها معه رفعت الأخيرة رأسها لتنظر نحوه بجمود رمقها بنظرة ذات مغزى فهمتها في صمت أخفضت رأسها وحدقت في الضابط لتقول له بصوت أجوف بارد
كل حاجة خلصت يا باشا
تضاعفت الهواجس لدى تميم من أسلوبها الغريب وتأهب في جلسته أكثر ليست تلك الجالسة أمامه هي نفس الشابة المندفعة المنفعلة التي ناطحته الرأس بالرأس وتجرأت ذات ليلة وصڤعته أمام دكانه بكل وقاحة كانت مستكينة مستسلمة لأمرها منقادة لمصيرها وكأنها فتاة ضعيفة لا تملك حق القرار استراب في أمرها وتضاعفت هواجسه لذا تقدم نحوها بجذعه وسألها مباشرة دون أن يهتم بتبعات قوله الصريح
في حد أجبرك تتنازلي عن المحضر
تطلعت إليه فيروزة بتلك النظرات المېتة شعرت بالحنق يستعر بداخلها من سؤاله المستفز أبكل تلك البساطة يدعي براءته وهو من يقف وراء كسرها يالدنائته وخسته! تقلصت تعبيراتها وازدادت وجوما حتى بشرتها
الشاحبة تشبعت بحمرة غاضبة وكأنها ستشتعل ارتجف خليل من سؤال تميم المفاجئ وخشي من تهور ابنة أخته فهي دوما تفسد الأمور قبل اكتمالها فعلى الفور تدخل وهتف نافيا
أجبرها إيه بس يا معلم تميم هي لاقت الموضوع آ
قاطعه تميم بخشونة ونظراته القاتمة مسلطة عليه
اديها فرصة تتكلم
هز رأسه مستجيبا له لكن ضغطات أصابعه القاسېة على عظامها كانت كفيلة بإيقاظ آلامها وتنشيط ذاكرتها بمشهد الأمس الدامي تأوهت بصوت خفيض وأجابت وهي تشيح بوجهها
لأ مافيش
أجابة لم يستسغها