الطاووس الابيض لمنال سالم

لمحة نيوز


موافقة وخالك لما هيعرف هيبهدلنا وأنا مش ناقصاه!!
هنا خرجت فيروزة عن حالة الهدوء الزائفة لتقول بتشنج
إنتو ليه محسسني إني بأتاجر في المخډرات زمايلي كلهم بيعملوا مشاريع زي كده ونجحوا وأثبتوا نفسهم ومحدش قالهم لأ اشمعنى أنا
أجابتها ببساطة
لأنك بنت 
تشنج جسدها أكثر من ردها الذي بدا من وجهة نظرها مستفزا وقبل أن تختنق شرايينها بدمائها الفائرة لطفت والدتها من الأمر علها تتخلى عن فكرتها المتهورة فاستعطفتها
يا ماما عشان خاطري افهميني أنا زهقت من أعدة البيت وعاوزة أعمل حاجة مفيدة وأنا درست الموضوع كويس وبعدين هنقدر نحوش فلوس عشان لما نتجوز 
ردت عليها أمها تحذرها في عصبية
أنا مقصرتش معاكو في حاجة! بلاش تجروا رجلينا للمشاكل 
قالت بإصرار
مافيش مشاكل إن شاء الله
برضوه راكبة دماغك
لجأت لإقناعها أكثر بهدوء ومنطقية موضحة لها
احنا عارفين ده كويس بس الحياة غالية والمصاريف كل مدى بتزيد ومعاش بابا الله يرحمه مش مكفي مع الريع اللي بيطلعلك من أرضك افرضي حصل حاجة وحشة لا قدر الله هانجيب فلوس منين وخالنا يدوب مكفي بيته وعياله ولا نسيتي يا ماما اللي حصل أيام موضوع البيت!
ضغطت آمنة على شفتيها في ضيق ممتعض فما تتفوه به حقيقة مفروغ منها وإن أنكرتها هي لا تملك من الأموال ما قد يغطي أي ضائقة مالية طارئة قد تحدث وأخيها ليس بالخيار الأفضل لتقديم المساعدة سرحت تفكر في لجوئها له قبل بضعة سنوات تذكرت مساومته لها في شراء حصة بالمنزل الذي تركه لها زوجها بعد أن تعذر عليها سداد الأقساط الأخيرة لۏفاته المفاجئة مقابل تسديده لهم وبالرغم من التعويض المادي الذي تلقته إلا أنه لم يكن كافيا لدفع باقي المستحقات أدركت فيروزة من سكوت والدتها أنها ربما تعيد التفكير في الأمر ظنت أن الفرصة مناسبة للضغط عليها وتليين رأسها المتيبس حتى تحظى بموافقتها تلمس ذراعها بيدها تتوسلها
صدقيني يا ماما مافيش منها أي ضرر ولو حصل منها مشكلة أنا بنفسي هالغيها 
زمت أمها شفتيها متسائلة في قلق بائن على تعبيرات وجهها المرهقة
طب وخالك
تشكلت ابتسامة لطيفة على محياها وهي تقول بنبرة ذات مغزى
البركة فيكي إنتي يا حبيبتي 
رددت الأخيرة في استسلام وقد رضخت تقريبا للأمر الواقع أمام عناد ابنتها
أنا مش عارفة إنتي ناوية تعملي فيا إيه!
احتضنتها فيروزة في عاطفة ومحبة بعد أن فطنت لموافقتها الضمنية شدت من ضمھا لها لټغرق في أحضانها الآمنة قائلة لها
كل خير يا ماما 
أغمضت عينيها لتستمتع بانتصارها الذي ظفرت به بعد صعوبة تبقى لها أن تثبت لوالدتها أنها كانت جديرة بثقتها 
تجمدت الأعين المشتاقة على البوابة الحديدية السميكة خاصة عيناها اللاتين تتوهجان في حب سيطرت بصعوبة على مشاعرها المتحمسة لرؤيته فلو كانت بمفردها لأخذته في أحضانها وارتوت من حبه الذي حرمت منه كم حلمت بتلك اللحظة التي سينال فيها حريته لتكتمل بوجوده سعادتها! همهمات خاڤتة متداخلة صدرت من أفواههم وقد فتح الباب الصغير الجانبي ليخرج منه الغائب المنتظر فرحة عامرة سيطرت عليهم وتحركوا مقبلين عليه رفع تميم عينيه للأعلى ليجد والده وجده وزوج أخته بالإضافة إلى خلود ينتظرونه بالخارج أمام سيارتين تخص العائلة على الفور تحرك أباه نحوه فاتحا ذراعيه له ارتمى ابنه في أحضانه يضمه بشوق وحب ردد بدير مرحبا بفلذة كبده الغالي
حمدلله على السلامة يا ابني 
رد عليه تميم بصوته
الأجش وهو يتراجع للخلف دون أن تترك قبضتاه ذراعيه
الله يسلمك يا حاج 
حرره ليذهب إلى جده الذي اتكأ على عكازه ليكون حاضرا في تلك اللحظة الهامة حينما يلتقيه انحنى عليه يقبل كفه المجعد يشكره في امتنان واضح
جاي بنفسك يا جدي
ربت سلطان على كتفه قائلا له
معندناش أغلى منك يا تميم 
استقام في وقفته مقبلا أعلى رأسه في تهذيب ثم أضاف ببسمة صغيرة
الله يديمك فوق راسنا يا كبير العيلة 
ربتة أخرى تلقاها كتفه منه ثم استدار ليصافح محرز الذي صاح يحييه
كفارة يا ابن ولاد الأصول غيبتك طولت عليا والله 
رد مجاملا
تشكر يا محرز كله بيعدي وأديني رجعتلكم 
علق مبتسما بتكلف
تنور مكانك يا تميم والله لا يعودها الأيام الغابرة دي تاني أكيد إنت عقلت وعرفت إن مافيش حاجة تستاهل 
بدا وجهه جادا للغاية بعد كلماته الحمقاء رمقه تميم بنظرة ڼارية وهو يرد عن قصد وبخشونة بائنة
لأ تستاهل يا محرز وخصوصا مع الأشكال الضالة وولاد الحړام أنا فدا الحاج وجدي وأي حد يمس شعرة من عيلتي!
شعر زوج أخته بجفاف عڼيف يصيب حلقه اهتزت ابتسامته واضطربت حركة عيناه وهو يرد في حرج كمحاولة بائسة في إصلاح ما أفسده لسانه
أكيد طبعا كله إلا عيلة الحاج سلطان 
تحولت عينا تميم عنه لتتجه إلى تلك الجميلة التي احتضنت باقة ورد صغيرة بين ذراعيها رأى في ملامحها بهجة وإشراقة يحسده عليها الرجال مدت خلود يدها بها نحوه وهي تقول باشتياق محسوس في صوتها وظاهر في تعبيراتها ولهفة نظراتها
حمدلله على سلامتك أنا مش مصدقة إن الأيام عدت الحمدلله إنك رجعتلنا وبقيت في وسطنا 
لم يبادلها نفس النظرات المتلهفة بل نظر إلى باقة الورد بازدراء ولم تتحرك يده لأخذه مما أحرجها بشدة سحبت خلود يدها للخلف وقد تسلل إليها إحساسا مزعجا بالارتباك الممزوج بالضيق من أسلوب معاملته غير الحميمي معها شعرت بالإحباط والصدمة حينما سألها بجفاء وجمود
جيتي ليه
وخزة مؤلمة عصفت بصدرها من قسۏة كلماته المثبطة لأي فرحة تبزغ في قلبها كادت أن تبكي وبدأت العبرات في التجمع في مقلتيها تأثرا بما انتابها من حزن مباغت خرج صوتها إلى حد ما مهتزا وهي تجيبه
ده أنا مستنية اليوم ده من زمان 
رد بنفس النبرة الجافية
كنتي أعدتي في بيتك أحسن مش كتر مشاوير والسلام 
باتت قاب قوسين أو أدنى من البكاء علنا لقسوته غير المفهومة معها زاد انقباض قلبها كما لو كان قد غرز به سکينا تلما اغرورقت عيناها بالعبرات الكثيفة واشټعل وجهها بحمرة حرجة استياء محبط تغلغل في كيانها مع إشاحته لوجهه بعيدا عنها وكأنها نكرة مشاعرها لا تعنيه في شيء تابعته بعينين منكسرتين وهو يلتهي بالحديث مع عائلته لتشعر بكونها ضيفا غير مرحب به بينهم تهدل ذراعاها وارتخت أصابعها عن باقة الورد لتسقط على الرصيف تركتها وسارت بخطوات بطيئة نسبيا تتبع زوج خالتها حتى وصلت للسيارة لم تتفوه بكلمة واحدة مبتلعة مرارة الحزن في حلقها حتى عينيها بقيتا بعيدتين عن وجهه الذي كانت تحترق شوقا لتأمله جلست بالمقعد الخلفي مركزة أنظارها على الطريق والشكوك تساورها بشأن استمرار حبه لها !!!!
يتبع
الفصل الثالث
استندت بوجهها على كفها وهي تتطلع بشرود حزين إلى حركة الجيران بمنطقتها الشعبية من خلال نافذتها وعلى الرغم من الصخب المزعج المنتشر في وقت الظهيرة إلا أنها كانت معزولة عنه بانخراطها في همومها تركت لدمعاتها المخټنقة العنان لتنساب على وجنتيها كان صدرها مخټنقا على الأخير ما زال طيف لقائها معه بعد تلك الغيبة يؤلمها قدم لها الخيال هاجسا مخيفا بأنها باتت مفروضة عليه وحبها له من طرف واحد بالرغم من كونها لا تعرف سواه ولم تعشق غيره لكنه كان منذ الوهلة الأولى بعد ذلك البعد القاسې غامضا معها نادت عليها والدتها عدة مرات فلم تنتبه لها مما حث الأخيرة على الاقتراب منها وهزها بضيق اعتدلت خلود في وقفتها المنحنية قليلا لتنظر إلى والدتها باستغراب مسحت
ما علق في أهدابها من عبرات لتسألها
في إيه يا ماما
أجابتها بوجه مكفهر وصوت يعكس ضيقها
بنادي عليكي وإنتي ولا سمعاني!
ردت بزفير بطيء
معلش مخدتش بالي 
دققت بثينة النظر في وجه ابنتها الذابل لم تكن بالساذجة لتفهم وجود خطب ما سألتها بجدية تنم عن قوة وحاجباها معقودان
خلود بقالك يومين مش زي تملي في حد ضايقك قوليلي وأنا أتصرف 
ظهر ترددها وهي تجيبها باقتضاب
لأ مافيش 
سألتها مباشرة وكامل نظراتها مثبتة عليها
تميم عملك حاجة
للحظة توترت من سؤالها الملبك لحواسها أجابت دون أن تنظر في عينيها حتى لا تلاحظ كذبها
لأ 
كانت غير مقتنعة بردها ومع ذلك قالت لها
طب جهزي نفسك عشان تروحي من بدري لخالتك تساعديها في عزومة العشا بتاعة النهاردة 
عبثت خلود بأصابع يدها في ارتباك فكيف ستخبرها أنها غير راغبة في الذهاب إلى هناك وچرح كبريائها أكثر من ذلك بتلقي المزيد من قساوة تميم ما زالت مستاءة منه ولم يخف حزنها ضغطت على شفتيها تعتذر بصوت مهتز وعيناها تتحركان في توتر
أنا أصلي مش رايحة
علقت مصډومة مما نطقت به
نعم بتقولي إيه
تعللت مدعية كڈبا
جسمي واجعني و مش هاقدر أقف كتير خاېفة أدوخ وأتعب خليني أروح مرة تانية 
زمت والدتها شفتيها في عدم اقتناع وهي تعقب عليها
غريبة! مع إنك كنتي بتزني عليا عشان تروحي 
غامت عيناها وهي ترد
مكونتش أعرف إني هاتعب
استدارت بثينة برأسها للخلف حينما سمعت صوت الجرس عادت لتنظر إلى ابنتها وهي تهم بالتحرك
أنا هاروح أشوف مين بيخبط 
أومأت برأسها بهزة بسيطة والتفتت تتطلع من نافذتها للزحام المتواجد بالأسفل سحبت خلود أنفاسا عميقة تخفف بها تلك الغصة المؤلمة الموجودة بصدرها أتاها صوت والدتها من خلفها وهي تقول لها بابتسامة ماكرة وعيناها تبرقان بوميض غريب
في ضيف جايلك برا يا حلوة 
أدارت رأسها ببطء نحوها لتسألها
ضيف مين ده
هزت بثينة كتفيها في دلال مصطنع قبل أن تجيبها بابتسامتها اللئيمة
تميم يا عين أمك!
خفق قلب خلود بقوة لمجرد سماعها اسمه في لحظة واحدة تلاشت جميع أحزانها ومحيت كل همومها أشرقت ملامحها وتوهجت نظراتها بوهج الحب اضطربت أنفاسها حينما رددت
ت تميم!
قالت في خبث
أه ياختي تميم 
تملكتها حالة من الارتباك والحيرة دارت حول نفسها غير مصدقة أنه قد جاء إليها وقفت أمام المرآة لتضبط هيئتها سريعا وتمسح ما تبقى من دمعاتها قرصت خديها بأناملها وهي تتساءل في تلهف مضاعف
شكلي مظبوط يا ماما
علقت عليها ساخرة
عجايب! اللي يشوفك من شوية مايشوفكيش دلوقتي!
نثرت خلود عطرها على بلوزتها الخضراء وهندمت ياقتها ثم أرخت طرفي حجابها الأبيض وراء ظهرها سحبت شهيقا عميقا تهدئ به دقات قلبها المتسارعة وقفت قبالة والدتها ترجوها
ادعيلي ياماما 
قالت لها بوجه عابس غير راض عن تصرفاتها
بأدعيلك بس إنتي اركزي كده
وكأنها لم تصغ لها حيث خرجت من غرفتها مهرولة
نحو الصالة لمحته جالسا عند الزاوية ېحرق صدره بسجائره رمشت بعينيها غير مصدقة أنه جاء لرؤيتها أحست بالسعادة تغمرها من جديد فتذيب الأوجاع التي أثقلت قلبها لكنها أرادت معاتبته على خشونته معها لذا تباطأت عن عمد في خطواتها وهي تقترب منه أطفأ تميم سيجارته وقد لمحها مقبلة نحوه نهض لمصافحتها فرفضت مد يدها نحوه وكتفت ساعديها أمام صدرها لترد له ما فعله معها حينما قدمت له باقة الورد رمقها بنظرة حادة أربكتها ثم سألها لها
دي حمدلله على السلامة بتاعتك
على الفور تخلت عن قناع الجمود الزائف الذي ارتدته لتعتذر منه في ندم وقد تهدل كتفاها وارتخى ذراعاها
حقك عليا يا تميم أنا مقصدش 
ثم لعقت شفتيها بطرف لسانها قبل أن تضيف بمرارة
بس إنت وجعتني باللي عملته معايا قصاد أهلك!
رد عليها دون مراوغة
عشان الورد
أدمعت عيناها وقد تجسد المشهد في مخيلتها رأى تميم عبراتها تتجمع فشعر بوخزة تؤلم حلقه لم يحبذ أبدا تلك النوعية من الرومانسيات العلنية هو غيرها لا يستطيع التعبير عن مشاعره أمام الآخرين يحتاج لنوع من الخصوصية ليبوح بمكنونات قلبه أخرج زفيرا عميقا من جوفه ثم جلس على الأريكة ليقول لها
بصي يا بنت الناس خليني أكون واضح معاكي 
قضم باقي حديثه ريثما تجلس ثم استأنف قائلا بنفس اللهجة الجادة
الأيام السودة اللي أنا عيشتها في السچن غيرتني كتير طول اليوم مع مجرمين وأشكال بنت فمش بالساهل تلاقيني تميم بتاع زمان أنا محتاج وقت عشان أعرف أتعامل مع الناس عادي وخصوصا خطيبتي تصرفاتي شوية ممكن متعجبكيش بس اديني وقتي!
امتدت يداها نحوه لتمسك بكفيه مسحت عليهما برفق وقد حدقت في عينيه بنظرات هائمة خرج صوتها محملا بتنهيدات العشق وهي تقول
حبيبي خد كل الوقت اللي إنت عاوزه أنا مش مستعجلة بس ماتقساش عليا أنا بأحبك وبأموت في التراب اللي بتمشي عليه 
تنحنح بصوت خاڤت قبل أن يسحب كفيه من بين أناملها الناعمة استقام في جلسته مرددا
أنا جاي بنفسي أخدك للعزومة
هللت غير مصدقة وهالة سحرية من الحب تحاوط وجهها
بجد يا تميم
رد بغلظة طفيفة
أكيد مش بأهزر يعني! قومي جهزي نفسك مش عاوز أتأخر 
نهضت واقفة وهي ترد في انصياع كامل
على طول يا حبيبي 
همت بالتحرك لكنها التفتت برأسها نحوه لتضيف في رقة وقد ضج وجهها بتورد دافئ
تعرف أنا كنت لسه بأقول لماما إني لازم أروح لخالتي من بدري عشان أساعدها وهي وهيثم يروحوا براحتهم برضوه هي محتاجة حد يقف معاها 
التعب راح خلاص
انفرج ثغرها عن بسمة متسعة مليئة بالفرحة مالت نحو والدتها ټحتضنها وتقبلها من وجنتيها وهي تهتف في ابتهاج
أنا بأحبك أوي يا ماما 
علقت عليها بنبرة ساخرة
خلي الحب لناسه ياختي!

لا تعرف كيف وافقت ببساطة على چنونها المسبب للفت الأنظار وجلست على مقعد بلاستيكي إلى جوار عربة الطعام الجاهز لتراقب بقلق غريزي ما تفعله ابنتاها مع الزبائن في البداية كان الوضع هادئا بالرغم من اختيار الأختين ليوم الخميس لافتتاح مشروعهما حيث بداية العطلة الأسبوعية وخروج المواطنين للاستمتاع بالأجواء الشتوية انزعجت قليلا من شرائط الأنوار الجاذبة للأنظار التي حاوطت مقدمة العربة لتجذب الأعين نحوها أشاحت ببصرها عن إضاءتها لتضم شالها الصوفي على عنقها حتى تستعيد إحساس الدفء المفقود في ذلك المكان الفسيح أعدت همسة السندوتشات الخفيفة وأضافت لها نكهات مميزة لتعطيها مذاقا مختلفا وأيضا حريفا إن طلب أحدهم طعما لاذعا وحارا في حين تولت فيروزة تلقي الطلبات وتغليف الطعام فور الانتهاء منه نهضت آمنة من مكانها لتذهب إلى ابنتيها بعد أن ضجرت من المكوث
مطولا بمفردها دون أن تقوم بشيء مفيد ناهيك عن تيار الهواء البارد الذي أرهق جسدها وقفت تتطلع إلى الاثنتين الواقفتين خلف نافذة موجودة في العربة كلتاهما ترتدي كنزة سوداء ثقيلة مطبوع عليها نقوشات شتوية ويرفعان شعرهما للأعلى ويلفان حوله منديلا للرأس من اللون الأسود يزينه ورودا ملونة حتى لا تتساقط أيا من خصلاته في الطعام أثناء إعداده تأملتهما بابتسامة لطيفة سرعان ما تلاشت لتسألهما بنفاذ صبر
هو احنا هنفضل أعدين كده لحد امتى
ردت عليها فيروزة بملامح جادة
لسه بدري يا ماما الناس بتسهر للصبح 
قالت والدتها بتذمر وهي تسحب شالها على كتفيها المرتعشين
بس أنا البرد نخر في عضمي وتعبني 
اقترحت عليها همسة بلطف وهي تبتسم لها
تقدري يا ماما تطلعي تريحي كتر خيرك واقفة معانا من بدري واحنا كمان شوية هنقفل ونرجع البيت 
اعترضت عليها بشدة
وأسيبكم لوحدكم في الطل
صححت لها فيروزة عبارتها مستخدمة يدها وعينيها في الإشارة
طل إيه بس ده الدنيا زحمة أهي 
انكمشت آمنة على نفسها من التيارات الهوائية الباردة التي ټضرب وجهها وقالت في ضيق
أنا مش مرتاحة 
استندت فيروزة بكفيها على حافة النافذة لتتمكن من الانحناء نحوها ثم ردت عليها بهدوء علها تخفف من وطأة خۏفها الزائد
يا ماما مټخافيش أديكي موجودة معانا من بدري ومافيش حاجة حصلت الناس رايحة جاية وكل حاجة تمام التمام 
حركت رأسها للجانب قبل أن ترد عليها
قلبي متوغوش وبعدين كل فين وفين لما حد يجي ناحيتكم
بررت لها عزوف الزبائن عن القدوم قائلة بمنطقية
ما هما لسه ميعرفوناش بكرة لما الكل يدوق أكلنا هنبقى مش ملاحقين على الطلبات ولا الزباين 
أما نشوف
قالتها وهي تجرجر ساقيها نحو مقعدها الموضوع بجوار العربة في حين تساءلت همسة في اهتمام وهي تحاول أن تطل برأسها من النافذة لتنظر إليها أكثر
هاتعملي إيه يا ماما
ألقت بثقل جسدها المنهك على المقعد لتجيبها بعدها
هاقعد في مكاني ما أنا مش هاسيبكم لوحدكم 
سألتها مبتسمة
طيب أعملك سندوتش
ردت بوجه متقلص ونظرات متنمرة
لأ مش عاوزة ربنا يسهل وتفضوا المولد ده خلينا نرجع بيتنا 
كظمت فيروزة غيظها من أسلوبها المنفر والمثبط للعزائم لتقول بصوت خفيض وهي تكز على أسنانها
شايفة الإحباط
همست لها أختها وهي تسحب السکين من موضعه
احمدي ربنا إنها وافقت أصلا مش أحسن ما كانت حطتلنا العقدة في المنشار ولا عرفنا نعمل حاجة 
قالت بتكشيرة جانبية على شفتيها
على رأيك الحكاية مش ناقصة عكوسات!
أمرتها همسة بجدية وهي ترص قطع اللحم في المقلاة المليئة بالزيت المتأجج على النيران
قطعي يالا الطماطم والخس عشان لو حد جه طلب أوردر ما يقفش كتير 
رفعت فيروزة يديها للأعلى مرددة بنبرة عالية
ارزقنا من عندك يا رب!

شمر عن ساعديه وقام بثني كمي جلبابه ليتحرر ذراعاه ويستطيع مدهما بأريحية أثناء تناوله للطعام خلال المأدبة التي دعا إليها أفراد عائلته احتفاء بخروج حفيده الغالي من محبسه شطر سلطان الدجاجة المطهية أمامه إلى نصفين وضع إحداهما في صحنه واستطال ذراعه ليصل إلى حفيده الجالس على ميمنته بجوار ابنه أسندها في طبقه قائلا له بصيغة آمرة
عاوزك تخلص الأكل ده كله 
رد عليه تميم مازحا
أوامرك يا جدي هنسفهالك
بادله جده ابتسامة راضية قبل أن تتحول أنظاره نحو ونيسة التي أمسكت بالمعلقة الكبيرة لتسكب بها الحساء الذي تجيد إعداده بوصفة خاصة بها في طبقه وهي تقول
دوق يابا الحاج وقولي رأيك 
مد معلقته به وسحب القليل منه ليرتشفه ثم أردف في استحسان
تسلم إيدك 
انتفخت عروقها تباهيا برأيه الذي يضاعف من فخرها بمهاراتها في الطهي وشرعت توزع على باقي الجالسين مستعينة بابنة أختها لتساعدها في تقديم الطعام لضيوفها خاصة وأن ابنتها هاجر تعاني
من آلام الحمل المعتادة في تلك الأشهر المتقدمة منه استهلت بثينة حديثها مادحة عن عمد لتوجه الأنظار نحو ابنتها
طول عمرك ست بيت شاطرة يا ونيسة وخلود طالعة زيك مخدتش حاجة مني 
ردت شقيقتها مجاملة
تسلمي ياختي بس بنتك أشطر مني 
قالت لها بابتسامة متسعة بعد ضحكة مفتعلة
والله دي أخدة أصول الصنعة كلها منك 
وقفت خلود بجوار خطيبها تقدم له الطعام شكرها بنظراته دون أن ينبس بكلمة وفهمت هي إشاراته غير المنطوقة واحمرت وجنتاها خجلا هتفت بثينة فجأة عاليا وصوت المعالق يضرب في الصحون
ما تاكل يا تميم ده إنت هفتان يا حبيبي هما مكانوش بيأكلوك في السچن
بدت جملتها فظة إلى حد ما وأثارت حفيظة ابنتها التي اتسعت عيناها في لوم من أسلوبها غير المقبول لطرح مثل تلك الكلمات الصاډمة خشيت من توتر الأجواء لكن فاجأها
تميم بالرد بسخافة قاصدا إحراجها وربما مضايقتها
كنت بأكل يا خالتي بدل الطقة عشرة بس أكل أمي لا يعلى عليه!
اكتسى وجهها بعبوس ملحوظ بينما ضحكت ونيسة بنبرة فرحة وهي تقول
حبيبي يا ابني دايما كده ناصف أمك 
ثم غمزت له بمكر لتتحول الأنظار من جديد نحو خطيبته المرتبكة
بس النهاردة خلود اللي عاملة كل حاجة بإيدها صح يا هاجر
أيدتها ابنتها هاجر في الرأي فقالت بلؤم
طبعا وكله على يدي 
ردت عليها بثينة متسائلة بابتسامتها العريضة
إنتي صحتك عاملة إيه دلوقت
أشارت هاجر إلى بطنها المنتفخ وأجابت بتنهيدة متعبة
الحمدلله مطلع عيني بس كله يهون عشانه 
قالت لها مجاملة
طبعا ده الحفيد المنتظر ربنا يتمملك على خير ها الضاكتور قالك النوع إيه
همت تجيبها
هو قالنا 
لم يرغب محرز زوج هاجر وأحد أهم معاوني بدير في اقټحام تلك المرأة الفضولية لشئونه الخاصة لذا بحزم قاطع حديث النساء ليردد بطريقته اللزجة وبقايا الطعام الممضوغ يتناثر من فمه
كل اللي يجيبه ربنا خير خلونا نشوف الشغل والتوريدات اللي ورانا جايلنا كام طلبية و 
ظنت بثينة أن الفرصة مواتية لتقحم ما تريده مستغلة جملة محرز الأخيرة فهتفت متدخلة في الحديث بفظاظة ونظراتها بالكامل تركزت على وجه بدير لكونه المسئول عن إدارة الأعمال
بمناسبة الشغل يا حاج بدير ما تاخد هيثم معاك أهوو يقف معاكو ويقضيلكم مصالحكم 
رد عليها بدير بطريقة سمجة تليق بأسلوبها
جربته قبل كده ومانفعش!
احتج هيثم على اتهامه بالتقصير فدافع عن نفسه قائلا وقد توقف عن بلع لقيمات الطعام
لا يا جوز خالتي أنا بأفهم في الشغل 
نظر له بنظرة نفاذة تشير إلى خبرته وسطوته قبل أن يكتسي صوته بطابع رسمي وهو يرد
شغلنا مش عاوز فهلوة ولا لوي دراع دي مصالح ناس بألوفات وسمعتنا قبل كل ده فوق أي اعتبار 
علق الطعام في حلق هيثم فسعل بشدة ناولت بثينة كوب الماء لابنها وربتت على ظهره حتى يلفظ ما سد مجرى الهواء التفتت لتعاتب زوج أختها
وأنا ابني قصر في حاجة
أجابها ببساطة وهو يلوك الطعام
ابنك معندوش مخ 
اشټعل وجهها بحمرة غاضبة من إهانته غير المقبولة لابنها فصاحت تدافع عنه باستماتة
نعم أنا ابني مخه يوزن بلد باللي فيها إنتو بس اللي مش مقدرين قيمته ولا مدينه حقه هنا 
تدخل سلطان قائلا بلهجة الآمر الناهي
خلاص يا بثينة قفلوا على السيرة دي مش وقته الكلام ده نبقى نشوف موضوع ابنك بعدين
ردت على مضض وعيناها تشعان شررا مغتاظا
ماشي يا حاج سلطان 
رن هاتف تميم فأخرجه من جيب بنطاله الجينز الخلفي لينظر إلى شاشته فمنذ أن علم رفاقه بعودته وهاتفه لم يتوقف نهض دافعا مقعده للخلف وهو يستأذن بلباقة احتراما لضيوفه
لا مؤاخذة هرد على التليفون وأرجعلكم
قالت له ونيسة بابتسامة عريضة وبكلمات موحية
بسرعة يا
ابني لأحسن الشوربة اللي عملاها بنت خالتك تبرد طعمها مابيبقاش حلو إلا وهي سخنة موهوجة 
تلقائيا تحركت حدقتاه نحو وجه خلود المتشرب بحمرته الخجلة بدت أكثر توترا من نظرات المحدقين بها رمقها تميم بنظرة غير مفهومة التقطتها خلسة ثم عاد ليحدق في والدته قائلا باقتضاب
إن شاءالله 
انسحب من مائدة الطعام ليتحدث مع المتصل وصوته المرح كان نوعا ما مسموعا وهو يقول
حبيبي يا ناجي أهوو بنتعلم منك الأدب والأخلاق!
لم يدرك أن عينا خلود ما زالت تتبعه أينما ذهب وقلبها يدق بسرعة فائقة وبالرغم من تحرجها من الأسلوب غير المستساغ في التحدث عنها بسبب أو بدونه إلا أنها كانت سعيدة بكونها محط اهتمامه لاحقا عاد تميم إلى الطاولة ووقف مستندا بذراعه على مقعده ليعتذر بجدية
معلش يا جماعة أنا مضطر استأذن وأنزل أشوف أصحابي كلهم متجمعين ومستنيني على القهوة 
سقطت كلماته على رأس خلود كالصدمة وهي التي كانت تمني نفسها بسهرة لطيفة تتمتع فيها بالتطلع إلى وجهه وټغرق في نظراته الساهمة وربما يتجرأ ويداعب مشاعرها بتغزله فيها تبخرت أحلامها كليا وامتعضت ملامحها كتعبير عن ضيقها في حين رد عليه بدير بصوت هادئ
وماله اخرج يا تميم بس بلاش مشاكل 
قال ممازحا بابتسامة ساخرة
اطمن يا حاج أنا مبطل شقاوة بقالي يومين 
ودع الجالسين ملوحا بيده حانت منه التفاتة سريعة نحو خلود رمقها بنظرة ذات مغزى ابتسمت لها وأسبلت عينيها نحوه قبل أن تثبت نظراتها على صحن طعامها محاولة تهدئة قلبها الراقص طربا لاهتمامه بها وإن كان صغيرا ومتواريا 

أوشك زيت القلية المستخدم في طهي قطع الهامبورجر على النفاذ بعد أن تكاثرت الطلبات الخاصة بتجهيز السندوتشات حاولت همسة التعامل مع ما هو متاح حتى يتسنى لها توفير بعض الوقت للذهاب إلى المنزل لإحضار واحدة جديدة والعودة إلى عربة الطعام أوكلت مهمة مراقبة تحمير وجهه ل فيروزة لكن خشيت الأخيرة من إفساد مجهود أختها المبذول لقلة خبرتها فقالت حاسمة رأيها
أنا اللي هاروح أجيب الزيت وخليكي إنتي تابعي الأكل
ردت عليها رافضة
يا فيرو أنا مش هتأخر والموضوع بسيط مش مستاهل إنتي بس 
قاطعتها بعناد
خلاص يا همسة أنا عارفة مكان الحاجة وبالمرة هاجيب لماما شال تقيل بدل اللي لبساه عشان البرد 
ابتسمت تشكرها
تسلميلي خدي بالك من نفسك 
ردت ساخرة
هو أنا ههاجر ده البيت آخر الشارع!
ثم انتزعت مريلتها عن خصرها لتتركها على الجانب وتهبط عن العربة سألتها آمنة مستفهمة
رايحة فين يا فيروزة
أجابتها على الفور
هاجيب زيت من البيت وراجعة على طول 
أمرتها بنبرتها الجادة
متتأخريش 
حاضر 
قالتها وهي تسير على عجالة بخطوات أقرب للركض لتعبر النصف الأول من الطريق وقفت عند المنتصف على الرصيف الفاصل بين الجهتين تنتظر تباطؤ حركة السيارات حتى تتمكن من العبور كان الهواء عاصف نسبيا فضړب وجنتيها وتسبب في بعثرة خصلات شعرها بشكل شبه فوضوي على وجهها مما اضطرها لإعادة ما تناثر منه أسفل منديل رأسها دون أن تكترث أنها حررت مشبك الشعر الفضي المصمم على هيئة زهرة الأوركيد والذي كان ممسكا به فركت فيروزة كفي يدها معا عل الدفء يتسرب إلى أطرافها التي ارتعشت كليا لم تتخيل أن يكون الطقس باردا بسبب حرارة الموقد بداخل العربة فبدا الجو بها على النقيض من الحقيقي 
في تلك الأثناء كان تميم في خضم اتصال هاتفي مع رفيقه كامل حواسه مركزة مع حواره الشيق فيما عدا بصره المنتبه للحركة المرورية قال لرفيقه ناجي عاليا بصوته الأجش
هاشوف فين القهوة دي وأجيلك عندها 
مر بجوار فيروزة ولم ينتبه لها لكونها شخص عابر بالنسبة له متابعا حديثه ببسمة
جانبية شبه متهكمة وعيناه تجوبان بفضول على عربة الطعام الوحيدة المرابطة بجوار الكورنيش
ده الدنيا اتغيرت خالص وشايف حاجات غريبة هنا 
لفتت أنظاره فتوقف عن السير ليتأملها بنظرات أكثر تدقيقا وتفحصا هدأت سرعة السيارات نوعا ما فهرولت فيروزة عدوا للناحية الأخرى مقاومة قدر استطاعتها تيار الهواء الشديد لم تشعر بمنديلها الذي حرره الهواء وطار في اتجاه الريح ليصطدم بذاك الشخص الغريب عنها أحس تميم پألم طفيف يضرب مؤخرة عنقه وكأن أحدهم قذفه بطوبة صغيرة تحسسه بيده وهو يلتفت برأسه للخلف باحثا عمن ارتكب تلك الفعلة الحمقاء التي حتما لن يمررها مرور الكرام لم يجد أحدهم في الجوار لكن أصابعه التقطت المنديل والمشبك حملق فيهما باستغراب حائر متسائلا مع نفسه
بتوع مين دول !!
يتبع
الفصل الرابع
مسحة رقيقة بأناملها على تلك الصورة الصغيرة الوحيدة التي تمتلكها له قبل أن ترفعها إلى شفتيها لتطبع قبلة عليها كانت تشتاق إليه حد الجنون بالرغم من وجوده معها جفائه وخشونته غير المنقوصين معها كان أكثر ما يرعبها منه تنهيدة أخرى خاڤتة انبعثت من بين شفتيها ونظراتها الساهمة حملقت في وجهه الجاد تذكرت خلود حينما ألحت على تميم ليعطيها صورته كان ذلك قبيل إعلان خطبتهما وافق بصعوبة على طلبها وأهداها واحدة له وهو في عمر صغير فرحت آنذاك بهديته الغالية واعتبرتها أثمن من أغلى مجوهرات العالم خبأتها سريعا في محفظة يدها قبل أن يراها أحدهم ويستغل الفرصة في إحراجها بالسخرية من حبها المتيم به لمسة حذرة على جانب ذراعها كانت كفيلة بجعل جسدها ينتفض التفتت كالملسوعة لجانبها لتجد خالتها تحدق بها بنظرات ذكية مالت عليها لتهمس لها بنبرة ذات مغزى
ربنا يكملكم على خير يا حبيبتي إنتي صبرتي كتير وعن قريب هانسمع الأخبار الحلوة
قفز قلبها بين ضلوعها فرحا أشرقت ملامحها وهي تسألها بتلهف مفضوح
بجد يا خالتي
ردت عليها ونيسة مؤكدة بثبات
أيوه أنا هفاتح جوز خالتك عشان نتمم الجوازة كفاية كده عليكم
عفويا احتضنتها خلود وهي تكاد تبكي من فرط سعادتها شكرتها بأنفاس مبهورة
ربنا ما يحرمني منك يا خالتي دايما واقفة في صفي
ربتت الأخيرة على ظهرها لتأمرها بلطافة
طب يالا يا عين خالتك عشان نجهز القهوة والشاي لجدك وباقي العيلة
هزت رأسها في إذعان راض واستدارت متجهة نحو أحد أدراج المطبخ العلوية لتفتحها وتخرج الفناجين وترصها بشكل منمق في الصينية ريثما تكمل خالتها إعداد القهوة وغلي الماء
نظرة حائرة متشككة ارتكزت على منديل الرأس والمشبك المعلق به للحظة شرد عن مكالمة رفيقه وتركزت كامل حواسه مع ما في يده ارتفعت عيناه لتحدقان في الطريق من جديد لا شيء يدعو للاسترابة أنفار متباعدون يسيرون على عجل في العتمة المسيطرة على المكان بسبب خفوت الإضاءة وقلة أعمدة الإنارة نظر أمامه ليجد البعض ما بين جالس على الكورنيش وواقف على مطلع الرصيف ينتظر سيارة أجرة شاغرة ليستقلها الحياة تسير بشكل طبيعي ومتلائم مع طبيعة الأجواء الباردة أطبق تميم كفه عليهما وهو يفكر في إلقائهما في أقرب سلة للقمامة للتخلص منهما وبالفعل دنا من واحدة بلاستيكية معلقة على عمود الإنارة المظلم رفع يده للأعلى ليصل إلى فتحتها العلوية لكن أعاقه صوت ناجي المتسائل باستغراب
إنت روحت فين يا باشا
أجابه باقتضاب بعد نحنحة خفيفة وقد تهدل ذراعه
معاك
عفويا دسهما في جيب بنطاله الخلفي ريثما يفكر بهدوء فيما سيفعله بهما بعد أن أثيرت حفيظته هم باجتياز الطريق وعيناه تبصران عربة الطعام المضيئة بالأنوار البراقة توقف على مقربة منها يفحصها بعيني المحقق المشكك والباحث عن أجوبة تفصيلية لأسئلته الدائرة في عقله اقتضب جبينه وانزوى ما بين حاجبيه بقوة وقد لمح فتاة تخدم على الزبائن المرابطين أمام العربة وابتسامتها المجاملة ظاهرة على محياها أردف تميم متسائلا باهتمام فضولي ينم على كونه لن يدع الأمر هكذا يمر ببساطة
هو مين في الحتة بتاعتنا شغال على عربية
سأله ناجي مستفهما فقد بدا حديثه غامضا مبهما
عربية إيه
أجابه دون أن يرمش
عربية أكل
عاد ليسأله حتى تتضح الصورة له
تقصد عربية فول
رد نافيا
لأ سندوتشات وحاجات تانية
طب مكانها فين
أجاب بجدية
على الكورنيش قرب البحر
تنحنح ناجي بخفوت قبل أن يعقب عليه
مش عارف بصراحة بقالي كام يوم مامشتش من الناحية دي بس بيتهيألي مافيش حاجة هناك
رد مؤكدا بما لا يدع مجالا للشك
بأقولك أنا واقف قصادها وفيها باين بنت شغالة عليها
ردد
ناجي متعجبا
بنت غريبة أوي!
حك الأخير جبهته مضيفا بنبرة تميل للانضباط
نكمل كلامنا في الحكاية دي لما
أشوفك الأول قولي إنت فين بالظبط
حاول رفيقه أن يوصف له الطريق المختصر المؤدي للمقهى حديث الطراز الذي يجلس به بعد أن تغيرت معالم المنطقة كثيرا واختلفت عما اعتاد عليها قبل أن يسجن ظل باله مشغولا بما رأه على طريق الكورنيش وتغاضى مؤقتا عنه حتى يستعلم عن الأمر برمته لكن الأكيد أن السكوت عليه أمر مستبعد
سار تميم بضعة خطوات نحو وجهته لكن لشيء داخلي لا يعلم سببه قرر فجأة الالتفاف والعودة إلى العربة تخلى عن حذره واقترب من النافذة التي تطل منها تلك الشابة الجميلة رمقها بنظرة مطولة محاولا تفحصها بها توقف عن التحديق بها حينما باغتته متسائلة بشكل روتيني بحت
إيه طلبات حضرتك
بدا وكأنه قد أتى من كوكب أخرى وهو يرمقها بتلك النظرات الغريبة تقلصت تعابير وجهه واشتد اقتضاب جبينه حرك رأسه للجانبين في حيرة باحثا عن قائمة الطعام أو المشروبات فهو لا يعرف ماهية ما يقدم بالعربة سكون حائر ساد في الأجواء قاطعته همسة بلطافة لبقة وكأنها أدركت سبب تردده
في عندنا سندوتشات برجر حلوة وكمان آ
رفع يده ليسكتها بقوله الفظ
مش عاوز شكرا
تراجعت همسة برأسها للخلف في اندهاش مصډوم من رده المستفز اربد وجهها من الضيق والڠضب لم تكن تجيد التصرف في تلك المواقف المحرجة خيل إليها أنه لو كانت فيروزة حاضرة لما كانت مررت الأمر على خير وللقنت أمثاله من الوقحين درسا يليق به تجاوزت مضطرة عن وقاحته لتلتفت إلى عملها الذي يحتاج كامل تركيزها الآن
بسرعة وهمة أنجزت ما هو مطلوب منها في أقل وقت ممكن حيث أحضرت زجاجتي زيت حتى لا تضطر للعودة إن نفذت الأولى كما عبثت بدولاب والدتها لتأتي لها بالشال الصوفي الثقيل لتضعه على جسدها فلا تشكو من برودة الطقس وقبل أن تغلق فيروزة باب المنزل خلفها ألقت نظرة خاطفة على هيئتها دهشة عجيبة اكتست ملامحها وقد أدركت فقدانها لمنديل رأسها عفويا تحسست بيدها الأخرى التي لا تحمل شيئا خصلاتها النافرة انزعجت قائلة لنفسها
أكيد طار وأنا مخدتش بالي
رتبت بيدها ما تبعثر من شعرها عله يثبت في مكانه كانت فيروزة مدركة لضيق الوقت وبالتالي تجاوزت عن ضيقها لتخرج من المنزل لتلحق بالزبائن المنتظرين عند العربة اتجهت للسلم وأمسكت بالدرابزين لتهبط درجاته توقفت قدماها عند منتصفه وقد أبصرت خالها وزوجته المستفزة يلجان من المدخل انتابتها ربكة مفاجأة تطلع لها الأول في استغراب مندهش ثم سألها بشكل آلي كأنه يحقق معها
رايحة فين السعادي يا فيروزة
توترت ملامحها بشكل ملحوظ وخرج صوتها مترددا وهي تجيبه
كنت آ بأجيب حاجة ل ماما و
تأملتها حمدية بنظرات جابت عليها من رأسها لأخمص قدميها ثم تدخلت في الحوار متسائلة في استنكار وعلامات النفور ظاهرة على خلجاتها 
في نص الليل 
ثم انخفضت نظراتها نحو زجاجتي الزيت اللاتين تحملهما لتسألها والريبة تعتريها
والزيت ده بيعمل معاكي إيه
انتبه خليل لحديث زوجته ونظر إلى حيث قالت وسألها مستفهما
صحيح بتعملي إيه بدول
رفعت فيروزة يدها قليلا لتحدق في حيرة بالغة فيما معها أحست بجفاف كبير يجتاح حلقها ازدردت ريقها ولعقت شفتيها قبل أن تجيبه بارتباك يدعو للشك
أصل الحكاية يعني آ كنت هوديهم
لوحت حمدية بيدها مضيفة بنبرة ذات مغزى
شكلها بتدور على كدبة تبلفنا بيها!
عبارتها الأخيرة أشعلت حنق زوجها فتساءل بلهجته الصارمة
انطقي يا فيروزة إنتي بتعملي إيه من ورايا
ترددت في البوح بحقيقة ما تفعله خشيت إفساده للأمر قبل أن تتمتع
بنجاحه لذا أجابته بشجاعة تفتقد لها
ولا حاجة يا خالي
رمقتها حمدية بنظرة مزدرية قبل أن تتهمها بالباطل
تلاقيها مصدقت إنك مش موجود فخارجة تدور على حل شعرها
هنا تجهمت تعابير ابنة أخته وكشرت عن أنيابها لتهاجهما بشراسة حتى تدافع عن نفسها
أنا محترمة ڠصب عن عين الكل وينقطع لسان أي حد يقول غير كده
احتقنت نظرات زوجة خالها فصاحت تعنفها
قصدك إني بأتبلى عليكي
ردت غير مبالية 
والله إنتي أدرى!
التفتت حمدية نحو زوجها تهتف فيه پغضب استعر بداخلها
شايف بنت أختك المؤدبة بتقولي إيه بدل ما تشوف الصايعة دي خارجة فين في أنصاص الليالي جاية تعلمني الأدب!!!!
حفزت حميته الرجولية بكلماتها المستفزة والمٹيرة للأعصاب اندفع خليل نحوها ليقبض على ذراعها أمسك بها بقسۏة آلمتها بضغطه الشديد عليها ثم هزها پعنف وهو يسألها بزمجرة بائنة في صوته
انطقي يا بنت ال ! رايحة فين السعادي
احتقنت عيناها تأثرا بإهانته غير المقبولة ولعناته المسيئة ومع ذلك ضبطت انفعالاتها قبل أن تهتاج لترد بقوة
رايحة أشوف شغلي وأكل عيشي
انزوى ما بين حاجبيه مرددا في اندهاش أكبر
شغلك 
ردت باستبسال يعبر عن شخصيتها غير الضعيفة
أيوه أنا فتحت عربية أكل وبأشتغل دلوقتي يا خالي ورايحة أشوف الزباين اللي مستنين طلباتهم
لطمة على الصدر مصحوبة باستنكار قالتها حمدية
يادي النصيبة اللي كانت على البال ولا على الخاطر!
هزها خليل بعصبية لاستفزازها له صارخا بها
إنتي اټجننتي من ورايا ومن غير ما تقوليلي
ردت مدافعة باستماتة عن حلمها
أنا معملتش حاجة غلط ولا حرام وماما عارفة بده وموافقة كمان
زمت حمدية شفتيها لتعلق بتهكم محتقر ونظراتها الساخطة مثبتة عليها
بلا خيبة! هي أمك دي بتفهم!
استشاطت فيروزة ڠضبا من إساءتها غير المقبولة عن والدتها رفعت رأسها نحوها لتقول بنبرة مشحونة بالحقد
ماتغلطيش فيها أمي على راس الكل بما فيهم إنتي!
شهقة مغلولة انفلتت من بين شفتيها كزت على أسنانها في ضيق متعاظم من جراءتها معها ثم وضعت يدها أعلى خاصرتها لتقول بحدة
شايف البت بتغلط فيا إزاي هاتسكتلها أنا مش هستنى أما أسمع شتمتي بودني أنا طالعة واصطفل إنت معاها بت ناقصة رباية!
وقبل أن تبادر فيروزة بالرد أخرسها تحذير خليل الصارم وعينان تطقان شررا
اسكتي خالص ولا حرف واحد زيادة!!
كظمت ڠضبها في نفسها مضطرة ثم عادت لتحدق في وجه خالها وهو يتابع بوعيد
هنتحاسب على ده بعدين بس الأول وريني أمك فين
تنفست بعمق لتضيف بعدها بعناد استفزه
ماشي بس أنا مش هابطل شغلي!
لكزها بخشونة في كتفها وهو يوبخها
أما إنتي بجحة صحيح ليكي عين تتكلمي انجري قدامي
هبطت ما تبقى من درجات وهي بالكاد تسيطر على ضيقها النامي بداخلها لكنها عقدت العزم على ألا تتخلى عن حلمها مهما حدث 
انتهت من توزيع فناجين القهوة وأكواب الشاي المصحوبة بقطع البسبوسة الشهية لتجلس بجوار والدتها ونظراتها القلقة تدور على أوجه الحاضرين منتظرة بترقب الشروع في الحديث عن موضوع زواجها من تميم كم تلهفت لتلك اللحظة التي يجتمع فيها أفراد العائلتين من أجلها! حلمت بها مرارا وتكرارا وتخيلت حبيبها يلقي كلمات البداية الداعية لإتمام
 

تم نسخ الرابط