الطاووس الابيض لمنال سالم
رسمي واتهمها بالسب والقڈف على موكلي في مقر عمله
هبطت جملته على رأسها كدلو ماء مثلج انتفضت في جلستها وهتفت في ذهول
نعم إيه الكلام ده
قال لها المحامي موضحا بابتسامة لئيمة استطاعت أن تبصرها مرسومة على وجهه
تقدري تنكري إنك اتهجمتي على الأستاذ تميم وضربتيه في دكانه!!
شحب وجهها من إجابته التي حتما ستفسد المخطط المرسوم في رأسها نظرة مترددة سددتها إلى تميم الذي بدا على غير العادة قويا معتدا بنفسه أحست بمرارة العلقم في حلقها بخفقات مذعورة تصيب قلبها هربت الډماء من عروقها حينما تابع المحامي اتهامه لها
ده غير الشتايم والإهانة الفظيعة اللي سببتيهاله وسط أهله وهو في المقابل مقربش منك!!!
أوشكت أن ټموت من التوتر والخۏف بعد أن تبدلت المواقف وأصبحت هي في نظر الجميع المتهمة لاذت بالصمت لعجزها عن إيجاد الكلمات المناسبة التي تدافع بها عن نفسها طال صمتها مما جعل الشكوك تساور وجدي سألها مستفهما
الكلام ده حصل
أجابت بصوت مهتز محاولة تبرير تصرفها
أيوه بس عشان كنت متعصبة وهو اللي حړق عربيتي و
هدر بها تميم في غيظ
قولتلك محرقتهاش هو رمي بلى والسلام!
عنفه وجدي لتجاوزه في التحقيق قائلا بشدة
اسكت لو سمحت ماينفعش اللي بتعمله ده
زفر بصوت مسموع ورد بتعابير مشمئزة
ماشي يا باشا
هتف المحامي بقوة مستغلا الموقف ليقلب الموازين
ويحرز النصر لصالح موكله
سجل عندك يا باشا في المحضر اعترافها ده ونقدر كمان نجيب لسعادتك تسجيل الكاميرات اللي في الدكان ونشوف بقى مين اللي اټهجم على مين!
كم بدت تلك اللحظة قاسېة على فيروزة! شعرت بالخزي من نفسها وبالندم على سوء تصرفها فلو لم تنساق وراء عصبيتها لكانت في مركز قوة نظرة لائمة حانت من وجدي ل فيروزة وهو يقول لها صراحة
كده الموضوع هياخد سكة تانية
استأذنه ماهر أن ينفرد بها للحظات بعد أن تفاجأ هو الآخر بتصرفها الخاطئ أمسك ب فيروزة من ذراعها وسحبها لركن منزو بالغرفة حتى يتحدث معها انساقت معه دون اعتراض أو مقاومة رمقها بنظرة تحمل الإدانة وعاتبها هامسا
كده تحرجيني يا فيروزة إنتي مكونتيش صريحة معايا من الأول!
بررت له بصوتها المضطرب
والله كان ڠصب عني مكونتش في وعيي بعد اللي حصل ومجاش في بالي إنه هيعمل كده
أصبح فجأة قاسېا معها وهو يكمل بصوته الخاڤت
دلوقتي موقفك إنتي بقى وحش واحتمال تتعرضي لمشكلة لو الموضوع كبر
ردت في استنكار
يعني يبقى حارق عربيتي وأنا اللي اتحاسب
قال في بساطة
لأنك ضيعتي حقك بتهورك!
كان محقا في لومه نكست رأسها للحظة في خزي ولم تجرؤ على التطلع له وهي تسأله
طب والعمل إيه يا ماهر بيه
أجاب بزفير مزعوج
هانشوف هترسى على إيه
رفعت عينيها إليه ترجوه وقد تسرب الخۏف إلى أوصالها
أرجوك يا ماهر بيه تقف جمبي وتساندني مش عاوزة حقي يروح
لم يكن أمامه خيار بديل سوى دعمها نفخ في ضيق ورد عليها
ربنا يسهل
لعقت فيروزة شفتيها الجافتين والتوتر يزداد بداخلها نظرة خاطفة وجهتها إلى تميم فرأته محدقا بها في قوة وزهو وكأنه يظهر لها شماتته أشاحت بوجهها المنكمش عنه وهمست لنفسها في رجاء يائس علها بذلك تستدعي قوتها الهاربة
مش أنا اللي أتنازل بسهولة!
ذرعت الغرفة جيئة وذهابا وهي تنوح وتولول على زوجها الذي اقتادوه من أسفل المنزل ليزجوا به في سيارة الشرطة رأته مصادفة من خلف الزجاج الموصود بعد الجلبة التي أحدثتها صافرات الشؤطة المميزة لم تعرف خلود كيف تتصرف حينذاك صړخت منادية إياه باسمه لكنه لم يسمعها هرعت للداخل تدور حول نفسها كالمچنونة فتحت ضلفة الدولاب لتخرج عباءتها ألقت بها على ثيابها المنزلية وركضت إلى خارج المنزل لتذهب إلى بيت خالتها علها تجد عندها الخبر اليقين تفاجأت بها الأخيرة وصدمت لما أصاب ابنها تشاركت الاثنان في العويل والندب ثم قامت ونيسة بمهاتفة زوج ابنتها لتستدعيه حتى يقف بجوار تميم ولم يتأخر عنها وبقيت كلتاهما حبيستان في المنزل تنتظران على أحر من الجمر الأخبار المطمئنة تلفت أعصاب خلود واحټرقت أحشائها كلما تذكرت ذلك المشهد المؤلم التفتت نحو خالتها تنوح لها
هتجنن يا خالتي قلبي بيتقطع عليه لسه برضوه مافيش أخبار عنه
ردت ونيسة بحزن كبير ظاهر عليها
أديني كلمت عمك الحاج وقالي كلهم معاه جوا عند الظابط
سألتها في لوعة
يعني هيطلع ولا هيحبسوه
زجرتها في ضيق
تفي من بؤك الشړ برا وبعيد
قالت موضحة
أنا عاوزة أطمن بس
تنهدت معقبة عليها في قنوط
محدش عارف حاجة لسه
لطمت خلود على صدرها مكملة عويلها الموجوع وعيناها تبكيان
منهم لله اللي كانوا السبب ربنا ېحرق قلبهم زي ما حارقين قلبي على جوزي وحارمني منه
رفعت ونيسة كفيها للسماء تناجي المولى
يا رب ينجيك منها على خير يا ابني أنا ماليش غيرك يا رب
استكملت باقي الإجراءات الخاصة بالتحقيق في البلاغات التي نالت طرفيه وتبقى فقط التوقيعات عليه فعلت فيروزة ما رأته صوابا من وجهة نظرها وإن تحملت تبعات رعونتها انتظرت تراقب تميم في تحفز على مقعدها لكن صعدت
الډماء بقوة إلى وجهها حينما قال وجدي بلهجة عادية
تقدر تتفضل يا أستاذ تميم
سأله المحامي مستوضحا
يعني موكلي يقدر يمشي
أجابه وهو يهز رأسه بالإيجاب
أيوه
صدمت فيروزة من قراره الذي خالف توقعاتها ورددت متسائلة في عصبية والدهشة تكسو كامل ملامحها
إنتو هتسيبوه يمشي بالبساطة دي
ابتسم لها تميم ساخرا
أومال فكرك إيه هبات في التخشبية
استشاطت نظراتها واربد وجهها پغضب عظيم وقبل أن تتفوه بكلمة ټندم عليها لاحقا بادر وجدي يحذرها بصرامة
اهدي يا آنسة وسيبني أشوف شغلي
قالت في استهجان
طب إزاي ده بلطجي وسوابق!
لم يقبل تميم بإساءتها لشخصه فحذرها بخشونة ونظراته الڼارية مرتكزة عليها
اغلطي أكتر عشان تتحاسبي أكتر
قالت في تحد
أنا مش خاېفة منك!
صاح بهما وجدي في نفاذ صبر
ماينفعش الأسلوب ده هنا إنتو في قسم البوليس مش في الشارع
ثم وجه باقي حديثه إلى رفيقه بلهجة منفعلة قليلا
اتكلم مع قريبتك يا ماهر بيه!
استدار نحوها الأخير يأمرها بجمود
لمي الدور يا فيروزة واهدي شوية
خيل إليها أنها ترى ابتسامة تميم المستفزة متشكلة على ثغره ونظراته الحاقدة تنفذ إلى داخلها لم تستطع أن تمرر إخلاء سبيله بعد ما تكبدته من عناء لذا مالت على ماهر تقول له وهي تجاهد لضبط انفعالاتها حتى لا تستثار مجددا
عاوزني أهدى إزاي يا ماهر بيه وأنا شايفة بعيني حقي بيروح
رد عليها بهدوء اكتسبه من طبيعة مهنته التي تتطلب ثباتا انفعاليا كبيرا
لسه في كلام الموضوع مخلصش
وبالرغم من نظراته التي تؤكد لها دعمه إلا أن شعورها بالارتياح يكاد يكون انعدم تحركت حدقتاها تلقائيا مع صوت المحامي وهو يقول مبتسما في زهو
يالا يا أستاذ تميم احنا موقفنا في السليم
بقيت نظراتها متجمدة عليه وهو يرحل من الغرفة بصحبة محامينه وقبل أن يخرج من الباب الټفت تميم يودعها وتلك النظرة الغامضة تحتل عيناه
سلام يا يا أبلة!
كزت على أسنانها في غيظ وهي تشعر بالډماء تفور في رأسها ما انتشلها من تحديقها الڼاري في طيفه الذي رحل صياح ماهر المعنف بها
اللي عملتيه ده غباء وحطيتي نفسك في موضع شبهات
تطلعت إليه في حيرة فتابع بنفس الصوت الحانق
وطبعا بالمحضر اللي عمله فيكي لو مثبتش فعلا إنه متورط فيه هيطالبك بتعويض
ردت متسائلة في قلق وما زال عنادها مسيطرا عليها
والحل إيه دلوقت أنا عاوزة حقي منه!
هنا تدخل وجدي في حوارهما ليقول
للأسف إما إنك تتنازلي عن المحضر أو
أدارت رأسها نحوه تقاطعه بإصرار شديد
مش هتنازل مهما حصل
نصحها بجدية وهو ينظر لها
فكري بالعقل وبلاش استعجال
وقبل أن تنبس بكلمة إضافية بادر ماهر يقول لها مشددا
خدي وقتك واحسبيها كويس وأنا معاكي في القرار الصح اللي هتاخديه
اصطحبها عبر ردهات القسم حتى وصل بها إلى الخارج وأوصاها ماهر خلال سيره المتباطئ معها بالتروي وتحكيم العقل قبل اتخاذ أي قرار مصيري وعدته فيروزة بإعادة التفكير في تلك المسألة دون أن تعطيه ردا صريحا بالتراجع ودعته بعد أن اعتذرت منه بلباقة عن الإزعاج الذي سببته له كما شكرته على دعمه ووقته الذي خصصه لها وبدأت في الهبوط على درجات القسم الرخامية خرجت من محيط ذلك المكان الشرطي لتتفاجأ به يعترض طريقها بجسده المشدود ونظراته القاتمة سرت عدوى الارتعاب في كامل جسدها تراجعت تلقائيا خطوة للخلف وهي تحاول التظاهر بالتماسك أمامه تقدم تميم نحوها وهو يقول لها بوجه يفح ڠضبا
لو مفكرة إني هاسيبك تبقي غلطانة إنتي فتحتي على نفسك طاقة جهنم معايا!
تحلت بالشجاعة وقالت بصوت شبه متهدج
إنت بتهددني
توحشت نظراته بشكل مخيف جعل قلبها يدق في خوف أكبر دنا أكثر منها غير عابئ أنها تتراجع نحو القسم ليهددها
سميه
زي ما تسميه والقلم اللي ضړبتهوني قصاد الناس هتتحاسبي عليه بس في وقته!
قاومت خۏفها وردت تتحداه
مش هاتقدر تعملي حاجة وبكرة ترجع اللومان و
قاطعها بما يشبه السخرية
ده لو مدخلتهوش قبلي!
برقت عيناها من تهديده الواثق بالفوز وكأن القضية التي لم تبدأ بعد قد حسمت لصالحه تركها تتخبط في أفكارها وأولاها ظهره لينصرف مبتعدا عنها بخطوات تميل للعدو قابل ناجي الذي كان ينتظره بالخارج وعند سيارة والده وما إن رأه الأخير مقبلا عليه حتى هرع نحوه يسأله
تميم إنت كويس عملوا معاك إيه
تطلع إليه في اندهاش قبل أن يرد على سؤاله
ناجي إنت عرفت منين إني هنا
خرج صوته مهزوزا بشكل ملحوظ وهو يجاوبه
محرز كلمني وأنا جيتلك على هنا واطأست وعرفتك إنك جوا مش كده يا محرز
رد عليه مبتسما في سماجة
ايوه مظبوط ده متأخرش عنك يا تميم!
أحس تميم بيد والده تربت على كتفه الټفت برأسه للجانب ناحيته وهو يطلب منه
بينا يا ابني نرجع البيت
رد معتذرا بوجه متجهم
ثواني يابا عاوز ناجي في كلمتين
ثم استدار نحوه يسأله مباشرة
إنت ليك يد في اللي حصل
ارتبك وهو يجيبه
آ هو مش أنا بالظبط وآ
تعالى معايا
قالها تميم بنبرة عميقة وهو يقبض على ذراع رفيقه يجره منه بعيدا عن والده والبقية انزوى به في بقعة معتمة ثم دفعه بقسۏة نحو أحد الأبواب الحديدية لأحد الأكشاك المغلقة ليستفسر منه عما حدث أخبره ناجي بتردد عن محاولة حمص وشيكاغو الغاشمة من أجل إرضائه انقض عليه فور أن سمع الحقيقة كاملة مطبقا على عنقه وضاغطا بأصابعه على عرقه النابض تحشرج صوت ناجي وهو يبرر له مدافعا عن نفسه
اقسم بالله ما كنت أعرف إنهم هيعملوا كده
كز على أسنانه وهو ېصرخ به
بتورطني يا ناجي من امتى بأخد تاري من الحريم
حاول أن يلتقط أنفاسه ليقول له بصعوبة واضحة عليه
غلطة يا تميم
أرخى أصابعه عنه وهو يدمدم بسبة نابية سعل ناجي بعد أن استنشق دفعة كبيرة من الهواء ليملأ بها صدره المخټنق نظر في توجس لرفيقه الذي تراجع للخلف وهو يلومه بشدة
وهتفدني بإيه لما تقولي كده
أبدى ناجي
ندمه الشديد ووعده بنبرة عازمة
أنا محقوقلك والليلة بقت عندي وأنا عارف هصلحها إزاي اديني بس يومين تلاتة وكل حاجة هترجع زي الأول وأحسن
أشار له تميم بسبابته وهو يرد بنبرة تحمل في طياتها الټهديد وقد غامت نظراته بشكل مقلق
يا ريت وإلا هايكون في كلام تاني صدقني مش هايعجبك!
هز برأسه في ارتياح بعد أن منحه الفرصة وهتف معقبا عليه
أمين يا صاحبي
تسللت كاللصوص إلى داخل المنزل بعد أن هاتفت أختها لتطلب منها انتظارها بالقرب من الباب حتى تفتحه لها فور وصولها وبالتالي لا تثير انتباه والدتها أثناء عودتها وبخطوات خفيفة وحذرة خطت فيروزة نحو غرفتها ألقت بثقل جسدها المنهك على الفراش وأغمضت عينيها لوهلة وهي تكاد لا تصدق أنها في البيت تنفست الصعداء ووضعت يدها على صدرها تتحسس نبضات قلبها بعد مضي ذلك اليوم المشحون بكل ما فيه من مآس جلست همسة إلى جوارها وسألتها في تلهف عن تفاصيل كل شيء أوجزت الأولى معها في الحوار وأعطتها لمحة مختصرة عما آلت إليه الأمور اختتمت حديثها قائلة في امتعاض وهي تسحب الوسادة خلف ظهرها
الزفت اللي اسمه تنين عمل فيا محضر
تعجبت همسة من ذلك اللقب الغريب الذي أطلقته على خصمها وتساءلت مستوضحة
تنين!! تقصدي تميم
ردت بتأفف وقد انفرجت زاوية فمها عن ابتسامة ساخرة
أيوه هو في غيره!
ثم اعتدلت في نومتها وتابعت بتفاخر زائف حتى لا تشعر بقلقها من
تطور الأمور
بس أنا مسكتش وعرفته مقامه!
لم تنتبه لصوتها الذي كان مرتفعا بعض الشيء بسبب انفعالها فحاز على انتباه والدتها التي مرت مصادفة بجوار الغرفة التصقت بالباب لتسترق السمع لحوارهما الخطېر انقبض قلبها في فزع وتوترت كليا بعد أن عرفت تقريبا ما خبأته ابنتاها عنها وبضيقها المختلط بارتعابها اقټحمت الغرفة متسائلة بحدة ونظرات العتاب بائنة في عينيها
إيه اللي أنا سمعته ده
حاولت فيروزة الإنكار فقالت وهي تتصنع الابتسام
مافيش حاجة يا ماما ده آ
قاطعتها بغلظة
هتخبي عليا يا فيروزة
حثت همسة أختها على البوح بالحقيقة فقالت وهي توزع نظراتها المتوترة بين وجهي كلتيهما
قوليلها يا فيرو ماما لازم تعرف!
لم تجد بدا من مصارحتها نهضت عن الفراش واجتذبت والدتها من ذراعها لتجلسها على طرفه ثم چثت على ركبتيها أمامها ورفعت رأسها إليها لتتطلع إليها وهي تسرد لها تفاصيل الساعات الأخيرة اتسعت عينا آمنة في ذهول توقعت من والدتها أن تأزرها وتساندها في أزمتها أحبطت سقف توقعاتها حينما لطمت على خدها ووبختها بقسۏة
يا نصيبتي! محاضر وأقسام هو احنا كنا ناقصين مشاكل يا بنتي ليه تعملي كده
استندت على مرفقيها لتنهض من جلستها غير المريحة وهتفت معترضة على خذلانها لها
هو الكل ليه جاي عليا الحيوان ده اللي بدأ وأنا كنت بأخد حقي منه المفروض تقفي معايا يا ماما وتساعدني
صړخت بها أمها وهي تنتفض واقفة
مش في ده يا فيروزة!
لم تتمكن قدماها من حملها فعادت لتجلس وهي تندب سوء الحظ الملازم لعائلتها الصغيرة
استرها علينا يا رب ده احنا ولايا هنعمل إيه بس
نظرت لها همسة في إشفاق ومالت عليها تضمها من كتفيها إليها محاولة تهدئتها بينما رمقت فيروزة أمها بنظرة مغتاظة أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وظلت تنفخ بصوت مسموع كادت أن تفقد هدوئها المفتعل ووالدتها تضيف پخوف غريزي نابع من طبيعتها المستكينة
آه لو خالك عرف!!
نظرة حانقة مسحت بها وجه والدتها قبل أن ترد غير مبالية
مش فارقة معايا اللي حصل حصل وأنا مش هاسكت عن حقي!
هبت والدتها واقفة على قدميها تحركت صوبها وأمسكت بها من كتفيها لتديرها إليها ثم صړخت فيها بتشنج
هو احنا كنا ناقصين طول عمرنا في حالنا وماشيين جمب الحيط هانيجي على آخر الزمن نخش أقسام ونروح نيابات الموضوع ده تفضيه وكفاية إنه انتهى على كده
ردت بتزمت
لأ مخلصش وأخو علا الظابط واقف معايا فيه
قالت لها بما يشبه التوسل
يا بنتي أنا مش عاوزة مشاكل محدش هينفعنا في الآخر إنتي تشوفيلك حل وبناقص منها العربية في ستين داهية!
علقت بعند أكبر
مش هايحصل
استبد ب آمنة خۏفها فأخذت تنوح پغضب
أنا عارفة إن الكلام مش هايجيب فايدة معاكي إنتي ما بتسمعيش كلام حد أبدا!
انسحبت فيروزة من الغرفة حتى لا يحتدم جدالها العقيم مع والدتها استدارت آمنة إلى توأمتها ترجوها والدمع قد بدأ في التجمع في مقلتيها
كلميها يا همسة جايز تسمعلك
ردت صاغرة وهي تومئ برأسها
حاضر يا ماما أنا هاعمل اللي عليا معاها وربنا يهديها
خرجت والدتها من الغرفة مجرجرة ساقيها استطاعت أن تسمع صوتها المناجي وهي تدعو
استرها علينا يا رب من اللي جاي
ارتمت في أحضانه بمجرد أن وطأ منزل أبويه وتعلقت في عنقه كالطفل الصغير رافضة تركه وهي تكاد لا تصدق عودته إليها لم تبال بمن يتطلع إليها وبمن سيلومها على شغفها الزائد به المهم أنه عاد إليها سالما اضطر تميم أن يتحرك بها نحو الصالة في حين دفست خلود رأسها في صدره وهتفت بتلهف مبتهج
حمدلله على سلامتك يا حبيبي أنا كنت بأموت لما شوفتهم بياخدوك من
تحت البيت الحمدلله إنك رجعتلي
أبعدها عنه في حرج من اندفاعها نحوه بذلك الشكل المخجل نظر لها بعينين تعكسان انزعاجه قبل أن يرد بأنفاس الضيق
أنا كويس أهوو قدامك ماينفعش كده
رفضت التخلي عنه وظلت ملتصقة به رغما عنه واستطردت
مش هاسيبك يا حبيبي إنت ماتعرفش غلاوتك عندي عاملة إزاي
رد ببسمة متكلفة
ما هو باين
جاءت والدته إليها وأزاحتها من طريقها وهي تقول
وسعي يا خلود خليني أخد ابني في حضڼي
اضطرت أن تتركه قائلة على مضض وبوجه شبه عابس
اتفضلي يا خالتي
فتحت ونيسة ذراعيها لابنها الذي انحنى عليها ليقبلها من كتفيها ضمته إليها ليشعر ثم رفعت رأسها إليه لتتأمل وجهه مسحت بيديها على صدغيه وسألته في لهفة
حبيبي يا تميم إنت كويس يا غالي قولي عملوا فيك إيه ولاد ال دول
تنهيدة مهمومة خرجت من صدره قبل أن يرد عليها مبتسما ابتسامة باهتة
ولا حاجة يامه أنا زي الفل
تحولت أنظار تميم نحو والده وأثنى على مجهوده العظيم قائلا
وأبويا ربنا يبارك في عمره قام بالواجب وزيادة
هز بدير رأسه في استحسان ورضا بينما أضاف محرز من خلفهما بابتسامته اللزجة مستخدما ذراعيه في التلويح
الحمدلله ابنكم رجع بالسلامة أهوو أنا كده عداني العيب ألحق أروح ل هاجر وأطمنها
استدار تميم نحوه يشكره
كتر خيرك يا محرز سهرناك معانا
ضحك في سخافة قبل أن يقول بنفس تلك الابتسامة المستهلكة
ولا يهمك يا ابن عمي سلامو عليكم
قاموا بتوديعه ليسير بعدها تميم نحو أقرب أريكة استراح عليها وأغمض عينيه للحظات محاولا تعطيل عقله الذي لم يتوقف عن التفكير مؤقتا شعر بيد حنون تفرك جانبي عنقه فاستسلم للأنامل التي بددت الآلام المكتومة في عظامه انتبهت حواسه فجأة ووالدته تسأله
حقه الكلام اللي سمعناه ده صحيح بنت آمنة اللي ورا حبسك
أجابها بقنوط وهو ينظر لها
آه هي
ثم عاد لصمته الإلزامي من جديد رافضا إشباع فضول والدته المستثار
بدت الحيرة واضحة على تعبيرات خلود سلطت أنظارها عليها متسائلة بفضول ويداها ما زالت تعملان على كتفي زوجها
مين دي يا خالتي
ردت في أسف وقد اكتست تعبيراتها بلمحة من الحزن
واحدة كنت مفكراها جارتي يا خلود مكنش العشم والله!
ضړب بدير بعكازه على الأرضية ليقول بعدها في حسم
خلاص يا ونيسة مالوش لازمة نتكلم المهم تميم رجع لبيته
أيده الرأي فقال بصوت أجوف
مظبوط يابا كفاية رغي فيه
هزت والدته رأسها في استسلام ثم اقترحت بنبرة مرحبة والابتهاج يملأ عينيها
إنت تبات معانا إنت ومراتك هنا أوضتك جاهزة وزي الفل أنا موضبة كل حاجة
على الفور ودون منحه الفرصة لاتخاذ القرار هتفت خلود
أنا معنديش مانع يا خالتي ده بيتنا وتميم محتاج يرتاح كفاية اللي شافه طول اليوم
حرك رأسه قائلا وقد تمكن التعب منه
طيب
وبثقل وتباطؤ نهض تميم من مكانه واتجه إلى غرفته وخطوات زوجته تلحق به صاحت ونيسة من خلفهما
أنا هاجهزلكم لقمة تاكلوها
استوقفت كلماتها خلود فأدارت رأسها نحوها لتشكرها
تسلمي على تعبك يا خالتي
أشارت لها بيدها تستحثها بنبرة ذات مغزى
روحي ورا جوزك شوفي ناقصه إيه
حاضر
قالتها بمرح وهي تسرع الخطى نحو غرفة نوم تميم تلك التي ستبيت فيها الليلة في أحضانه الدافئة بعد أن كانت تطأها خلسة راقبتهما ونيسة إلى أن تواريا بالداخل ثم التفتت نحو زوجها تقول له وقد تبدلت تعبيراتها للتجهم
اعمل حسابك يا حاج أنا مش هاسكت عن اللي حصل ده
رد عليها بلهجة جادة
ماتكبريش الموضوع يا ونيسة
غامت عيناها وهي تتطلع إليه وبدت قسماتها المرهقة مشدودة عن ذي قبل ثم هتفت بلهجتة عبرت عن قساوة لا تظهر إلا في المصائب لتعلن بصراحة عن تصعيد
الخلاف لأقصاه
هو كبر لوحده خلاص يا بدير! وابني عندي مش أغلى من بنت آمنة !!!
الفصل السابع عشر
تأوهت بصوت خفيض وهي تنهض بتململ من على الفراش التفتت برأسها نحو زوجها فوجدته لا يزال مستغرقا في النوم تأملته بابتسامة مشرقة ووجهها يشع نضارة لطيفة عبثت في خصلات شعرها المتنافرة ومشطتها بيدها لتعيد ترتيبها ثم عقصتها كعكة دون أن تربطها بمشبك للرأس على غير عادتها نهضت خلود مليئة بالحيوية والنشاط كانت متحمسة لإعداد الفطور لزوجها وإحضاره بالفراش مشيت على مهل وبحذر حتى لا توقظه لكنه انتبه لحركتها تقلب على جانبه ونظر لها بنصف عين بادلته ابتسامة رقيقة وهي تستطرد بنعومة متعمدة التدلل في وقفتها
صباح الخير يا حبيبي
فرك تميم وجهه بيده وقال متثاءبا
صباح الخير
عضت على شفتها السفلى وهي تسبل عينيها نحوه ثم تغنجت في وقفتها لتضمن تركيز كامل أنظاره عليها وما إن نجحت في ذلك حتى تحركت مبتعدة عنه وأضافت وهي تشير بيدها نحو عباءتها
أنا هاحضرلك الفطار وأجيبهولك هنا يا حبيبي
أومأ بحاجبه معقبا
طب ما تيجي أصبح عليكي الأول!
التفتت برأسها نصف التفاتة تقول له في دلال ممتع وقد امتلأت عيناها بوميض لامع
اللي تؤمرني بيه يا حبيبي
ثم تهادت في خطواتها نحوه وما إن أصبحت قريبة منه حتى مد يده ناحيتها
ركام محترق بقايا مدمرة هذا كل ما تبقى لها من العربة حين وقفت تتطلع إليها في الصباح عند الكورنيش أخفت فيروزة عينيها الغائرتين خلف نظارة داكنة لكن دمعاتها أبت الاختباء انسابت في صمت تحسرا على حلم قريب ضاع قبل أن يكتمل لم تأبه لمن يتطلع إليها لم تشعر بمن حولها فقط مزيج من المشاعر الحانقة الغاضبة والمټألمة كان مسيطرا عليها مسحت بطرف إصبعها دمعاتها التي شقت طريقها عبر صفحة وجهها لتضع بعدها الهاتف على أذنها هتفت متسائلة بصوتها المائل للبكاء
مافيش لسه جديد يا علا
أجابتها رفيقتها على مهل
لأ لسه
عادت لتسألها بعد زفير بطيء
وماهر بيه طمنك على وضعي القانوني
لحظة صمت سادت بينهما قبل أن تجيبها
كله تمام
مسحت بمنديلها الورقي أنفها المبتل وأضافت تسألها
يعني أنا مش محتاجة أستشير محامي أو حد متخصص
نفت على الفور
لالالا هو قايم
بكل حاجة معارفه كتير زي ما إنتي فاهمة
أومأت برأسها ترد وقد شردت نظراتها في أمواج البحر المتلاطمة والتي نثرت رذاذها على عربتها
ماشي بس لو عرفتي حاجة بلغيني
قالت لها
أكيد يا حبيبتي وإنتي خلي بالك من نفسك
إن شاء الله
أنهت فيروزة المكالمة معها لتلقي نظرة أخيرة طويلة على ما كانت عربتها قبل أن تستدير للجانب لتسير مجرجرة ساقيها بعيدا عما أصبح يؤلمها
على الجانب الآخر كان ماهر جالسا إلى جوار شقيقته واضعا ساقه فوق الأخرى ويتابع بأنفاس مكتومة حوارهما الخاص بعد أن أسمعته المكالمة الدائرة بينهما تعليماته لها كانت واضحة أن تماطل قدر المستطاع معها حتى لا تلجأ لمساعدة محام متخصص فيفسد ما يحاول إصلاحه أغلقت الخط والتفتت نحوه تسأله في ضيق
أنا خاېفة فيروزة تزعل مني لما تعرف إني كنت بأكدب عليها وإن المحضر اتركن ومافيش فيه جديد
حدق فيها بنظرة جامدة خالية من العطف وهو يرد
ده لمصلحتها يا علا الناس اللي واقعة معاهم تقال أوي وممكن يضيعوها واللي أنا عملته ده هيخدمها بعدين
رددت والتأثر ظاهر في نبرتها
بس هي صعبانة عليا أوي
انتصب في جلسته يقول لها
للأسف احنا في غابة والضعيف مالوش مكان فيها وصاحبتك بعنادها حطت نفسها في عرين الأسد
سألته في قلق
طيب هيحصل إيه بعد كده
أجابها بروية مؤكدا لها أن الأمر مخطط له
هنحاول نخليها تتنازل أنا متفق مع وجدي على ده والصراحة هو عامل اللي عليه وزيادة عشان الموضوع ميوصلش
للنيابة
تمتمت في رجاء وهي تستند بطرف ذقنها على كف يدها
ربنا معاها
حذرها ماهر بوجه صارم للغاية ونبرة غير قابلة للنقاش
إنتي خليكي متابعة معاها على الخط كل حاجة بتعملها لوو جد أي جديد عرفيني مفهوم
أومأت برأسها متنهدة في خنوع
حاضر
وقف مستندا بكفيه على حائط الحمام المبتل في منزله تاركا المياه المتدفقة تنهال على رأسه بقوتها علها تسكت تلك الأصوات الصاخبة في عقله والتي أصابته بالتخبط والارتباك تردد مريب جعله يعاود التفكير في أمرها بالرغم من مرور يومين على تحرير المحاضر بينهما أغمض تميم عينيه مستعيدا المشاهد الشائكة التي حدثت له معها مؤخرا وكان هو طرفا محوريا فيها بدا كمن يحلل الأحداث وينقيها محاولا استنباط الحقيقة بشفافية بعيدا عن تحيزه الذكوري الأعمى وهواجسه الخاطئة ربما لكون حديث والده وما تردد من فمها خلال نوبة ڠضبها قد أوقظ إدراكه العقلاني بالإضافة لرؤيته للأضرار الجسيمة التي قضت على العربة فبدت بدنا مهترئا لا يصلح لشيء تساءل مع نفسه بعشرات الأسئلة التي أرهقت عقله كثيرا لإيجاد الإجابات عليها
ماذا لو تبدلت الأدوار وكان هو في محلها وعبث أحدهم بلقمة عيشه بالطبع لم يكن ليتهاون في حقه! بل ومن الممكن أن يطيح برأس أحدهم اڼتقاما منه تلقائيا وجد نفسه يوجد لها الأعذار المنطقية مبررا تصرفها معه بعدائية بحتة كذلك وصل إلى نتيجة مقنعة جعلته يميل لدافعها المفهوم بالتعامل معه بكل ذلك الحنق المشحون قهرها على ضياع مصدر رزقها لعلها تكون هي المعيلة الوحيدة لأسرتها ومحدودية تفكيره جعلته يدينها دون تهمة حقيقة ردد مع نفسه بصوت خفيض وهو يستدير بجسده
ما يمكن أكون غلطان!
لم ينكر أنه خلال ممارسته لطقوس الحب كانت فيروزة ضيفة مميزة في مخيلته لوهلة ارتبك من اقتحامها لذهنه وحاول مقاومة صورتها الخيالية ليركز انتباهه مع تلك التي تمنحه حبها غير المشروط تعامل بشكل غير اعتيادي مع زوجته ليتغلب على تلك المتطفلة لكنها اخترقت أحلامه الجريئة وطغت عليها بحضورها المثير لحواسه لدرجة جعلته يرغب في مطارحتها الغرام نهض من النوم مذعورا قبل شروق الشمس وهو يلهث وقد فزع من جموح أحلامه تطلع إلى خلود بنظرات غريبة ما لبث أن تحولت للندم بعد أن تبين ملامحها على أثر الضوء الخاڤت وكأنه اقترف ذنبا في حقها باستدعائها إلى منطقته المحرمة نفض تدفق تلك الأفكار عن رأسه منذرا نفسه بعواقب التمادي في تخيلها بتلك الطريقة أكمل استحمامه محاولا الاسترخاء غير عابئ بالوقت الذي قضاه في الحمام
حملق أمامه بعينين متسعتين وكأن طيف وجهها المحتقن شبه متجسد على المرآة المشبعة ببخار الماء يلومه على إحراق عربتها أحاسيس غريبة بدأت تراوده من جديد نحوها خلال يقظته لكنها لا تضم مشاعر الڠضب من عدوانيتها إلى حد ما مال للتعاطف معها بعد أن تفهم موقفها وأدركه من أبعاد أخرى لم يكن قد فكر فيها من قبل شعر وكأن الۏحشة التي عششت في قلبه بسبب تأثير الحبس عليه قد تضآلت قليلا لكن ما انتاب جسده من تأثيرات حسية لمجرد احتلالها لذهنه أصابه بالتوتر توقف فجأة عن التفكير في أمرها وتلك الدقات الخفيفة تطرق على الباب يصحبها صوت خلود المنادي
عمي بدير بيتصل عليك
رد متصنعا الجدية وهو يكبح هواجسه
طيب أنا هاخرج وأكلمه تسلمي يا حبيبتي
كز على أسنانه ېعنف نفسه بنبرة لا تتخطى الهمس
إنت اټجننت ولا إيه فوق يا تميم!! مراتك ما تستهلش ده منك!
عاهد نفسه ألا يخطو مجددا نحو تلك المنطقة
المحرمة بالتفكير فيها بل وعقد العزم على إنهاء تشاحنهما القانوني بحل سريع وودي ليقطع سبل التواصل معها غمره الارتياح بالوصول لذلك القرار
اعتقدت بسجيتها أن الأمور تسير على ما يرام إلى أن جاءت إليها في زيارة استثنائية وغير عادية فتحت آمنة باب منزلها لتتفاجأ بآخر من توقعت رؤيته رمشت بعينيها في ذهول وتطلعت للضيفة بفم مفتوح لعقت شفتيها راسمة على وجهها ابتسامة باهتة قبل أن تبادر مرحبة بصوت عبر عن اهتزاز نبرتها
حاجة ونيسة يا أهلا وسه
لم تكمل جملتها للنهاية حيث قاطعتها ونيسة تعاتبها بصوت متجهم ووجه عابس للغاية
مكنش العشم يا آمنة
ازدردت ريقها في حلقها الجاف حاولت أن تحافظ على ابتسامتها المبتورة وقالت
اتفضلي يا حاجة مايصحش نتكلم على الباب
دفعتها بغلظة من كتفها لتمرق للداخل ثم استدارت لتهاجمها كلاميا
وهو إنتي تعرفي اللي يصح واللي مايصحش
ردت آمنة على الفور مدافعة عن نفسها حتى لا تسيء الظن بها
من قبل ما تتكلمي وتعاتبيني أنا أقسم بالله ما كنت أعرف أي حاجة
نظرت لها باحتقار وكأنها غير مقتنعة بكذبتها الساذجة ثم سألتها مباشرة
ولما عرفتي اتصرفتي إزاي
نكست رأسها تجيبها بلبكة بائنة
أنا كلمت بنتي و وضاغطة عليها عشان تتنازل عن المحضر
ركزت نظراتها عليها وهي تسألها
وبعدين
بلعت ريقها في حلقها الجاف وردت بتلعثم
هي يعني آ
كانت تبحث عن الكلمات المناسبة لتسعفها قبل أن تتفوه بما قد يأزم الأمور ويعقدها لكن ونيسة استطردت موضحة دون مراوغة
راكبة دماغها عاوزة تقولي كده مظبوط
نفت في التو
لالالا يا حاجة ونيسة بس الموضوع فيه سوء فهم
رفعت سبابتها أمام وجهها تحذرها بلهجة قوية وقد توحشت نظراتها
شوفي يا آمنة هي كلمة من الآخر
انتبهت حواسها لما هو قادم وتابعتها بآذان صاغيها حينما أكملت
بنتك لو أذت ابني فأنا هانسى الجيرة اللي كانت بينا في يوم ومش هاعمل حساب لحاجة سمعاني
أحست بدوار قاس يضرب رأسها حاولت التماسك أمامها حتى لا تظهر ضعفها لكن ملامحها الباهتة أكدت خۏفها واصلت ونيسة ټهديدها العلني قائلة
قدامك يومين تحلي فيهم كل المشاكل وقد أعذر من أنذر!!
رمقتها بنظرة متعالية متأففة قبل أن توليها ظهرها لتتجه نحو المنزل وهي تغمغم بحنق
ومافيش سلامو عليكم
بحثت آمنة عن أقرب مقعد لتستند عليه بيدها قبل أن يختل توازنها زاغت نظراتها وأحست پعنف دقات قلبها اضطربت أنفاسها وهي تولول تحسرا
يا دي المصاېب اللي نازلة ترف على دماغي من الصبح!
تشوش ذهنها واحتلت الهواجس المذعورة رأسها تخيلت المخاطر تحيق بكل فرد من أسرتها دون وجود مدافع عنهم فزعت أكثر وما ضاعف من ذلك ارتعابها من ردة فعل شقيقها إن علم بما دار خلال غيابه ارتعش بدنها وهمست في هلع
ناوية تخسريني مين تاني بعد كده يا فيروزة!
مرت الساعات كأنها أدهر عليها وهي تلملم ما ظنت أنه حلمها أخلت فيروزة الغرفة التي أعدتها مخزنا من كل ما تحتويه من أشياء ووضعتهم بالباحة الخلفية تمهيدا لبيعهم فوجودهم بها ليس له جدوى تأزم الموقف حقا بعد جدالها العقيم مع والدتها التي سعت لإجبارها على التنازل عن حقها القانوني إرضاء لجارتها القديمة دون أن تأبه بمشاعرها المقهورة رفضت بشدة وتمسكت بقوة بآخر حقوقها المشروعة وبفتور وحزن أخرجت آخر صندوق كان موضوعا بالزاوية حملته بيديها وسارت نحو الكومة الملقاة لتضمه إليها رأت همسة الدمعات النافرة من عينيها دنت منها وهي تقاوم رغبتها في مشاطرتها البكاء ثم ربتت على كتفها محاولة تهوين الأمر عليها قبل أن تستطرد مواسية إياها
متعيطيش يا فيروزة قلبي بيتقطع عشانك
نظرت نحوها بأسى وقالت بصوتها المنتحب الذي يعبر عن ألمها وهي تلقي
بالملاءة القماشية على الكومة لتغطيها
حلمي ضاع يا همسة كل اللي حلمت بيه راح ومحدش حاسس بالۏجع اللي جوايا
تماسكت أختها بصعوبة أمامها وردت بغصة مريرة عالقة في حلقها
كله هيتعوض و
كانت بلا وعي فلم تصغ لحديث همسة الآسف زادت نهنهاتها وهي تواصل ندبها المتحسر
ومطلوب مني بعد ده كله أتنازل عن حقي وأسيب اللي عمل كده من غير حساب ده يرضي مين بس
فشلت همسة في مغالبة دموعها المتأثرة ورددت عفويا
حبيبتي
ثم مدت يدها لتأخذها في أحضانها من تلقاء نفسها وضمتها إليها محاولة تهوين الأمر عليها ليس بكلمات لا تسمن ولا تغني من جوع وإنما بمشاعرها الصادقة فهي ما تملكه حاليا لتخفف من مصابها لم تتمكن كلتاهما من الحصول على لحظة سکينة هانئة فقد أتت من تكدر الصفو وتعكر السلام الداخلي صاحت حمدية مهللة وهي تتبختر في خطواتها متجهة نحوهما
هو في إيه اللي بيحصل هنا
كزت فيروزة على أسنانها في حنق قبل أن تميل نحو أختها لتقول لها بصوت خفيض
أنا مش نقصاها السعادي
اندفعت بعصبية مبتعدة عنها حتى لا تمنحها الفرصة للتشاجر معها لكن كان كتفها الأسبق في لكزها پعنف محسوس نظرت لها حمدية بتعال وغيظ ثم عادت لتحملق في أختها مصمصت شفتيها متسائلة
مالها دي لاوية بوزها علينا كده ليه
أجابتها همسة على امتعاض وهي تمسح بيدها آثار دموعها
معلش يا مرات خالي ظروف بقى
ردت ساخرة وهي تومئ بحاجبها
إيه نسيتوا الزيت على الڼار وانشغلتوا بالهئ والمئ فالأكل باظ
عبست بتعبيراتها في استنكار من سماجتها الثقيلة همت بالانصراف وقالت لها
لأ يا مرات خالي عن إذنك
غمغمت بنبرة ناقمة
غوري جاتك ضړبة إنتي التانية!
ألقت حمدية بحقيبة يدها على كتفها واستدارت عائدة من حيث أتت توقفت عند المدخل لتأمر زوجها ببرود
طلع الشنط إنت يا خليل لأحسن مش قادرة وبالمرة هافوت على أختك أسلم عليها وأشوف طابخة إيه جايز أريحك من أكل برا النهاردة!
نظر لها شزرا وهو يتناول باقي الأجرة من السائق قبل أن يرد بوجه متجهم
يكون أحسن بردك
كان خليل مجهدا للحد الذي يمنعه من الانتباه إلى ثرثرتها المزعجة أو حتى الاعتراض على أوامرها المملة انحنى
ليرفع الحقائب عن الأرضية مكملا السير بتريث وهو يعيد ترتيب ما سيفعله لاحقا في رأسه فأيامه القادمة مشحونة بالكثير من الأعمال الهامة
ثنيت ساقها اليسرى ووضعتها فوق اليمني لتجلس القرفصاء على الأريكة وباستخدام أصابعها قامت حمدية بفرك وتدليك قدميها المتورمتين أصدرت أنينا عاليا من جوفها ونظراتها تجول على وجه آمنة الشارد تفحصتها بعينين فضوليتين كانت تعلم أن الأخيرة بها خطب ما فجلوسها صامتة بتلك الملامح الواجمة يؤكد لها إحساسها مهدت للحديث معها قائلة بنبرة تعمدت أن تظهر فيها تعبها
أما كانوا يومين ما يعلم بيهم إلا ربنا الواحد قال يروح البلد يشم نفسه شوية يبص يلاقي النكد في ديله
اكتفت بهز رأسها كتعبير عن استماعها لها بينما تابعت حمدية مسترسلة بأسلوب يشدها للحوار وتلك النظرات اللئيمة تكسو حدقتاها
عارفة يا آمنة الولية اللي اسمها حنان مرات رياض خورشيد اللي كان ماټ من قريب
ضاقت عيناها متسائلة باهتمام
أه مالها
التوى ثغرها بابتسامة ماكرة لنجاحها في الاستحواذ على انتباهها اختفت تلك البسمة سريعا ليحل الحزن المصطنع على تعابيرها قبل أن تقول موجزة
ماټت
لطمت آمنة على صدرها مرددة في صدمة مفجوعة
يا ساتر يا رب امتى ده حصل
زمت شفتيها تجاوبها
اليومين اللي فاتوا راحت تزور باين قرايب جوزها وماټت عندهم
قالت في أسف
إنا لله وإنا إليه راجعون
أضافت بنبرة خالية من أي تعاطف
ولسه مش عارفين هايعملوا إيه مع بنتها ما إنتي عارفة سلو بلدنا
في الحاجات دي
ردت عليها بتنهيدة حزينة
ربنا يتولاها
وبخبث مكشوف سألتها مباشرة
مقولتليش صحيح إيه اللي حاصل مع بناتك
لم تكن آمنة في مزاج رائق يسمح لها بالفضفضة العفوية معها كانت تخشى من البوح معها بما آلم بعائلتها في الأيام الماضية فتستغل الموقف كعادتها وتزيد من تعقيد الأمور لذا تهربت من الإجابة عليها وقالت وهي تنهض من على الأريكة لتسير بتؤدة نحو المطبخ
زمانت الأكل سخن هاطفي الڼار عليه
نظرت لها حمدية في غيظ مكبوت وما إن اختفت عن عينيها حتى غمغمت مع نفسها بتبرم
بتتلاوعي عليا يا آمنة! مسيري هاعرف ده مافيش حاجة بتستخبى عليا!
انتهى من تدخين سيجارته الرابعة أو الخامسة لم يعر الأمر أي اهتمام زائد فكامل تركيزه كان منصبا على أمر آخر ولكنها كانت وسيلته المؤقتة للتنفيس عن التوتر الغريب الذي اعتراه راقب تميم الطريق بعينين حادتين ممعنا النظر في الأوجه التي تمر أمامه حيث انتقى تلك البقعة تحديدا لتمكنه من رؤيتها حينما تعرج من أي اتجاه تفحص جيبه الممتلئ بلزمة لا إرادية كل بضعة دقائق انتصب جسده واشتد كتفاه حين أبصرها قادمة من على بعد ألقى بسيجارته ودعس طرفها بقدمه ليطفئها ثم تأهب في وقفته تنحنح تميم بخشونة طفيفة ليزيح تلك الحشرجة التي تغلف أحباله الصوتية وبدا إلى حد ما مستعدا لمواجهته مجددا معها
لم تكن فيروزة منتبهة لذاك الظل الواقف على مقربة من منزلها وفي تلك البقعة المعتمة كانت مستغرقة في أفكارها المهمومة محاولة توفيق أوضاعها وفق ما توفر معها من ماديات بعد بيع كل ما يخص عربة الطعام من أدوات ومستلزمات الطهي تسمرت في مكانها مذعورة حين