الطاووس الابيض لمنال سالم
الزيارة الجاية الضاكتورة هتقولنا إيه
تنهد معقبا عليه وهو يسند الكوب الذي فرغ من شرب محتوياته على الكومود
ربنا يقومها بالسلامة ويكرمها
ثم نهض من جلسته متابعا
يدوب ألحق أرجع البيت
هبت واقفة من مكانها وتطلعت إليه في استغراب قبل أن تسأله بصوتها المدهوش
إنت لحقت تيجي في إيه وتمشي في إيه!!
لم يخلو وجهه من ابتسامته الفاترة حين أجابها
ما أنا قولتلك أنا جاي أشوفك يا ست الكل
غلف نبرته قليل من الألم المعاتب جاهد لإخفائه وهو يواصل القول
وبعدين ماينفعش أتأخر على خلود مابترضاش تتعشى من غيري
تأملته بعينين تتحركان في قلق ونطقت عما يراودها من أحاسيس
والله قلبي بيقولي في حاجة حصلت وإنت مداري عليا
انحنى تميم ليقبل رأس والدته ثم ربت على كتفها برفق موصيا إياها
خدي بالك من صحتك سلام يامه
تبعته في حيرة إلى أن أوصلته للخارج وقلبها قلق على أحواله ودعته بأدعيتها التي لا يتوقف لسانها اللاهج عن الدعاء له بها ثم عادت إلى غرفتها ووضعت يدها على أسفل فكها تحادث نفسها بنبرة عازمة
بكرة أكلم البت خلود أفهم منها في إيه!
جاب مطولا بسيارته الشوارع الخالية والمزدحمة آملا أن تخف وطأة ذلك الحزن الغامض الذي ملأ قلبه في النهاية لم يكن هناك مفر من العودة إليها وإن كانت غاضبة منه فلها أسبابه التي وجب عليه أن يتفهمها هي تعشقه پجنون وإخلاص لم ينتقص شغفها أبدا بالرغم من جفاء مشاعره انتظرته لسنوات كما لم تفعل غيرها ممن يتخلين في أول فرصة تتاح لهن عن أزواجهن إن وضعوا بالحبس تفعل كل ما في وسعها لإسعاده تتلهف لتزيح آلامه لما لا يعفو لها إساءتها وهي ضحېة حبها المتيم به أعاد ما اتهمته به في عقله مرارا وتكرارا ليدرك أنه الوحيد المخطئ في الأمر حين منح جزءا من تفكيره لغيرها والتهى عنها وكأنه بذلك ېخونها ضمنيا زوجته بكل ما تبذله من جهد لنيل محبة متبادلة بينهما تروي بها عطشها إليه لا تستحق تجاهله لن يكون من الإنصاف أو العدل ازدراء عواطفها الوالهة!
قرر تميم أن يتغاضى عما بدر منها الليلة من تجاوزات وإساءات تقديرا لمشاعرها المخلصة له سيحتوي ڠضبها ويعوضها عن ألم قلبها وإن كان ذلك على حساب نفسه أوشكت تلك الرسائل المزعجة والاتصالات المتكررة من والدتها أن تفسد ما خطط له أرغم نفسه ألا يلتفت إليها حتى لا يزداد شعوره بالكدر دس المفتاح في قفله وفتح الباب ليجد خلود متكورة على نفسها على أقرب أريكة للمدخل تضم ركبتيها إلى صدرها وتحاوطهما بذراعيها نظر لها مليا قبل أن يبادر قائلا بتنهيدة بطيئة
سلامو عليكم
لم تصدق أذنيها حين سمعت صوته يجلجل بالمنزل رفعت عينيها المتورمتين إليه تنظر له پصدمة وكأنها استبعدت أمر عودته قالت بنبرة
أقرب للبكاء وبقلب خافق وصدر متهدج
حبيبي إنت رجعت حقك عليا
أنا غلطانة متزعلش مني
جرفها طوفان الغيرة الحارق إلى مناطق مظلمة أجبرتها على استباحة أي شيء من أجل الإبقاء عليه حاولت أن تستميل قلبه نحوها واعتذرت
أنا أسفة يا حبيبي بس صدقني ده كان ڠصب عني لما شوفت الدبوس ده في جيبك مخي طار ومابقتش في وعيي
رد بهدوء متفهم
أنا مقدر ده
شبت على قدميها لتمنحه قبلة صادقة قبل أن تبتعد عنه وتهمس لاهثة
أنا بأحبك أوي
رسم بسمة صغيرة على وجهه وقال بصوته الهادئ وهو يمسك بيدها
تعالي معايا يا خلود هانتكلم في أوضتنا مش عاوزين نعمل دوشة ماتنسيش أخوكي نايم هنا
ردت وهي تهز رأسها بخنوع
حاضر يا حبيبي كل اللي إنت عاوزه هاعمله
خللت أناملها بين أصابعه لتشبك يديهما معا وأحنت رأسها على جانب ذراعه لتنام على كتفه وتعلقت بيدها الأخرى في ذراعه ليظن من يتطلع إليهما أنهما عاشقين
ولج الاثنان إلى الغرفة وشرارات الحب تنطلق من عيني خلود لم تترك زوجها وهو يغلق الباب ظلت متشبثة به تأبى الابتعاد عنه وكأنها ترتعد من فكرة رحيله بصعوبة جعلها تتخلى عن الالتصاق به لتتمكن من الجلوس بجواره على حافة الفراش أمسك بكلتا راحتيها بيديه وداعبهما بإبهاميه ثم نظر لها مليا وبصمت للحظات قبل أن يقطع حاجز السكون متسائلا
فاكرة أول كلام قولتهولك إيه
هزت رأسها تجيبه بتنهيدة لاهثة
أيوه
سألها بغموض ليبدو كمن يمتحن ذاكرتها
كان إيه
تخبطت لوهلة في أفكارها وقد عقدت حاجبيها معا ابتلعت ريقها وأجابته بتلعثم محاولة خلق جملة مفيدة
إننا نكون الأمان لبعض وإنك وعدتني هتراعي ربنا فيا وتعاملني كويس و
حرك رأسه متقبلا إجابتها وهو يعقب عليها
ده مظبوط
لكن نبرته كانت متشنجة نسبيا رغم هدوئها عندما تابع
بس مكانش أول حاجة طلبتها منك!
أصابها التجهم المصحوب بالتوتر وشعرت بتقلصات مزعجة تعتصر معدتها لعقت شفتيها وسألته في عصبية وهي تحاول سحب كفيها
إنت بتختبر حبي ليك يا تميم ولا إيه
ظلت قابضا عليهما وهو يرد بالنفي
لأ يا
خلود مافيش امتحان ولا غيره!
نظرت له في حيرة فأكمل بما يشبه العتاب وذلك الألم يحاول التسلل إلى عينيه
بس أنا طلبت منك لو في بينا مشاكل أو حتى خلاف صغير محدش يعرفه مظبوط
ارتبكت وعلقت عليه
أيوه
ترك يديها وأخرج من جيبه هاتفه المحمول ثم رفعه أمام وجهها لتنظر إلى شاشته التي امتلأت بعشرات المكالمات الفائتة من والدتها لم تكن بحاجة لتفسير ما يلمح إليه وهتفت مبررة كڈبا وقد انتفضت واقفة
دي أمي اتصلت بالصدفة تسأل على هيثم وعرفت من صوتي إني كنت بأعيط وفضلت ورايا لحد ما قولتلها
وضع يده على ذراعها وجذبها منه برفق لتجلس إلى جواره مجددا وهو يرد باقتضاب
تمام
جمدت نظراتها عليه وسألته بصوت قاتلت ليبدو مخټنقا باكيا
إنت زعلان من اللي عملته صح صدقني ده كان ڠصب عني دي أول مرة أصلا أقولها حاجة وبعدين أنا كنت هاتجنن لما لاقيت الدبوس ده ومعرفتش أتصرف إزاي!
رد بتنهيدة بطيئة دون أن يظهر ضيقه من كذبها الواضح كالشمس في كبد السماء
ماشي يا خلود حصل خير وعرفي أمك إن المشكلة اتحلت
ضاقت نظراتها متسائلة بتوجس
يعني عاوز تفهمني إنك مش مضايقك مني!
أجابها ببساطة
هايفرق في إيه ما إنتي خلاص حكيتلها
شعرت بالندم لتسرعها في اللجوء لوالدتها لكن ماذا كانت تفعل وغيرتها تأكلها أخرج تميم زفيرا بطيئا من صدره وطلب منها بما يحمل الرجاء
بس مش عاوز الموضوع يكبر خليه بينا
تلك الغصة المؤلمة التي
تكونت في حلقها ضاعفت من إحساسها بالذنب وهي التي أساءت له في غيابه وتحاملت عليه مع والدتها لتظهر بمظهر الضحېة وتضعه في قالب الزوج اللعوب لم تتحمل ذلك الشعور المهلك فبادرت تهاجمه لتقتل ما يراودها من أحاسيس معاتبة
يا تميم إنت مش مقدر حبي ليك أنا استنيتك كتير أوي مش يوم ولا اتنين دول 7 سنين حلمت بحياتي اللي جاية كلها معاك ده أنا مافيش راجل دخل في حياتي بعد أخويا إلا إنت محبتش غيرك قدر مشاعري ناحيتك!
كان رفيقا ورقيقا معها ثم رد مبتسما
أنا مقدر ده كله وعارف إنك ضحيتي عشاني ويعلم ربنا إني بأحاول أرضيكي
اقشعر بدنها من أسلوبه الحنون وهمست بصوت مضطرب خجل كانت واثقة أنه سيؤثر به
أنا مش عاوزة رضا منك أنا عاوزاك تحبني زيي وأكتر عاوزاك تبقى ليا لوحدي وبس
أغمض عينيه للحظة مقاوما ما يتخلل وجدانه من ضيق وتخبط ثم فتحهما ليرد راجيا
لو تديني وقتي عشان افهمك ه
قاطعته وهي ترتمي في أحضانه
أنا بأحبك ومش شايفة حد تاني غيرك هاموت لو بعدت عني
لم يكن لدى تميم أي اختيار أمام اعترافات قلبها المخضب بحبه إلا ضمھا إليه أراد منها فقط أن تستوعب تفكيره أن تعطيه الفرصة لمبادلتها نفس المشاعر الصادقة دون مبالغة أو خداع أن يمنحها ما يمليه عليه قلبه ووجدانه دون استجداء منها قبل عقله وإرادته كان يشعر بالضيق الشديد حين يدعي عكس ما يشعر به نحوها ما زال يقف عند منطقة المشاعر المبهمة ناحيتها ومع ذلك قرر أن يفعل المستحيل للشعور بها تنفس بعمق مرة أخرى قبل أن يستطرد ممازحا بلطافة
كفاية كده جرعة نكد أنا خدت كفايتي النهاردة ممكن نكمل بكرة
رفعت رأسها لتتطلع إليه بعينين ناعستين وهي تلح عليه
اوعدني إنك مش هاتسيبني أبدا
أسبل عينيه مداعبا إياها بكلماته الطريفة
وأنا هاروح منك فين إلا لو ربنا خدني!
رددت مستعيذة بقلب منقبض
بعد الشړ عنك يا حبيبي إن شاءالله اللي يكرهوك
سألها بوجه لا يعلم إن كانت لاحظت تعاسته الخفية أم لا
طيب ممكن نتعشى ولا هنام خفيف
عضت على شفتيها السفلى واشرأبت بعنقها نحو أذنه لتهمس له بتنهيدة متشوقة
عشا بس حاجة تانية لأ يومين كده ونستأنف!
هز رأسه مبتسما وقد فطن لمقصدها وتابعها وهي تبتعد بنظرات مهتمة إلى أن خرجت من الغرفة أراح ظهره على الفراش وأسند يده خلف رأسه ليقول لنفسه بتثاؤب وذلك الإنهاك يسري في عضلاته
يكون أحسن برضوه أنا حيلي مهدود
الفصل التاسع والعشرون
فرض عليها دون تكليف أن تكون الراعي الذكوري لأسرتها في غياب الأب المنوط بتلك المسئوليات الشاقة تولت خلفا للراحل هذا الثقل القاسم للأظهر دون شكوى أو كلل كانت كدرع الحماية لأمها وتوأمتها فكلتاهما تتشاركان في سمة ترفض أن تتصف هي بها الخۏف من المواجهة تنفست فيروزة بعمق وأعادت ترتيب أفكارها في رأسها لعشرات المرات حتى لا تنسى ما اتفقت عليه مع أختها قبل بضعة أيام أرادت أن تكون الأمور واضحة منذ البداية حتى لا يساء فهمها أو يظن الطرف الآخر أنها تنازلت عن حقها وفرطت في كرامتها جابت بنظرات متفحصة الواقفين عند الدكان لم تجد بينهم الحاج بدير وقفت حائرة تفكر فيما ستفعله رغبت في الحديث معه هو فقط أولا ليكون شاهدا على ما سيحدث لاحقا تشجعت وقررت السؤال عنه وبخطى ثابتة تقدمت نحو مدخل الدكان متسائلة بصوت تعمدت أن يكون قويا
سلامو عليكم
تصلب جسده وإن كان لا ينظر نحوها بمجرد أن رنت نبرتها المميزة في أذنيه لا يعرف ما الذي ينتاب كيانه حين تطل عليه بغتة وكأن تيارا كهربيا قوي الشحنة يسري في أوصاله تشبث تميم بكلتا يديه بالقفص الذي يحمله رافضا الاستدارة ناحيتها بينما دنت هي منه لتناديه
يا معلم تميم صح
لعبت على أعصابه بتلفظ اسمه لا إراديا شعر بتلك الرعشة تجتاحه أليس من الغريب أن يكون لوقع صوتها فقط كل هذا التأثير المهلك عليه وبمجهود ذهني خارق الټفت برأسه نحوها مقاوما رغبة عينيه في تأمل وجهها بلع ريقه وتساءل بصوت مال للخشونة
خير في حاجة
سألته بوجه شبه عابس ونظرات ضيقة
الحاج بدير فين
أجابها وهو ينظر في أي شيء إلا عينيها
في مشوار وجاي
ضغطت على شفتيها وكأنها تبتسم بصعوبة لتضيف بعدها
طب أنا هستناه
أحس بخفقة موترة تداعب قلبه وتغازل مشاعره غير المفهومة نحوها حبس أنفاسه وقد خانته عيناه وتركزتا مع ملامحها الحادة تنفس الصعداء حين استدارت وبحثت عن مقعد شاغر لتجلس عليه حتى لا ترى تلك الربكة الظاهرة على محياه اتجه إلى الخلف وهو لا يزال حاملا القفص بيديه ثم نادى على أحد عماله ليأمره بصوت خفيض لكنه صارم
هات حاجة ساقعة للأبلة دي مستنية الحاج بدير وخليك قريب منها عشان لو عازت حاجة
رد وهو يومئ برأسه
حاضر يا معلم
نظرة أخيرة من الخلف ألقاها تميم عليها عاد هاجسه المعاتب ليؤنب ضميره من جديد كيف يولي الاهتمام لغير زوجته لم يطقه مطلقا ولهذا ترك عمله هاربا من الدكان حتى لا يظل محاصرا في ذلك التخبط المربك والذي على ما يبدو بات غير محتمل بالنسبة له
معاملة جيدة تلقتها فيروزة من قبل الحاج بدير الذي لم يدخر وسعه لإرضائها بغض النظر عن سبب زيارتها له بمجرد أن عاد إلى الدكان ووجدها به أصر على تناولها للحلوى الطازجة المخبوزة في الفرن القريب مع كوب من الشاي الساخن قبل أن يتطرقا إلى أي موضوع شكرته على حسن ضيافته واسترسلت قائلة بجدية
شوف يا حاج بدير أنا جيتلك بعيد عن خالي عشان نتكلم بصراحة
حرك براحته عكازه دون أن يزيحه من مكانه ثم رد مبتسما وقد استقام في جلسته على كرسيه الخشبي
وأنا جاهز أسمعك يا بنتي
تشجعت وقالت بتمهل حتى لا تنسى ما تدربت عليه جيدا
دلوقتي أختي معندهاش مانع تسمع لقريبك هي مش هترجعله بس هتديله فرصة تشوف إن كان اتغير فعلا ولا لأ وبعدها هتقرر إن كانت تكمل أوتسيبه
هز رأسه في استحسان معقبا عليها
عين العقل
تابعت بنفس اللهجة المتشجعة
كل المطلوب منك يا
حاج إنك تكون أمين معانا وتراقبه اعتبر همسة زي بنتك و
قاطعها بدير مشيرا بيده
من غير ما توصيني لو الكلب ده ماتظبطش أنا مش هاقولك هاعمل فيه إيه كفاية كسفة المرة اللي فاتت
ابتسمت تقول له في امتنان
ده العشم برضوه
واصل القول مؤكدا
متقلقيش من حاجة طالما أنا محشور في الموضوع فاطمني
شعرت بالارتياح يغمرها من دعمه وتحفزت للمضي قدما في حديثها لم تفتر ابتسامتها الرقيقة وهي تستطرد بتهذيب
وهستأذنك تبلغه إننا هنتقابل بكرة في مطعم هو عارفه!
رد ببساطة
حاضر وأنا هاكون معاه عشان يعرف إن ليكم سند من طرفنا بردك ويعملي مليون حساب
زاد إحساسها بالطمأنينة وشكرته بتنهيدة حملت في خباياها آلما عميقا
شكرا على ذوقك يا حاج يا ريت كان في حياتنا ناس زيك كان هيفرق كتير معانا
وكأنه استشعر ما يختلج صدرها من أحزان فتقوست شفتاه ببسمة ودودة وهو يخبرها بصدق
دي إنتي بنتي سواء بنسب أو من غيره
اكتفت بتبادل الابتسام معه ونهضت من على مقعدها مستأذنة لم يصر عليها وودعها بنفس الأسلوب المرحب المليء بالألفة لمحتها خلود وهي تنحرف عند الناصية فاتسعت حدقتاها في ارتعاب تسمرت في مكانها للحظات لتتأكد أنها هي شعرت بالحړقة ټضرب أحشائها كزت على أسنانها بقوة وهي تحاول السيطرة على التشوش الذي أصابها كانت قد قررت الذهاب إلى الدكان لتفاجئ زوجها بعد خبزت له فطائر شهية لم تنس أن تدس له فيها مسحة ضئيلة من مسحوق الدواء لتشعل به الرغبة لكن صډمتها لرؤيتها أفسدت نهارها وأصابتها بالكدر اضطرمت الغيرة الحاقدة في قلبها فأعمت بصيرتها واندفعت پغضب محموم تصاعد في رأسها إلى مدخله ثم تساءلت بأنفاس شبه لاهثة تعبر عن انفعال واضح وهي تشير بيدها نحو الناصية التي اختفت عندها فيروزة
البت أخت همسة كانت بتعمل إيه هنا يا عمي هي متعودة تيجي على طول ولا إيه
ثم اشرأبت بعنقها للأعلى لتجول كالمذعورة بين أوجه المتواجدين داخل الدكان وهي تتابع في عجالة
وتميم فين كان معاها ولا آ !
قاطعها بدير بانزعاج مستخدما يده الممسكة بالعكاز في التلويح لها
ابلعي ريقك يا خلود مالك داخلة على الحامي كده ليه!
تنفست بعمق لتحجم من أعصابها التي اهتزت وثارت وتوشك على فقدان السيطرة عليها ضغطت على شفتيها قائلة له بصوت بدا مضطربا
مقصدش بس غريبة إنها تيجي هنا وبعدين فين تميم أنا مش شيفاه!!!
أجابها بزفير مطول
عنده شغل بيخلصه من بدري برا الدكان
وضعت خلود يدها على صدرها الناهج لتتحسس نبضات قلبها المتلاحقة قبل أن تنطق بتضرع
الحمدلله
حاولت أن تستعيد هدوئها لكن ظل وسواسها الهوسي ينخر في عقلها ويزرع الشكوك في قلبها نحو فيروزة لذا رسمت تلك الابتسامة الزائفة على وجهها وهي تتساءل بخبث ونظراتها يغلفها ذلك الوميض الغامض علها تستدرجه فيخبرها بما يؤكد أو ينفي ما يدور بداخلها
على كده يا عمي البت دي كانت جاية في إيه
ودون وعي منها أجابت مباشرة وعيناها تحتدان بشكل مريب
ل تميم مظبوط
رد بدير في استنكار وتلك النظرة المستهجنة تكسو وجهه
وهي مالها وماله! دي كانت جيالي أنا عشان موضوع أختها وأخوكي المفضوح
عادت لتتنفس بأريحية بعد أن بددت هواجسها المزعومة وقالت بتبرم
مكانتش غلطة يا عمي هو اتعلم خلاص الدرس من اللي حصل مافيش داعي
نكبره!
نظر لها بضيق وكأن ما فعله هيثم من تجاوزات لا أخلاقية يرضيها لم يتوقع ردة الفعل الباردة منها وأضاف على مضض وبتعابير بدت منزعجة
طيب قوليله يعمل حسابه ي آ
بتر عبارته عن قصد لينهي الحوار معها مرددا
ولا أقولك أنا اللي هاكلمه بنفسي مالهاش لازمة نحشر
الحريم!
نظرت له باستغراب مستشعرة تبدل معاملته قليلا أدركت أنها أخطأت في التصرف بتبلد أمامه وحاولت تلطيف الأجواء معه وقالت برقة
ماشي يا عمي الصح اعمله ده إنت كبيرنا
لم يكترث بتملقها الزائف وتركها ليلج إلى الدكان وقبل أن يلتهي بالأعمال سألها بعينين تنفذان إليها
إنتي كنتي جاية ليه
ارتبكت وأجابته وهي تشير للعلبة البلاستيكية التي تحملها في يدها
كنت جايبة ل تميم فطير أنا عملاه بإيدي و
عاد إليها ليأخذ العلبة منها قائلا بابتسامة متحمسة
رزق الرجالة اللي شقيانين من الصبح
انقبض قلبها بتوتر رهيب وحاولت منعه مرددة باعتراض
استنى يا عمي ده أنا عملاه مخصوص ل تميم وآ
هتف مقاطعا بإصرار
مالوش نصيب المرادي ابقي اعملي غيره اتوكلي على الله ولما جوزك يرجع هبلغك
فغرت ثغرها في ذهول وذاك القلق الكبير يعتريها حتما ستحدث کاړثة غير أخلاقية بين صفوف الرجال إن تناولوه تابعته خلود بنظرات مترقبة آملة ألا ينادي عليهم لحسن حظها رن هاتفه المحمول فترك العلبة على مكتبه استغلت فرصة انشغاله بالمكالمة وابتعاده عن المكتب الخشبي لتدلف للمكان خلسة وعن عمد أسقطت العلبة بعد أن نزعت غطائها ليتبعثر ما فيها ويتمخض بالتراب والأۏساخ انسحبت متسللة كما جاءت وهي تبتسم لنفسها في انتشاء بعد أن أنقذت الجميع من تأثير ذلك الدواء المنشط كتمت ضحكاتها الهيسترية بصعوبة إلى أن سارت في اتجاه الناصية حينئذ اقټحمت صورة فيروزة رأسها ومعها عشرات الأسئلة المتواترة ماذا لو كان زوجها يلتقي بها في غفلة منها أليس من المحتمل أنها تحاول استمالته لتوقعه في شباكها فيغرم بها غامت نظراتها وغطى تعبيراتها وجوما ممتعضا ثم قالت لنفسها بنبرة لا تبشر بخير
شكل رجلك خدت على المكان وأنا نايمة على وداني في البيت! من هنا ورايح هحطك في دماغي ما هو اللي يقرب من جوزي أنا أكله بسناني!
استغرقت في أفكارها السوداوية وقررت ألا تسأل زوجها عنها حتى لا يستريب في أمرها إلى أن تتأكد مما يدور في رأسها لن تدعها لشأنها أبدا ستزيحها عن طريقه مهما كلفها الأمر وإن تطلب ذلك استغلال ظروف أخيها لصالحها غير عابئة بتبعات تهورها فلېحترق من دونها من ېحترق وليمت كمدا من يمس عشقها الأول والأخير
تناولت القرص المسكن لېقتل تلك الآلام التي بدأت في مهاجمتها منذ ليلة أمس ظنت أنها تعاني من مغص ما لكن حدة الوخزات لم تكن محتملة ومع هذا تحاملت على نفسها لتخرج إلى تلك المقابلة الهامة التي سيتحدد عليها مصير علاقتها القادمة ب هيثم لم تتكلف همسة في ثيابها وارتدت ثوبا مزركشا أغلب ألوانه داكنة ووضعت عليه سترة من خامة الجينز الثقيلة لتمنحها الدفء حتى أنها وضعت القليل من مساحيق التجميل لتعطيها لمحة هادئة اقتربت منها فيروزة وسألتها
ها جهزتي يا هموس
أجابتها وهي تخفي إحساسها بالألم
مش ناقص غير أتسرح وأعمل شعري ديل حصان وأبقى تمام
حركت رأسها تثني على جمالها الطبيعي
من غير حاجة إنتي زي القمر
اكتفت بالابتسام لها وتحسست جانبها الأيمن وهي بالكاد تفتح عينيها تأملتها فيروزة في اندهاش وسألتها
إنت كويسة
فتحت جفنيها وأجابت مدعية الابتسام
يعني جمبي واجعني شوية بس دلوقتي يروق
بادرت توأمتها مقترحة عليها
لو حاسة إنك تعبانة مش مهم نروح هاكلم الحاج بدير وأعتذرله وآ
ردت مقاطعة بعناد
لأ أنا تمام احنا أصلا مش هنطول هاقول الكلمتين اللي عندي وأمشي
نفخت معقبة عليها على مضض
اللي يريحك
أبعدت همسة يدها عن جانبها وبحثت عن العطر لتنثر القليل منه على ثيابها جاهدت لتبدو طبيعية حتى لا تشعر أسرتها بالقلق خاصة فيروزة التي تبحث عن أي حجة لإلغاء
اللقاء
بوجد وشغف لا يستطيع وصفهما كان هيثم جالسا في المقعد المقابل لها على المائدة الثنائية التي جمعتهما لم يبعد أنظاره عن تأمل وجهها المتقلص قليلا أو عن عينيها الخجلتان غمرته حماسة عظيمة أعادت له بسمته المفقودة كما أنها انتشلته من قاع بؤسه لترفعه إلى عنان السماء حين أخبر بموافقتها على الالتقاء به كان كمن بعث من المۏت تلبك واضطرب وضلت الكلمات الطريق على شفتيه استجمع نفسه وبادر يقول بربكة عظيمة
أنا مش عارف أقولك إيه أنا أصلا مش على بعضي ومش مصدق إنك قصادي
عضت همسة على شفتها السفلى محاولة كتم تأويهة مټألمة تريد الخروج لتصرخ بألمها الذي تضاعف سحبت نفسا عميقا وقالت
يا ريت تكون اتغيرت فعلا
هتف يوعدها دون تردد
اقسم بالله ما هيحصل تاني المدعوق ده أنا توبت عنه وربك شاهد عليا!
قالت في رضا وهي تومئ برأسها
تمام عشان صحتك مش عشاني
نظر في عينيها مباشرة وسألها بابتسامة متسعة
إنتي خاېفة عليا
تورد وجهها من جملته الصريحة وأجابت بحيادية وهي تتحاشى النظر نحوه
احم يعني طبيعي الواحد يحافظ على نفسه
قال عن اقتناع مزج فيه بين الجدية والدعابة
معاكي حق وخصوصا لما نكون داخلين على جواز
شعرت بالحرج من تلميحاته المتوارية وصححت له
على فكرة أنا موافقتش أرجعلك لسه كل الحكاية إني هاديك فرصة تانية!
رفع كفيه معلقا عليها بحبور
وماله أي حاجة منك ترضيني
ثم دس يده في جيبه ليخرج ميدالية صغيرة مطلية باللون الفضي قدمها إليها قائلا بتهذيب
اتفضلي
قطبت جبينها متسائلة دون أن ټلمسها
ايه ده
أجاب ببساطة
ميدالية بحرف ال H
التوت زاوية فمها بابتسامة متعجبة وأضافت
ما أنا عارفة ودي بمناسبة إليه
وضعها على الطاولة أمامها ثم دفعها برفق للأمام لتغدو قريبة من يدها المسنودة على الطرف الآخر وتابع من تلقاء نفسه
أصل أنا خدت بالي إننا عندنا نفس الحرف فقولت أجيب حاجة ليكي تنفعك وفي نفس الوقت تفكرك بيا
نظرت له في اندهاش لم يأت ببالها أنه سيدرك تشابه الحرف الأول لاسميهما بدا الأمر مستبعدا عن تفكيرها لسبب وجيه معظم الشباب واقعي غير حالم كالفتيات لاحظ هيثم ترددها فقال برجاء يحمل قدرا من المزاح حتى لا ترفض هديته المتواضعة
بالله ما ترفضيها دي مش غالية ب 10 جنية بس!
علقت ساخرة
أدفعهوملك يعني
اتسعت ابتسامته الطريفة حتى ظهرت نواجذه وقال في حبور
لأ اعتبريني محوشهم معاكي
على الجانب الآخر من المطعم ضمت طاولة كبيرة أفراد العائلتين لم يكن ليحدث ذلك اللقاء دون حضور قطبيه بدير وخليل وبالطبع جاءت حمدية مع زوجها لتشبع فضولها الجائع وتقف على رؤوس الأشهاد وكذلك آتت بثينة مع ابنتها خلود ليكونا في قلب تطورات الأحداث وإن كانت الأخيرة تحتفظ لنفسها بمخططات أخرى شريرة لم تفصح عنها بعد حتما إن نفذتها ستنهي خطبة أخيها قبل أن تبدأ لكنها ستضمن سطوتها المطلقة على من أسلمت له قلبها أما عن تميم فلم يحبذ التواجد بأي حال في مكان يجمعه مع فيروزة حتى لا يخلق المشاكل من العدم بناء على ما اختبره من وساوس زوجته في تلك الليلة العصيبة اختفى عن الساحة نأيا بنفسه عن أي التزامات قد تضعه في مواجهة غير محمودة مع كلتيهما إن حدث ما يخشاه وأخيرا وليس آخرا استقرت في مقعد شبه منزو آمنة وإلى جوارها ابنتها الأخرى
لم تتوقف خلود عن التطلع إلى من نصبتها عدوتها ارتكزت عيناها عليها منذ أن وطأت المطعم رمقتها بنظرات حانقة كارهة لها كذلك نمت لديها مشاعر الحقد نحوها بشكل مبالغ فيه فكرت في احتقارها لتروي رغبتها الاڼتقامية التي تتعطش للفتك بها وفي
نفس التوقيت تحصل على ما يلزمها من معلومات تخص طبيعة علاقتها بزوجها لذا قالت كتمهيد مدروس بما يشبه فحيح الأفعى بعد أن انتقلت من مقعدها لتجلس إلى جوارها
أقولك على حاجة وما تزعليش مني
ردت فيروزة ببرود وقد انتبهت لها
إنتي بتكلميني
علقت بنوع من الاحتقار وتلك النظرة الدونية تعلو عينيها
محدش عمره هيبصلك وإنتي كده!
رفعت فيروزة حاجبها للأعلى بعد أن اعتدلت في جلستها وقالت بتحفز ظاهر عليها
مش فهماكي!
تصنعت الدلال وقالت بغنج هامس
الرجالة بتحب البنات المدلعين اللي زيي كده أو حتى أختك لكن المسترجلة اللي عاملة فيها دكر لأ!
اعتبرتها فيروزة إهانة مباشرة موجهة لشخصها خاصة وضحكات خلود الكتومة توحي بأنها المنشودة لذا بكرامة واستعلاء ردت تهاجمها
أفندم الكلام ده ليا
هزت رأسها مؤكدة
أيوه
هتفت فيروزة في تهكم
ده باعتبار إنك شايفة الشنب طاير على وشي مثلا
وبتأفف منفر منعكس عليها أضافت خلود
أنا عن نفسي بأحاول أبلعك بس بصراحة إنتي مش نزلالي من زور
ردت ساخرة منها
ابقي اشربي بيبسي جايز أهضم معاكي!
عمدت إلى اللعب بالنيران لتستفزها فاستطردت مجددا بقسۏة
أنا بأقولك الحقيقة ومن غير زعل يمكن أنا حاولت أتقبلك
احتقنت دمائها من تطاولها الصريح وردت بوقاحة
وأنا المفروض أضايق وكده
أرادت خلود استيضاح نواياها المخبأة فلجأت للتلميح الكاذب على لسان زوجها علها تكشف أمرها لذا مالت نحوها لتقول بهمس وقلبها يدق في توتر
أصل جوزي كمان من الآخر مابيطقكيش خالص ومرضاش يجي النهاردة بسببك مع إني استرجيته وعمي الحاج غلب يضغط عليه بس هو كان مصمم يعني ما تأخذنيش في صراحتي معاكي بس عشان ما تضايقيش لما يشوفك ومايعبركيش!
ثم تراجعت برأسها للخلف لتنظر بتمعن مترقب لردة فعلها شعرت بنشوة كبيرة تنتابها وقد رأت علامات الغيظ جلية على قسماتها أصبحت شبه متأكدة من نجاحها في إيجاد ذلك العداء الوهمي بينهما ابتسمت بانتشاء لتزيد من استفزازها لها وبكل حقد علقت فيروزة عليها
ده الحال من بعضه يا مرات المعلم الكبير!
ردت جملتها الأخيرة وقد انتفضت واقفة رأت تلك النظرة المتغطرسة تتراقص في حدقتيها شعرت بالغل وقررت أن تناطحها في الرد لاستحقاقها ذلك لذا رمقتها بنظرات احتقارية تليق بها قبل أن تقول بوجه ممتقع وبما يشبه التهكم المحتقر قاصدة التلكؤ في كل كلمة تتلفظ بها لتشعرها بمدى دونيها ووضاعتها بالمقارنة بها
تعرفي! يا زين ما فتوة الحتة نقى واختار عشان يتجوز! ده مش حسد على فكرة!
تطلعت إليها خلود بفم مفتوح والبلاهة تظهر على تعبيراتها وهي تحاول فهم مغزى كلماتها فتابعت فيروزة بابتسامة مزهوة وهي تشير بسبابتها إليها وكأنها بذلك تحتفل مقدما بانتصارها عليها في تلك الجولة الكلامية
بس فعلا إنتو Couple ثنائي غريب ورغم كده لايقين على بعض! بصراحة صعب حد يجمع التوليفة دي سوا زوجة غلاوية ډمها سخيف ويلطش وزوج منفسن من واحدة مايعرفهاش بس إنتو أبهرتونا! وده مستواكم !!
الفصل الثلاثون
استطاع أن يلمح من زاوية الرؤية الخاصة به ذلك التوتر الدائر من خلفها انقبض قلبه خيفة وارتعد من احتمالية نشوب عراك قريب خاصة أن شقيقته لم تكن في حالتها الطبيعية بدت مغايرة لتلك المستكينة المسالمة التي عاهدها أثناء خطبته وكأنها قد جاءت متحفزة للتشاجر مع فيروزة لذا اعتصر هيثم عقله باحثا عن المهرب المناسب قبل أن تنتبه هي الأخرى لما يدور من حولها
وببسمة مرتبكة ونظرات تائهة استطرد مقترحا
ما تيجي نبص على البحر من هناك المياه تحفة الصراحة
تنهدت قائلة بتعب ملحوظ في صوتها بذلت أقصى طاقاتها لإخفائه
أنا حابة أفضل هنا
رد مستنكرا
وتضيعي عليكي فرصة زي دي
عللت همسة رفضها بحرج
بس أصل آ
قاطعها بإصرار علها توافق على طلبه
ده احنا بالنهار والمنظر بيفرق صدقيني تعالي معايا مش هتخسري حاجة
التقط أنفاسه وواصل القول بأسلوب دعابي بحت وهو يشير بيده لظهره
ده أنا حاسس إنه هيطلعلي أتب من كتر القعدة مش واخدة بالك ولا إيه
كتمت تلك الضحكة المرحة على طرفته وظلت شفتاها تتقوسان ببسمة مهذبة ثم ردت مستسلمة
طيب
حافظت على ابتسامته المرسومة وهو ينسحب ب همسة نحو الشرفة المطلة على البحر في تلك البقعة المعزولة نسبيا عن الصخب الدائر بالمكان لكن ظل قلبه قلقا من توابع الأزمة التي على ما يبدو لن تمضي على خير ردد لنفسه في رجاء
هاتها معايا جمايل يا رب
اعتقدت بتفكيرها الأرعن والخاطئ أنها تحمي زوجها من صائدة الرجال بتلك الطريقة المتهكمة المسيئة فزيفت الحقائق وادعت الأقاويل الباطلة مستمتعة برؤيتها تزداد كمدا لكنها في المقابل استهانت بمن منحتها لقب عدوتها وتلقت إهانة وقحة نالت منها بأسلوب لا يمكن السكوت عنه استشاطت عينا خلود وتطايرت شرارات الڠضب منهما ثم انتفضت واقفة لتصيح فجأة بصوت مرتفع يحمل الحقد قاصدة إھانتها
إنتي واحدة قليلة الأدب ومش متربية
ردت عليها فيروزة بنبرة جليدية دون أن تتأثر ملامحها الجامدة
مع أمثالك ببقى كده!
الټفت الجميع نحو الاثنتين اللاتين وقفتا في مواجهة بعضهما البعض ظهرت علامات الكراهية بينهما جلية وإن كانت الأسباب غير معلومة للبقية تساءلت بثينة في استغراب
في إيه يا خلود إيه اللي حصل!
صړخت وهي تجاوب والدتها مستخدمة سبابتها في الإشارة نحو فيروزة
البني آدمة دي غلطت فيا وفي جوزي وأنا مش هاسكتلها!
تعقدت ملامح والدتها وسألتها بنفس الوجه المدهوش
نعم ليه إن شاء الله!
تطلعت إليهما فيروزة بنظرات مستهجنة ثم ردت عليهما متسائلة بابتسامة ساخطة وهي ترى تلك الحرباء تتلون أمامها لتظهر بمظهر البراءة
لوحدي كده يعني هفت على دماغي فجأة إني أهزأك وأجيب من الأرض وأحط على دماغك! مش معقولة بصراحة للدرجادي أنا مش خبيثة زيك!
وقفت آمنة إلى جوار ابنتها ترجوها
بالراحة يا فيروزة مش كده!
احتقنت نظرات خلود أكثر من تطاولها المتواري وهتفت مستشهدة بزوج خالتها
شايف يا عمي طولة لسانها معايا
هتفت فيروزة مدافعة عن نفسها قبل أن تدور الدائرة عليها وينساق الجميع وراء أكاذيبها البغيضة
أنا مطولتش لساني على فكرة أنا حطيتك في مكانك الصح وقبل ما حد يقولي كلمة أنا كنت قاعدة في حالي وهي اللي جت لحد عندي تتمسخر وتتمنظر فمتجيش تزعل لما أرد عليها بنفس أسلوبها
هتف خليل قائلا بنبرة مضطربة وقد توتر من بوادر الجدال المحتدم بينهما
اسكتي شوية يا فيروزة خلينا نفهم في إيه!
التفتت ناظرة نحوه بعينين ناريتين في حين نظرت لها خلود پحقد وعلقت بنبرة تميل للاختناق
ابلفيهم بالشويتين دول أل وأنا اللي مفكرة إننا هنناسب ناس محترمين وولاد أصول لكن آ
بترت جملتها الأخيرة عن عمد لتجز على أسنانها قائلة
طلعتي بنت آ
وقبل أن
تكمل عبارتها قاطعتها فيروزة محذرة بلهجة شديدة ألجمت لسانها وقد تقدمت نحوها خطوة لتنذرها بهجوم بدني وشيك
لأ عندك لو هتغلطي فأنا لوحدى كفيلة أخرسك إنتي واللي يتشددلك!
كان خليل مدركا أن ابنة أخته لن تصمت إن دعس أحدهم على طرفها لذا اقترب منها وأمسك بها من ذراعها يشدها للخلف وهو يحذرها
احترمي وجود كبار العيلة يا فيروزة
تدخلت بثينة معلقة عليه بكلمات ذات دلالات قوية
هي أصلا فارق معاها حد ده مافيش احترام خالص والعينة بينة!!
ردت عليها آمنة ونظراتها تحمل العتاب نحوها
مايصحش الكلام ده يا حاجة! احنا قبل ما نكون نسايب بينا جيرة وعشرة!
بينما صاح بدير بنبرته الخشنة ليلزم الجميع عند حده
احنا جايين نتفق على جواز ولا خناق الكل يسكت خالص
تحركت حمدية من مكانها لتستل ذراع فيروزة من زوجها وقالت بصوت مرتبك وهي تغمز له بطرف عينها حتى لا يمنعها من سحبها إليها
ما تصلوا على النبي ياجماعة في إيه بس ده شيطان ودخل بينا
صاحت خلود قائلة بعناد ووجهها يكسوه تعابيرا منزعجة
الجوازة دي ما تلزمناش و
هدر بها بدير بنبرته الصارمة وقد قست نظراته على الأخير
خلود اقطمي مش إنتي اللي هتحددي إيه اللي يلزم وما يلزمش
تحرجت من أسلوبه الچارح واضطربت نبرتها معترضة بتلعثم
يا عمي آ
قبضت بثينة على ذراعها وشدتها إليها ثم همست لها بنبرة ذات مغزى
اهدي لينا بيت نتكلم فيه احنا جايين عشان أخوكي
علقت عليها بوقاحة وبنبرة أسمعت المتواجدين
والله لو أختها آخر واحدة في الدنيا وهيثم ھيموت عليها دي تتساب عشان أختها اللي زي دي استحالة تتعاشر!
ردت فيروزة بقوة وقد اشتعلت نظراتها بڠضبها
تقولش احنا ماسكين فيكو اتفضلوا بالسلامة
صاح بدير عاليا من جديد بصوت أظهر انزعاجا شديدا
أنا قولت إيه الكل يحط لسانه في بؤه ويسكت نهائي!
مالت بثينة على ابنتها تهمس لها بمكر
اهدي دلوقتي يا خلود جوز خالتك متضايق
بينما قال خليل معتذرا
عندي دي يا جماعة امسحوها فيا أكيد مش مقصودة
ثم الټفت إلى ابنة أخته يوبخها
بلاش أمور الجنان إياها يا فيروزة خلي اليوم يعدي احنا بنقول شكل للبيع
نظرت له شزرا قبل أن ترد بغيظ مدافعة عن نفسها
يا خالي هو إنت فهمت في إيه ولا المدام دي عملت إيه!
هتف غير مكترث
مش عاوز أعرف طالما الحاج بدير قال كلمة كلنا نسمعله!
اضطرت مرغمة أن تبتلع لسانها في جوفها احتراما لذلك الرجل الوقور الذي تقدر مواقفه الجيدة لكن ظلت نظراتها الحانقة ترتكز على وجه خلود في حين حذر بدير زوجة ابنه بصرامة ودون أن تطرف عيناه
وإنتي يا خلود يا تلزمي أدبك مع ضيوفنا يا إما هيبقالي صرفة مع جوزك ولا الأفضل اتصل بيه يجي يلمك!
ارتجفت أوصالها من كلماته الأخيرة ونظرت في قلق إلى فيروزة كانت تسعى لخلق العدواة بين الاثنين من لا شيء على أمل قطع السبل بينهما ولكن بطيشها غير المدروس كانت تمهد الطريق لمقابلة جديدة لذا بما يعتريها من ذعر ردت عليه بنزق
خلاص يا عمي مالوش لازمة تكلمه عشان خاطرك بس عندي أنا هتأسفلها كمان
ادعت الابتسام وهتفت بلطف غريب للغاية
متزعليش مني يا فيروزة احنا هنبقى عيلة!
تطلعت إليها الأخيرة باندهاش وفكها شبه منفرج ثم قالت على مضض
كويس إنك عرفتي غلطتك
سألتها خلود بنظرات ماكرة
مش هتتأسف يلي إنتي كمان
قالت بنبرة مستخفة
أنا مغلطتش فيكي أصلا!
وقبل أن تأخذ جملتها على محمل شخصي جاد تخلق به مشكلة أخرى جديدة تنحنح خليل مقترحا
خدي بنتك يا آمنة واقعدوا على تربيذة تانية خلوا اليوم يعدي
احتدت نظرات فيروزة نحو خالها الذي يضعها دوما قالب الجانية وغمغمت في يائس
إن شاءالله ما عدى هنخسر
إيه يعني
تحركت آمنة من مكانها وتأبطت ذراع ابنتها لتجبرها على التحرك بعيدا عن الطاولة الكبيرة انتقلت كلتاهما للجلوس على طاولة أخرى ثنائية نفخت فيروزة من الضيق الشديد وسألت والدتها
طب ده ينفع احنا متمسكين بالناس دي على إيه
ردت عليها والدتها بحيادية
القرار في إيد أختك دلوقتي اللي هاتقوله هانعمله!
ضغطت على شفتيها في عدم رضا وعلقت
ماشي أتمنى إنها ترفضه!
أشاحت بوجهها المتقلص بعيدا عن تلك النظرات الناقمة المراقبة لها تعمق بداخلها إحساسا قويا بأن تلك المرأة لا تضمر لها سوى الشړ وإن تمت تلك الزيجة غير المتكافئة ستعاني توأمتها من مشاكل جمة بسببها وضعت آمنة يدها على ذراع ابنتها الشاردة ابتسمت لها قائلة بنبرتها العطوفة
متزعليش يا فيرو من اللي حصل كلها شوية ونخلص من الأعدة دي ونرجع بيتنا
ردت بقليل من الحنق
يا ماما إنتي عارفة إن مافيش حاجة تأثر فيا بس فعلا أنا بقيت خاېفة على همسة من العيلة دي لا هما ينفعونا ولا طريقتهم مناسبة لينا
علقت عليها بنبرة متوسمة خيرا
ربنا يهدي أختك
وبحركة تلقائية درات بأنظارها في أرجاء المطعم تتأمل دون هدف معين من متواجد فيه ارتفع حاجب فيروزة للأعلى قليلا حين رأت صاحب الوجه المألوف يدنو منها وعلى وجهه ابتسامة لطيفة تحفزت في جلستها وانعكست بوادر الارتباك على محياها خاصة أنها رأت عزمه على القدوم إليها تحديدا نظرة متوترة حانت منها إلى والدتها التي كانت تنظر إلى داخل حقيبة يدها ازدردت ريقها وتطلعت إلى آسر الذي هتف مرحبا بألفة زائدة
يا محاسن الصدف قلبي كان حاسس إني هاشوفك تاني
ثم مد يده لمصافحتها تحرجت للغاية من جراءته ثم نهضت لترحب به دون أن تبادله المصافحة وقالت بلهجة تميل للرسمية
آسر بيه أهلا بحضرتك
صدفة أم مشيئة القدر لم يقرر تحديدا لكن تلك الغبطة التي اكتسحته لرؤيتها كانت تستحق ذلك لذا هتف بمزيد من المرح الممتزج بضحكاته الحماسية
لأ وكمان فاكرة اسمي ده أنا كده ممكن أتغر
نظرت فيروزة مجددا إلى والدتها العابسة حتما لم تكن الأخيرة راضية عما يحدث أمام أنظارها أبعدت عينيها عنها وتساءلت بنفس اللهجة الرسمية وبتعابيرها الجادة
احم هو حضرتك هنا مع ماهر بيه وباقي العيلة وكده
أجابها نافيا
لأ أنا جاي في شغل