الطاووس الابيض لمنال سالم

لمحة نيوز


انفعالاته وهدوئه بالرغم من عروقه المشدودة ونظراته القاټلة خاصة وأن سراج الذي أتى بصحبة محرز كان يبدو متحفزا مستعدا لافتعال أي مشاجرة أخرجه من تحديقه الڼاري به صوت الحاج لطفي القائل
السلامو عليكم يا حاج بدير 
تحولت نظراته نحو والده الذي جاء ليرحب بالضيوف بادله التحية وهو يصافحه بحرارة
وعليكم السلام إزيك يا حاج لطفي
أجابه ببسمة هادئة
في نعمة والحمدلله  
رد مجاملا بود زائد
شرفتنا النهاردة المكان نور 
قال له بنبرة عميقة
بأصحابه يا حاج 
تقدم محرز خطوتين للأمام وهو يتصنع الضحك ليقف في المنتصف بينهما ثم أضاف بعدها وكأنه يفرض نفسه على المتواجدين
أنا قولت ماينفعش في الليلة الحلوة دي النفوس تكون شايلة من بعض وإلا إيه معلم سراج
تنحنح الأخير معقبا بخشونة وبوجه مقلوب
مظبوط 
احتدت نظرات تميم بشدة كانت كراهيته ل سراج قد بلغت منتهاها لكن الظرف لا يسمح لإتخاذ أي قرار طارئ مد الحاج لطفي يده لمصافحة العريس الذي نهض لاستقباله يهنئه
مبروك يا تميم بالرفاء والبنين إن شاءالله 
حاول أن يضبط إيقاع نبرته وهو يرد مبادلا إياه المصافحة لكن نظراته اتجهت ناحية غريمه
الله يبارك فيك يا حاج 
استطرد الحاج لطفي ممهدا بأسلوبه الجاد الذي يمزج بين الوقار والاحترام
احنا كلنا أخوات ومش عاوزين المشاكل ترجع تفرق بينا مصالحنا كلنا واحدة ولا إيه
رد عليه تميم بضيق بائن وعيناه لا تحيدان عن سراج
كلامك على عيني وراسي بس 
تدخل محرز في الحوار مقاطعا بسماجة ثقيلة
خلاص بقى يا تميم ده الرجالة جايين لحد عندك هاتكسفهم ولا إيه
رمقه بنظرة ضيقة تعبر عن رفضه القاطع لفرض الأمور عليه هكذا علق والده ليقول بدبلوماسية محنكة راجعة لسنوات خبرته الطويلة حتى ينهي ذلك الڼزاع
جيتكم فوق دماغنا وأكيد كلنا بنسعى للخير بس لا ده وقته ولا ده مكانه وبعدين مايصحش الحاج سلطان يبقى موجود ومحدش يسلم عليه ولا إيه
هتف محرز قائلا وضحكته السمجة تلازمه
ده أبونا كلنا قبل ما يكون كبير السوق كله بينا يا رجالة تاخدوا واجبكم هناك 
تطلع إليه تميم بنظرات مطولة مغتاظة فقد استفزته طريقته المهترئة لإظهار أنه صاحب القول الأخير إنه ينتمي لذلك النوع من البشر الذي يحاول تسلق الآخرين ليظهر وجوده تحامل على نفسه كي يتغاضى عن الأمر ويتجاوزه احتراما فقط لرجاء والده الذي
ظهر من خلال نظراته وإيماءات وجهه فاعتبرها إشارة ضمنية لإنهاء الجدل ولولا ذلك لفعل ما يستوجب لإيقاف كل شخص عند حده خاصة السمج محرز 
مررت فيروزة عينيها على المكان باحثة بتمعن ودقة عن مقاعد شاغرة لتجلس عليها مع أختها ووالدتها بعد أن ازدحم المكان بمئات البشر وقعت نظراتها على تلك المقاعد الموجودة بالزاوية المنزوية والتي تبدو إلى حد ما مترامية الأطراف عن الصخب الدائر اعتقدت أنها بقعة جيدة للجلوس فيها لتكون ثلاثتهن بعاد عن الزحام والأعين الفضولية المتلصصة أشارت لهما لتتبعاها وبتأن وتؤدة اجتزن ليصلن إلى وجهتهن وقبل أن تجلس آمنة انحنت على ابنتيها تخبرهما
هاروح أسلم على الحاجة ونيسة والجماعة قدام ورجعالكم!
هزت همسة رأسها ترد عليها
خدي راحتك يا ماما 
ابتعدت عنهما لتتجه صوب الطاولات الأمامية حتى تلقي التحية على أهل العريس في حين حركت فيروزة جسدها نحو أختها لتبدو قريبة منها وهي تتحدث إليها كانت الرؤية محجوبة عنهما لينظرا إلى العروسين تساءلت بفضول وهي ترى مظاهر الثراء والبذخ من خلال الإعلان عن أسماء مانحي النقوط عبر الميكروفون
الصرف باين يا أختي
ردت عليها همسة مبتسمة
كلها مجاملات الفرح النهاردة عندي بكرة عندك والفلوس رايحة جاية بينهم 
تحسي إنها تجارة مش جوازة!
أكيد
بس يا ترى النوع ده من الجوازات بيستمر!
الله أعلم
خف الزحام قليلا فأصبحت الرؤية متاحة اشرأبت فيروزة بعنقها لتتطلع إلى وجه العريس تعقد حاجباها بشكل ملحوظ لم تكن ملامحه بالغريبة عليها خيل إليها أنها رأته من قبل لكنها لا تذكر أين ومتى تابعت قائلة ونظراتها مرتكزة على وجهه
حاسة إن العريس وشه مش غريب عليا زي ما يكون شوفته قبل كده أو اتكلمت معاه!
ما لبثت أن تحولت عيناها نحو العروس لتضيف
والعروسة كمان برضوه مش غريبة 
لم تكن زاوية الرؤية واضحة من جهة همسة فقالت غير مبالية وهي تحيد بنظراتها عنهما لتتطلع إلى عموم المدعوين
طبيعي يكونوا معروفين ما إحنا كلنا عايشين في منطقة واحدة وبنتقابل مع أغلب الناس كل يوم حتى لو مش بنتكلم 
عادت فيروزة لتسألها بابتسامة سطحية فاترة
بس إيه رأيك في الفستان
أجابت بتلقائية
حلو وبسيط وحتى الميك آب بتاعها رقيق وهادي 
وافقتها الرأي قائلة
على رأيك أول مرة نلاقي عروسة مش حاطة طن بوهية على وشها
علقت ساخرة
تتحسد والله لازم تبخر نفسها 
أنا هاعمل كده في فرحي مش هاحط ميك آب أوفر 
وأنا زيك يا فيروزة 
استمرت كلتاهما في ثرثرتهما عما يحدث في الفرح خاصة بعد أن أشعل أحد المطربين الشعبيين الحفل بأغانيه الصاخبة فهلل عليها الحاضرون ورددوا بسعادة ما يحفظونه من كلمات عن ظهر قلب 
هب حمص واقفا من مكانه ثم صعد على المسرح ممسكا بعصاه الخشبية باحترافية مزيدا من حماس المتواجدين كنوع من مجاملة سيده الجديد الذي كان كريما معه مؤخرا شاركه رفيقه شيكاغو بالطريقة المستعرضة ليعلو التصفيق أكثر نجح كلاهما في لفت الأنظار بالصياح العالي
مبرووووك يا كبيرنا عقبال البكاري يا ريس
نالا نظرات
الرضا من تميم الذي أشار بعينيه لأحد أتباعه ليهتم بهما بعد أن ينهيا حركاتهما فابتهجا على الأخير في تلك الأثناء كان هيثم يجلس بهدوء لا يتفق مع شخصيته الهوجاء بين الحين والآخر نحو رفيقه نوح الجالس في المقعد الخشبي الملاصق له لم يتواقفا عن الحديث الهامس وكأن هناك خطب ما حتى أنه لم يشارك في أي فقرة تضم الشباب المتحمس بدت ملامحه جادة للغاية ونظراته قلقة مرتابة حتى صوته كان أقرب للفحيح حينما همس يحث صديقه
عاوزك تراقبلي الجو كويس وتفتح عينيك
أومأ نوح برأسه معلقا عليه ودخان سيجارته المشټعلة يتطاير
في الهواء
ماشي هاقفلك ناضورجي 
ثم غمز له بطرف عينه يؤكد عليه بنبرة ذات مغزى حتى لا يغفل عنه لاحقا
بس ماتنسانيش لما الدنيا تزهزه معاك 
رد عليه بامتعاض
ماتقلقش المهم تركز
عينيا
مرر هيثم نظراته على الأوجه لمرة أخيرة وخاصة على زوج خالته المشغول مع ضيوفه قبل أن يتسلل خلسة منسحبا من الحفل للقيام بما خطط له فالفرصة مواتية للإقدام على السړقة دون أن تحوم الشكوك حوله اعتقادا منه أنه يفعل ذلك ليأخذ حقه المسلوب والذي ضاع بمقټل والده في ذاك الحاډث المشؤوم حيث ترك يتيما يعاني من مرارة البؤس وألم الحرمان والعوزة والشقاء 
تصبب عرقا غزيرا باردا وهو يدور بتوتر حول البناية ليضمن عدم اكتشاف أمره حينما يصعد للأعلى لينفذ سرقته رفع عينيه للأعلى يجوب ببطء على الشرفات كانت أغلب النوافذ مغلقة والإضاءة معتمة مما بعث القليل من الطمأنينة على نفسه المتوترة سحب نفسا عميقا يثبط به الأدرينالين المتدفق بقوة في عروقه كان كل شيء هادئا ومشجعا للقيام بالأمر اتجه هيثم إلى مدخل البناية وهو يتلفت حوله صعد الدرجات عدوا لكنه تجمد في مكانه حينما سمع تلك الخرفشات الخاڤتة انزوى في بقعة معتمة مترقبا وقد ظن أن أحدهم سيراه عاد السكون ليغلف المكان فهدأت دقاته المتلاحقة كقرع الطبول وبحذر شديد تقدم خطوة للأمام رافعا رأسه للأعلى أحس بالهدوء يتسرب إلى صدره الناهج مع استمرار السكون انخفضت عيناه تدور على نوافذ المنور الجانبية نظر مليا بتمعن مسلطا نظراته على شرفات المطبخ الصغيرة قليلة الاستخدام التي تطل على ذلك المنور تحديدا فتلك الموجودة بالطابق الأول ستسهل عليه المسألة كثيرا لكونها الأقرب لوجهته حيث ستساعده على الصعود للأعلى ومن ثم الولوج للشقة من خلال دفع باب الشرفة بقليل من الجهد فيصبح فعليا بالداخل 
سار كل شيء بسلاسة وفق خطته الجهنمية وكما رسم في عقله الشيطاني تحرك بخفة ودقة على حافة الشرفة الخاصة بالطابق الأول ثم شحذ كامل قواه ليدفع للأعلى ممسكا ب منشر الغسيل ووجد صعوبة في الاحتفاظ بتوازنه لولا تلك الدفعة الأخيرة التي استنزف معها ما تبقى من قوته فمكنته من الصعود أصبح هيثم بداخل الشرفة الضيقة كانت مزدحمة بالكراكيب القديمة وأدوات الطهي غير المستخدمة وضع يديه أمام عينيه ليحصل على قليل من الظلمة حتى تتمكن نظراته من اختراق المكان بالتطلع عبر الزجاج المغبر بالأتربة وبواقي زيت الطهي شعر بالانتشاء لكون المكان ساكنا تحرك في اتجاه الباب الجانبي وبدفعة قوية نسبيا من كتفه تمكن من فتح الباب الصدئ في مفاصله واقتحم المنزل 
رغبة عارمة بالسعادة سيطرت على أوصاله حلمه بالثراء السريع على وشك التحقق خطا هيثم على أطراف أصابعه نحو الردهة كان يحفظ المكان جيدا وبالتالي لم يشعر بالتخبط وهو يتجول في أرجاء المنزل الخالي من قاطنيه انتفض فزعا واتسعت عيناه في ذعر حينما رن هاتفه فجأة شعر بأن قلبه على وشك التوقف من فرط الارتعاد التقط أنفاسه اللاهثة ثم نظر إلى المتصل وسباب نابي يتردد بين شفتيه وضع الهاتف على أذنه بعد أن ضغط على زر الإيجاب هامسا بنبرة تحولت للحنق
في إيه في حاجة جدت
أجابه رفيقه ببرود
لأ!!
صاح به پغضب رغم همسه
أومال بتتصل ليه دلوقت
رد عليه نوح
بأطمن عليك 
كز هيثم على أسنانه يوبخه
مش أنا قايلك ما تكلمنيش إلا لو حاجة حصلت هو إنت مابتفهمش!
حذره الأخير
بلاش الغلط يا عمنا!
برر حنقه بعد أن تنفس بعمق ليكبح غضبه
ما هو مش وقته بصراحة 
استطاع أن يسمع زفيره قبل أن يعقب عليه
ماشي يا سيدنا
على العموم كله في التمام 
قال موجزا معه المكالمة
طيب كويس وخليك مركز سلام
ثم ردد بوجهه الممتقع وقد أنهى اتصاله معه
هو أنا كنت ناقصك!
سحب شهيقا عميقا يهدئ به صدره المضطرب لحظات واستعاد ثباته ثم واصل سيره متجها إلى غرفة زوج خالته فتحها ووطأ بقدميه داخلها مستخدما إضاءة هاتفه المحمول كانت عيناه تعرفان إلى أين تنظر تحديدا ابتسامة زهو وانتصار تشكلت على ثغره وقد بات قاب قوسين أو أدنى من الظفر بسرقته على الفور تحرك في اتجاه الشوفنيرة ينظر لها بعينين تبرقان بقوة مد يده ليفتح الدرج لكنه كان موصدا غمغم محدثا نفسه بحسم
والعمل إيه دلوقتي ما هو أنا مش هامشي من هنا إلا والفلوس معايا!
تلفت برأسه يبحث بالإضاءة الضعيفة للهاتف عما يمكن أن يستخدمه في فتح الدرج سلط هاتفه على أرجاء الغرفة وهو يفكر في عجالة وبتوتر فالثواني تشكل فارقا كبيرا معه لمح المقص الموضوع على التسريحة فاعتقد أنها وسيلة مناسبة لذا التقطه واستدار عائدا إلى الشوفنيرة حاول بنصل المقص الحاد تحريك القفل ونجح بعد عناء عضلي في إزاحته من مكانه في ذلك لهث هامسا بصدر ينهج
أخيرا 
قام هيثم بفتح الدرج اتسعت نظراته في حبور عظيم وقد أبصر رزم النقود المرصوصة بعناية بداخله هلل رغم همسه
يا دين النبي كل دي فلوس! 
توهجت عيناه على الأخير واكتست بلمعانها الجهنمي وعلى الفور ودون تراجع أو ندم سرق كل ما يحويه الدرج ثم دسهم في جيوب سترته ومسح بكمه البصمات من على قفل الدرج والمقص فإن فكر زوج خالته في اللجوء للشرطة لا يجد أفرادها من التحقيق الجنائي ما قد يدينه ومثلما تسلل خلسة انسحب بخفة من المكان ومن حيث جاء معيدا كل شيء لطبيعته لكن تلك المرة جيوبه ممتلئة بما ليس له 
ضجرت فيروزة من إضاعة وقتها دون أدنى فائدة تعود عليها لمجرد الالتزام بما أسمته والدتها واجب الجيرة والجلوس للنهاية أي حتى انتهاء مظاهر الاحتفال وانطفاء الأضواء بل والبدء في جمع المقاعد أرادت أن تنهض وتعود إلى عملها لتستفيد بالحركة الرائجة للأهالي في منطقة الكورنيش وما حولها من محال قبل أن يسرقهم الوقت ويقل الزحام أرجأت مفاتحتها في الأمر لبضعة دقائق حتى تنتهي من حديثها مع إحدى المدعوات بالرغم من التوتر البادي على ملامحها إلى أن لمحت حمدية وخالها وأطفالهما قادمون من على بعد هنا زادت تعابيرها انزعاجا وظهرت تكشيرة صريحة عليها رأت البغض جليا في نظرات الأولى نحوها حقدها يكاد يكون مرئيا للعيان حتى وجهها عكس مقتها بادلتها نظرات كارهة لها عاقدة العزم في نفسها أنها لن تجلس في مكان يجمعها بها حتى لو فيه إزهاق روحها هكذا حدثت نفسها لذا أحنت رأسها نحو والدتها تقول لها بنبرة عازمة وهي تلملم أشيائها
بيتهيألي كفاية كده عاوزين نشوف اللي ورانا يا ماما 
زوت آمنة حاجبيها محتجة في اندهاش متعجب
ده لسه بدري الحاجة ونيسة قالتلي في عشا و 
قاطعتها بإصرار متذمر وقد تقلص وجهها
هو احنا ناقصين أكل يا ماما
طالعتها أمها باستغراب حاولت فيروزة أن تبدو هادئة فتصنعت الابتسام لتضيف ساخرة حتى لا تثير الريبة فيها
دي آخر حاجة نفكر فيها ولا إيه رأيك يا همسة
بدت آمنة غير راضية عن تصرفها فعاجلتها قائلة 
بس يا فيروزة الناس هتزعل مني وأنا محبش حد يشيل مني أو 
قاطعتها في تهكم
صدقيني وجودنا مش هيفرق معاهم هما ملبوخين بالبشر اللي مالي الفرح 
عفويا أدارت والدتها عينيها في المكان وقد ظهر التردد عليها في حين همت همسة
بالنهوض وأيدت أختها في رغبتها قائلة بابتسامتها الرقيقة علها تقتنع بالأسباب
خلاص يا ماما برضوه عشان مانضيعش وقتنا والحاجة اللي معمولة ماتبوظش وكمان مانتأخرش 
أضافت فيروزة ممازحة لتبدو مرحة معها
ودي ساعة رزق كمان!
علقت عليها والدتها بجدية
بقيتي بتتكلمي زي بتوع السوق!!
قالت لها مبتسمة وكأن ما تفعله وسام يزين صدرها
ما احنا بقينا منهم والشغل مش عيب 
تحركت آمنة ببطء وقد استسلمت أمام إلحاح ابنتيها لكنها اشترطت عليها بتنهيدة مرهقة
أمري لله بس هانروح نسلم على الجماعة قدام!
استاءت من ذاك الاهتمام الزائد بجيرانها الذين لا تعرف عنهم شيئا ضغطت على شفتيها متسائلة بتذمر
هو لازم يعني
ردت عليها بحسم ونظراتها الجادة تملأ وجهها
اللي يعمل حاجة بيكملها للآخر وبعدين ماضمنش الحاجة ونيسة ولا جوزها الحاج بدير يسألوا عليا مش هاسيبهم يشغلوا بالهم بيا 
نفذت كل محاولاتها للتملص من تلك المجاملة المبالغ فيها والتي تعدها أقرب للنفاق عن أداء الواجب حاولت فيروزة أن تبدو هادئة لتقلل من أمارات الاعتراض البائنة على خلجاتها تلمست منديل رأسها بلزمة لا إرادية لتتأكد من وجوده في مكانه نفخت أولا ثم تهدل كتفاها في يأس لتقول لها بعدها في ضيق عبر عن كون الفكرة غير مستساغة بالنسبة لها
حاضر اللي يريحك  !!!
يتبع
الفصل العاشر
بخطوات عادية اخترقن الصفوف بين المدعوين ليصلن إلى مقدمة المسرح حيث يتواجد أهل العروسين ممن يتلقون التهنئة من المحبين لهم بالطبع تقدمت الأم في خطواتها لتسبق ابنتيها وكأنها تلبي نداء الوطن وبكل ود ومحبة صافية احتضنت آمنة جارتها القديمة ونيسة تهنئها بابتسامتها الودودة قائلة لها
مبرووك يا حاجة ونيسة ربنا يتمم بخير 
سألتها الأخيرة بتلقائية وقد انعقد حاجباها بقوة ليظهر جديتها
هو إنتي ماشية ولا إيه
أجابتها دون أن تفتر ابتسامتها
يدوب يا حاجة 
ردت معترضة في لباقة ووجهها ما زال محتفظ بضيقه
ما لسه بدري يا آمنة ده الليلة في أولها وفي مغنيين جايين وطبل وزمر 
رمشت بعينيها معللة سبب انصرافها
ربنا يكتر من أفراحكم وأيامكم الحلوة بس إنتي عارفة أنا ماليش في السهر 
قالت مبتسمة لها وكأنها تشاركها في المزاح
والله كلنا زيك 
أضافت آمنة بحماس
بس اليوم كان عسل وربنا يجعل ليلتهم خير ويرزقهم بالذرية الصالحة 
هزت رأسها ترد مجاملة
أمين يا رب وعقبال ما تفرحي ببناتك 
يا رب إن شاءالله الله هاروح أسلم على الحاجة بثينة والعريس وعروسته القمراية
كلك ذوقك يا غالية 
تسلمي يا رب
قالت كلماتها الأخيرة وهي تهم بالصعود على درجات المسرح لتتجه إلى الكوشة لتؤدي واجبها كاملا بينما في تلك الأثناء كانت أنظار كلا من فيروزة وهمسة مرتكزة على وجه العريس تحديدا بدا مألوفا لهما ملامحه لم تكن بالغريبة عليهما كلتاهما تعرفتا إليه بشكل أو بآخر مالت
همسة على أختها تقول لها بصوت خفيض ومتعمدة أن تضع يدها أمام شفتيها حتى لا يقرأ كلامها
فيروزة! أنا عاوزة أقولك على حاجة مهمة!!! 
ضاقت عيناها وهي ترد عليها مستشعرة وجود توارد خواطر بينهما
قولي في إيه
همست بصوت يشوبه الربكة مستعيدة ذكرى صدامه الحاد معها عند عربة
الطعام
العريس ده أنا عارفاه!
علقت عليها بنبرة تميل إلى التهكم
طب وإيه الجديد ما أنا بأشبه عليه!
هزت رأسها بالنفي مكملة توضيحها المتوتر
الحكاية مش كده أصل في حاجة حصلت من فترة تخصه 
بدا حديثها غامضا ومثيرا للشكوك ثبتت فيروزة نظراتها عليها تسألها
إيه اللي حصل
وكأن تميم قد قرأ أفكارها التي تتخبط في رأسها فارتعدت فرائص همسة من نظراته التي أمسكت بها تحملق به خلسة في ريبة محسوسة شعرت بجفاف عجيب يجتاح جوفها أشاحت بعينيها القلقتين بعيدا عنه وردت بارتباك أكبر
بعدين بعدين هاقولك عشان آ ماما جاية علينا!
كانت فيروزة غير مقتنة بحجتها الضعيفة تجاوزت عن الأمر مؤقتا وجابت بنظرات هائمة على أفراد الفرقة الغنائية الذين أشعلوا المسرح حماسة بأغانيهم الشعبية الصاخبة 
انتهى تميم من مصافحة الضيفة التي تمنت له حياة أسرية سعيدة وهانئة مع زوجته الجميلة لينظر بتمعن لتلك الشابتين اللاتين تتطلعان إليه بغرابة في البداية لم يعرهما الاهتمام إلى أن لاحظ نظرات التفحص المصحوبة بالهمس من الفتاة الأولى حينها جالت عيناه على وجهها تدرسان تفاصيله المألوفة استغرقه الأمر بضعة لحظات لتتنشط ذاكرته عرفها على الفور إنها فتاة العربة التي تبيع الطعام على الكورنيش للمارة تأهب في جلسته وتحفزت نظراته نحوها بدا وجودها مستفزا بالنسبة له يحمل تحديا جريئا لا يمكنه القبول به ولكن الظرف غير مناسب بالمرة لاتخاذ اللازم وفق مفاهيمه الخاصة لاحظ ارتباكها والاضطراب الذي كسا ملامحها إخفائها لوجهها عنه أكد له أنها أيضا عرفته حرك رأسه بتلقائية في اتجاه الفتاة الملاصقة لها لفت أنظاره منديل الرأس الذي ترتديه تجمدت حدقتاه عليه كان مطابقا لذاك الذي بحوزته فيما عدا اللون ردد لنفسه مذهولا
مش معقول الشبه ده استحالة! 
شعر تميم بخفقة قوية ټضرب صدره برجفة أصابت حواسه نظرة
خاطفة نحو عروسه التي تبتسم في سعادة أشعرته بالتوتر عاد ليحدق به وقد انخفضت عيناه لتتأمل وجه صاحبته لكنها أدارته قبل أن يبصره جيدا وقبل أن يستمر في فحصه الفضولي المدقق انتشلته خلود من سرحانه متسائلة
بتفكر في إيه يا حبيبي
في البداية تطلع إليها بوجوم ثم بثبات انفعالي واضح أجابها وابتسامة باهتة انعكست على شفتيه
ولا حاجة يا خلود المهم إنتي مبسوطة في حاجة نقصاكي
ردت بتنهيدة عبرت عن عشقها له وقلبها يقفز بين ضلوعها في سعادة غامرة
كله تمام يا حبيبي أنا والله ما مصدقة إننا بقينا لبعض 
اكتفى بالابتسام لها فتابعت بغنج رقيق وقد أسبلت عيناها
ربنا يقدرني وأسعدك يا تميم وأنا أوعدك إني هاعيشك في الجنة
أومأ برأسه في استحسان ومد يده ليربت على كفها المسنود في حجرها بخفة قبل أن يسحبها إليه ثم رفع عينيه من جديد نحو الزاوية حيث تقف الشابتان لكنه لم يجدهما انزعجت تعابيره ونفخ في ضيق فقد أراد التحقق مما رأه وأثار فيه الفضول والاهتمام بشكل غير متوقع حاول أن يلهي عقله عن التفكير في تلك المسألة المحيرة محدثا نفسه
ده بيتباع في محلات كتير جايز تكون صدفة!
ابتسم لنفسه في سخرية وقد بدت الفكرة مقنعة ربما لأنها تريحه من إحساسه بتأنيب الضمير 
ها كله تمام يا عمنا!!
تساءل نوح باهتمام مبالغ فيه بعد أن عاد هيثم للفرح وهو يتصبب عرقا غزيرا لا يليق بالأجواء الشتوية الباردة حدجه الأخير بنظرة ڼارية تحمل مزيجا من اللوم والحنق تلفت حوله بطريقة تدعو للاسترابة قبل أن يسحبه من ذراعه ليسير به نحو الجانب وهو يوبخه
إيه يابا إنت ناوي ټفضحني
رد صديقه معاتبا بوجه متقلص
ڤضيحة إيه بس يا جدع 
ثم غمز له وتلك الابتسامة اللزجة تتجسد على شفتيه مكملا عبارته
شكل العملية مشيت معاك آخر حلاوة زي السکينة في الجاتوه
كز هيثم على أسنانه قائلا له في غيظ
اكفي على الخبر ماجور الحكاية مش ناقصة أر 
تصنع العبوس معقبا عليه
هو أنا هاحسدك بردك ده أنا سترك وغطاك!!
زجره قائلا بعصبية بائنة حتى في نظراته
يا عم ابلع ريقك! أنا مش ناقصك!
وفجأة انتفض فزعا حينما سمع زوج خالته يسأله مباشرة من خلفه وكأنه كشف أمره
كنت فين يا هيثم
الټفت كالملسوع نحوه يطالعه بعينين جاحظتين مليئة بنظرات الړعب والخۏف تقدم بدير نحوه حتى بات في مواجهته تأمله في دقة متسائلا
مش باين في الفرح ليه
ارتجف قلب هيثم وشحب لون بشرته كما زادت ربكته وتلبكه وبدت علامات الارتعاد مقروءة على قسماته خرج صوته مهزوزا متلعثما حينما أجابه
ده أنا كنت واقف هنا قصدي ورا مع ناس صحابي و 
رفع الحاج بدير سبابته محذرا دون أن يمهله الفرصة لإكمال كذبه المختلق
مش عايز لبش هنا يا ابن بثينة!!!
مجرد نعته باسم والدته أنساه خوفه من اكتشاف مسألة السړقة بل وكاد أن يصيبه بالجنون احتقنت نظراته واربد وجهه پغضب شديد ثم تحفز في وقفته وانتصب كتفاه قائلا بخشونة ومتعمدا استخدام نفس طريقته المستخفة
ما تنادنيش تاني باسم أمي يا جوز خالتي!
ثم ما لبث أن قست نظراته أكثر وهو يتابع
أنا ابن أبويا الحاج غريب اللي ضحى بنفسه فداكم 
قال بدير ساخرا منه ونظرات الازدراء واضحة عليه
هي أمك لسه بتملى راسك بالكلام الفارغ ده!
هاجت الډماء في عروقه واستثارت من تحقيره الصريح فاڼفجر صائحا بتشنج وعروقه تنتفض بقوة
أنا أمي مش كدابة ولا اللي حصل لأبويا كلام فارغ إنتو بس اللي بتتعمدوا تنسوا عشان متحسوش بالذنب بس حق أبويا أنا عارف إزاي وامتى هاجيبه!
حدجه بدير بنظرة خالية من التعاطف
وهو يرد عليه في تحد ينم عن قوة وسلطة
حقكم خدتوه زمان واللي حصل كان برضا أبوك فبلاش تهري في المنهي!
وقبل أن تزداد الأمور سوءا تدخل نوح بجسده ليفصل بينهما وأبعد رفيقه الغاضب عن زوج خالته مستخدما قوته الجسمانية كما كان يرجوه بشدة
خلاص يا هيثم ده لا وقته ولا مكانه احنا في فرح أختك يا جدع
رد عليه بعصبية وهو يقاوم إمساكه له
سيبني يا عم ماتزوءنيش!
رجاه أكثر وقد نجح في إزاحته من أمام زوج خالته قبل أن يتصرف معه بأسلوب لن يعجبه على الإطلاق
بالله عليك تلم الدور ده الحاج بدير كبير العيلة وفي مقام أبوك 
صاح عاليا مقاطعا إياه وقاصدا أن يصل إليه صوته
أنا أبويا ماټ مافيش حد يملى مكانه
رد في توتر قلق
طيب طيب بينا من هنا!
دفعه هيثم بقسۏة في صدره ليتحرر من قبضتيه واستدار خارجا من المكان وهو يغمغم بكلمات جمعت بين السباب واللعڼ في حين تابعه بدير بنظراته الڼارية المستنكرة فساد أخلاقه وانعدام تربيته تغاضى مرغما عن تصرفه الأهوج حتى لا يفسد أجواء الحفل بالرغم من تعكر مزاجه وتكدرها هم بالتحرك عائدا للمدعوين وهو يهز رأسه في ضيق وانزعاج جاهد لإخفائه لكن لحدس قوي أصاب داخله قرر فجأة أن يتبعه 
في ذلك التوقيت كانت آمنة تسير على تمهل وهي تحكي عن ذكريات طفولتها مع جيرانها خلال تلك النوعية من الأعراس الشعبية التي قد تمتد لأيام متصلة تبعا لثراء العائلة ومدى شهرتها أنصتت ابنتاها إليها في ملل لتكرار نفس الحديث للمرة المائة مما باتا يحفظاه عن ظهر قلب تبادلت فيروزة مع أختها نظرات مفهومة ثم أدارت رأسها نحو والدتها مدعية السعال لتقاطعها قائلة
حلو الكلام ده كله يا ماما نركز في شغلنا بقى!
رمقتها آمنة بنظرة حادة وقالت لها
إنتي بايخة! يعني أقولك زمان كنا بنعمل هيصة و 
وقبل أن تكمل جملتها للنهاية خرج من جوفها شهقة مڤزوعة وقد اندفع جسدها بالكامل ككتلة ثقيلة للأمام لتنكفئ على ركبتيها في ألم موجع استندت آمنة على كفيها كي لا ترتطم رأسها بالأرض الصلبة تهدج صدرها ولهثت وهي بالكاد تحاول استيعاب ما حدث لها في لمح البصر 
بالطبع كان الأمر مفسرا حينما رأت ذلك الشاب الأرعن يتحرك بخطوات عصبية غير عابئ بمن يصطدم صاحت فيه فيروزة وقد رأت وقاحة ما فعله مع والدتها وهي تنحني لتساعدها على الوقوف مع همسة
إنت غبي يا جدع إنت مش شايف اللي قدامك يا أعمى!
استوقفته جملتها المهينة فالټفت هيثم نحوها يرمقها بعينين تطقان شررا عاد إليها يزأر بها في انفعال شديد
إنتي اتهبلتي يا بت إنتي
خشيت آمنة من إقحام ابنتها في أمر لا يحمد عقباه فتوسلتها
خلاص يا بنتي محصلش حاجة 
ردت بوجه مكفهر الملامح
لأ حصل!
تركت فيروزة والدتها لتقف في مواجهة ذلك الفظ الوقح الذي لم يظهر الندم على خطئه تحولت ملامحها للشراسة ونظراتها للعدائية وردت عليه بقوة وجراءة منقطعة النظير غير مبالية بهيئته المھددة
احترم نفسك! إنت غلطان وبجح لأ وبتكلم كمان!
صاح يهددها ملوحا بذراعه
ما تخلنيش أمد إيدي عليكي!
استشاطت عيناها من عدائيته الفجة ومع هذا ردت بشجاعة دون أن تهابه
طب جرب كده وأنا هاعرفك مقامك وأوديك في داهية 
قال لها بوقاحة أجفلتها
داهية تاخدك إنتي واللي معاكي!
لم تستطع كظم ڠضبها بل ناطحته الند فقالت
اهوو إنت ما أنا لو بأتكلم مع راجل بيعرف في الأصول مكانش غلط من الأول 
صاح بها بوجه قاس وقد أصبح على وشك إفراغ شحنة غضبه بها
أنا راجل ڠصب عن عين اللي خلفوكي 
كاد أن يتفاقم
الوضع ويتعقد كثيرا لولا أن تدخل الحاج بدير الذي تابع المشهد في نهايته فهدر ېعنفه محذرا بلهجة شديدة
هيثم لم الدور هنا! سامعني
ثم تقدم نحو آمنة التي تمزقت عباءتها من عند ركبتيها جراء سقطتها العڼيفة معتذرا لها
حقك عليا أنا امسحيها فيا يا حاجة 
وقبل أن تنطق والدتها بكلمة هتفت فيروزة محتجة
لأ معلش يا حاج كلامك فوق راسنا 
ثم أشارت بعينيها في احتقار صريح نحو هيثم متابعة كلامها
بس احنا مش هنقبل بقلة الأدب دي وطولة اللسان الحيوان ده هو اللي غلطان مش إنت يا حاج وهو اللي لازم يتأسف لأمي 
أوشك هيثم على نعتها بلفظة نابية وخادشة للحياء جراء عبارتها الأخيرة لكن تلك النظرة الصارمة من عيني زوج خالته كانت كفيلة بإخراسه كتم غضبه المستعر مجبرا وبدا صوت أنفاسه الهادرة مسموعا تحرك بدير في اتجاه فيروزة والذي حال بجسده بينها وبين ذاك الفظ ليقول
خلاص يا بنتي حقكم عندي 
هنا صاحت آمنة بنبرة عبرت عن خۏفها وهي تجاهد للسير بصورة طبيعية محاولة إخفاء ألم ركبتيها
مافيش بعد قولك كلام يا حاج وأنا مسامحة في حقي 
كان كمن يشارك في سباق للعدو يسير بخطوات سريعة غير مكترث لزوجته التي تبذل مجهودا أكبر منه لتلحق به رفع معصمه نحو عينيه لينظر إلى ساعة يده الثمينة من وجهة نظره حيث اشتراها من إحدى المزادات التي حضرها مصادفة ومن وقتها كان يتباهي باقتنائه لشيء باهظ الثمن لاحظ تأخر الوقت فامتعضت قسماته والټفت على يساره يحادث زوجته بما يشبه الأوامر
مدي يا حمدية شوية احنا كده اتأخرنا 
نظرت له شزرا وردت في تأفف وكأنها تضع حبة حبهان بين ضرسيها
هو يعني كان بمزاجي مش عقبال ما أكلت العيال وخلصنا مذاكرة ونيمتهم 
علق عليها بما
يشير إلى بخله
ما كنا خدناهم معانا وأهي كانت اتحسبت عليهم خروجة واستفدنا من الأكل والشرب الزيادة
قالت غير مبالية بعد أن زمت شفتيها
لأ يا خويا أنا مش ناقصة نهيان قلب وبس وهس!
رمقها خليل بنظرة مستاءة قبل أن يتطلع أمامه متابعا مشيه المتعجل وقد غفل عن التجمع القريب منه والذي بالطبع كان محط أنظار واهتمام حمدية انعقد حاجباها بشكل ملفت ورددت عاليا لتجذب انتباه زوجها
إيه ده مش دي المعدولة بنت أختك
تلقائيا تحولت أنظاره نحو زوجته متسائلا
مين وفين
أشارت له بعينيها فحرك رأسه في الاتجاه المعاكس ليجد فيروزة تتحدث إلى أحدهم وتعبيراتها مشدودة على الأخير استطاع كذلك أن يرى آمنة وابنتها الأخرى تقفان على مقربة من ذاك الرجل المهيب تساءلت حمدية في فضول غريزي بها
هي المحروسة بتتخانق ولا إيه
أجابها في حيرة وتعابيره تجهمت نسبيا
مش عارف 
زمت شفتيها في اعتراض قبل أن تضيف بأسلوبها التهكمي
داهية لا تكون عملت نصيبة زي عوايدها!
حينما اقترب خليل منهم استطاع أن يلمح وجه ذلك الرجل ردد عفويا وتلك الخفقة القلقة ټضرب صدره
ده الحاج بدير واقف كمان سترك يا رب!
هنا أسرعت حمدية في خطواتها لتقول بخبث بائن في نبرتها وأيضا نظراتها
تعالى أما نشوف في إيه 
كان وجهه انعكاسا لقلق حقيقي في البداية وهو يقترب من شقيقته وابنتيها مرر نظراته عليهن قبل أن تتوقف حدقتاه عند الحاج بدير تطلع إليه في توتر خاف من أن يكون الصدام مع صاحب الهيبة والوقار وقف قبالته مهزوز القامة يسأله في حيرة ويكاد يشعر بتلاحق دقات قلبه
سلامو عليكم يا حاج بدير خير في حاجة حصلت
التفتت نحوه الأخير مدققا النظر فيه عرفته بالطبع وابتسم له يجيبه
وعليكم السلام يا خليل مافيش حاجة مهمة ده مجرد سوء تفاهم 
وبالرغم من توقعها
لرؤية خالها إلا أن قدومه للاستفسار عن سبب ما حدث كان غير متوقع بالنسبه لها ومع ذلك اعترضت فيروزة كالعادة على تفسير الموقف والاستهانة بإيذاء والدتها فصاحت بنبرتها الحانقة
لأ مش كده خالص 
ثم سلطت عينيها المشتعلتين على طيف هيثم الذي انصرف قبل لحظات تهينه من جديد فنارها لم تبرد بعد
ما هو الحيوان قريبه وقع أمي على الأرض وبهدلها زي ما إنت شايف 
بدا الوجوم المختلط بالتردد ظاهرا على تعابير خالها لم يحبذ أبدا ان يكون طرفا في أي جدال أو مناوشة مع الحاج بدير وأقربائه فالنتيجة ستكون محسومة من البداية لصالحهم تنحنح متسائلا في رهبة وهو يخشى النظر إليه
قصدك مين
هنا أجابه بدير موضحا ومبادرا في لفتة طيبة منه
هيثم ابن أخت الحاجة يا خليل وأنا قولتلها حق أمها على راسي فمافيش داعي نكبر الحكاية!
حملق فيه في شرود غير مصدق لما تلفظ به للحظة طرأ في باله أن يستغل تلك الفرصة الجهنمية في الاستفادة من ذلك الرجل السخي والحصول على مصلحة ما يجني من ورائها أي أموال أو منفعة تعود عليه بالنقود وفي سرعة خاطفة اتجه نحو أخته يضمها من كتفيها في حنو زائف ادعى تفحصه لساقيها وهو يسألها
إنتي كويسة ياختي 
تقوس فم حمدية في تأفف وهي ترى ما يفعله مغمغمة مع نفسها
هو الراجل اتهبل ولا ايه
تابع خليل اهتمامه بأخته متسائلا
حاسة بإيه في حاجة بټوجعك قوليلي ومټخافيش من حاجة
ردت آمنة بنبرة مهتزة وهي تحاول استيعاب خوفه عليها
يعني شوية!
تقلص وجه حمدية في امتعاض من تصرفه فكيف له أن يتصالح معها هكذا بعد أن تعقد العلاقة بينهما رددت مع نفسها وهي تنفخ بصوت مسموع
دي إيه الحنية اللي هبطت عليك فجأة دي!!!
إشارة خفية من حاجب خليل لزوجته استطاعت أن تلمحها جعلها تعيد التفكير مليا فقد تفقه ذهن حمدية الداهية إلى تلك الحركة اللئيمة الصادرة من زوجها فمن المستحيل أن يعفو عن أخته بعد المشادة التي دارت بينهما هكذا بسهولة ولكونها قادرة على تفسير تصرفاته دون مجهود يذكر فأدركت أنه يحاول تصيد هذه الفرصة ولهذا ودون استئذان أو توجيه خطت نحو آمنة تسألها أيضا في خوف مفتعل وحسرة آسفة بعد أن انحنت قليلا نحوها لتنفض التراب العالق بعباءتها
مالك يا حبيبتي هو إنتي كنتي ناقصة وقعة ده كفاية هدة الحيل اللي إنتي فيها ليل نهار!
تدلى الفك السفلي ل همسة في اندهاش متعجب حتما ليست تلك زوجة خالها المتسلطة التي تزعجهن دوما بكلامها الوقح وأسلوبها الفظ! كانت صافية النية لتفطن للحيلة التي تحاك على والدتها بينما على النقيض فهمت فيروزة التمثيلية الساذجة التي يحاول الاثنان تأديتها لكنها كانت هزلية مفتعلة خالية من العاطفة والمحبة الصادقة استشاطت نظراتها حينما اصطحب خالها الحاج بدير ليتحدث معه بعيدا عن أسماعها بدا كما لو كان يخطط لشيء ما نظرت له باسترابة وهي تحاول ضبط انفعالاتها حتى لا تنفلت وتتصرف بعصبية فتخسر ما لا تملكه بعد 
وبكل تملق وابتسامات زائفة بادر خليل مقترحا وكأنه يصنع جميلا مع صاحب الشأن
اعتبر الموضوع منهي يا حاج بدير العيال ياما بتغلط ولازمهم قرصة ودن صغيرة ما احنا كنا زيهم 
ثم أطلق ضحكة سخيفة مفتعلة قبل أن يقطعها ليكمل بخبث
وأنا تحت أمرك لو احتجت أي حاجة إنت عارفني أنا بأحب أخدم الحبايب الغاليين اللي زيك برموش عينيا وبدون مقابل ده احنا بينا عشرة وجيرة 
رد عليه بهدوء وقد كان وجهه غير مقروء التعبيرات بالنسبة له
ربنا يعمل اللي فيه الخير ما أنا
بردك شايلك لوقت عوزة
سأله خليل في إلحاح
طب مش عايز مني حاجة
رد نافيا وشفتاه تقوستا قليلا لتظهر ابتسامة صغيرة
لأ تسلم
مد يده لمصافحته قائلا
يدوم المعروف يا حاج هاروح أسلم على عريسنا نوارة الحتة وربنا اللي عالم ده غلاوته من غلاوة عيالي
انتهى من مصافحته وربت على كتفه يشكره على كلماته المجاملة
الله يباركلك  
تأكد خليل في قرارة نفسه أنه نجح في خلق فرصة له من العدم معه وأنبئه حدسه أن ما يصبو إليه سيتحقق خلال أيام ما عليه إلا الصبر والانتظار  
ليه يا ماما خلتيني أسكت
دمدمت فيروزة بتلك العبارة التي عكست نقمها على رضوخ والدتها وتنازلها عن حقها ارضاء لأخيها وكأنها قد تحولت للتابع المطيع لسيده وكل هذا فقط من أجل استعادة وده مرة أخرى نفخت آمنة في استياء من تزمت ابنتها وقالت لها بحدة طفيفة مبررة أسبابها وهي تسير بتعرج خفيف
خلاص بقى يا فيروزة أنا مصدقت خالك رجع يتكلم معانا!
ردت باستنكار وقد ارتفعت نبرتها قليلا
وهو عملنا حاجة بالعكس ده طلع بمصلحة على قفانا!
ضغطت على شفتيها قائلة
عفا الله عما سلف 
احتجت عليها ابنتها هاتفة
بلاش الطيبة دي الله يكرمك يا ماما هي اللي مضيعة حقك 
نظرت لها أمها من طرف عينها قبل أن تشيح برأسها لتقول لها
أنا كده ومش هاتغير مابعرفش أشيل من حد والدم عمره ما يبقى مياه!
كزت على أسنانها مبدية اعتراضها على ذلك الأسلوب المستسلم المسامح لأخطاء الآخرين
يا ماما 
قاطعتها همسة بلطف حتى لا تضغط على والدتها وتزيد من إرهاقها بتشددها
كفاية يا فيروزة ماتتعبيش ماما 
التفتت نحوها قائلة في اعتراض ووجهها يكسوه تعابير قاسېة
دلوقتي كلامي اللي بقى بيقف في الزور
هنا أضافت والدتها في نفاذ صبر بعد أن ضجرت من عنادها معها
هو إنتي لازم تعكنني علينا
ردت بحدة وانفعال
الله كمان أنا اللي بقيت سبب النكد
تأبطت همسة ذراع أختها وأجبرتها على السير بتباطؤ ترجوها
اهدي يا فيرو لو سمحتي 
نفضت ذراعها عنها تقول
أنا هاروح العربية 
استدارت والدتها مرددة في حسم
بلاش منها الليلادي ماسمعتيش مرات خالك وهي بتقول هتعدي علينا
عضت همسة على شفتها السفلى متذكرة عبارتها الأخيرة قبل أن ينفض التجمع تساءلت في حيرة وقلق ونظراتها مركزة مع وجه أختها المتجهم
أه صح طب هنعمل إيه
ردت فيروزة بعصبية وقد فقدت آخر ذرات صبرها
والله احنا اللي بنجيب الهم لنفسنا بقى حمدية دي يتعملها حساب
توقفت آمنة عن السير لتستدير كليا ناحيتها ثم تطلعت إلى ابنتها تقول في عتاب محسوس
نفسي في مرة تسمعي كلامي من غير ما تضايقيني 
كانت كراهيتها لتلك المرأة قد وصلت لمنتهاها ومع ذلك سحبت نفسا عميقا تحاول به ضبط أعصابها المستثارة تصنعت الابتسام لتبدو لطيفة وهي ترد على والدتها
حاضر يا ماما  
لكن ما لبث أن تحولت ملامحها للجدية وهي تكمل بصوت أقرب للتحذير
بس افتكري إن العقربة دي هتعمل حريقة في بيتنا قريب 
علقت عليها والدتها في يأس
برضوه يا فيروزة! مافيش منك أمل!!
كانت ابنتها صعبة المراس غير قابلة للتفاوض ولا تقبل بالحلول الوسطى نفذت قدرتها على الجدال معها لذا تركتها واتجهت لمدخل البناية مستندة على الجدران لتخفف من إحساس الألم الذي أصاب ركبتيها لتختفي بالداخل في حين تلكأت فيروزة في خطواتها لتبدو قريبة من أختها التي بدت نوعا ما شاردة سألتها مباشرة وكأنها قد تذكرت الأمر للتو
صحيح كنتي عاوزة تقوليلي إيه عن العريس  !!!!
يتبع
الفصل الحادي عشر الجزء الأول
رمشت بعينيها في بطء وهي
 

تم نسخ الرابط