الطاووس الابيض لمنال سالم
بعفوية وعيناها تدرسان قسماتها التي تتباين في ردات فعلها في وقت قياسي
طب هاشوفك تاني
هتفت توبخه بنظراتها دون أن تتوقف
أفندم تشوفني
ابتلع ريقه حين قرأ بوضوح تعابيرها المزعوجة ثم برر بلطف حتى لا تنفر منه
قصدي يعني أتمنى أشوفك مع علا مرة تانية قبل ما أسافر
اختلج وجهها بحمرة متوترة رن صوتها الرسمي في أذنيه حين ردت وحاجباها معقودان في ضيق
إن شاءالله
كان الطقس لطيفا بالرغم من التجمعات الكثيفة للسحب منذ وقت الظهيرة اعتقد تميم أنها لن تمطر سيظل الجو غائما فقط ولكن بدأت زخات المطر في الهطول ليضطر أسفا أن ينهي أعماله في الميناء مبكرا بعد تعبئة السفن بأطنان من الفواكه والخضراوات استقل سيارته وتحرك ببطء في الشوارع الرئيسية عائدا إلى منزله ولكنه توقف عند أحد محال البقالة ليبتاع ما ينقص بيته تنفيذا لأوامر زوجته وكالعادة أزعجته خلود باتصالاتها المتعاقبة على مدار ساعات اليوم الطويلة أجابها لينتهي من ذلك الکابوس المستمر قائلا بتبرم
يا ستي أنا جبت كل حاجة ارتاحي شوية
سألته بدلال لا يستلطفه
طب هترجع امتى أنا مستنياك عشان ناكل سوا يومي ما بيكملش من غيرك!
رد على مضض
شوية كده
موحشتكش
أكيد وحشتيني
طب قولي النهاردة كان آ
وقبل أن تستأنف باقي أسئلتها كتحقيق متبع خلال يومه الممل هتف منهيا المكالمة
يالا سلام دلوقتي يا خلود عشان في لجنة قصادي
رأى تميم بضعة أفراد من الشرطة يقفون على مسافة منه يفحصون كل المركبات السائرة على الطريق ليتأكدوا من صلاحية رخصة قائديها لم يلق بالا للأمر لالتزامه بمعايير القيادة الآمنة لكن رنين اتصالات خلود الزائد كان مرهقا بالنسبة له بعد عناء يوم شاق ردد مع نفسه في تذمر
إيه طلباتك مابتخلص!!!
الټفت على يساره ليلقي نظرة خاطفة على المتجمعين أسفل تندة تخص أحد محال الثياب خفقة مباغتة ذات تأثير قوي داعبت قلبه حين رأها تحتمي بينهم من المطر تطلع بإمعان ليتأكد منها لم ېكذب الفؤاد بالفعل كانت متواجدة بشحمها ولحمها تضع حقيبتها أعلى رأسها حتى لا يبتل شعرها توترت أنفاسه وردد مذهولا وهو يرمش بعينيه
مش معقول دي هي!
وكأنه أصيب بحمى عجيبة تسببت في ارتفاع حرارة جسده بل وأصابت عقله بلوسة غريبة تنفس بعمق ليهدئ من انفعالاته التي اهتاجت فجأة أوقف السيارة على الجانب المقابل من الطريق وتلك الرجفة تسري فيه أدار رأسه مرة أخرى لينظر نحوها كانت تجذب عينيه ليتأملها مليا دون ملل بدت فائقة الجمال وقد ابتلت أطراف شعرها انقبض قلبه من جديد بقوة حين نفضته لتزيح العالق من مياه الأمطار ضحكة رجولية عالية غير مريحة لفتت انتباهه وانتشلته من تحديقه الواله بها لتتبدل بعدها تعابيره الساهمة لوجوم غاضب حرك رأسه بسرعة ليجد بعض الشباب يمرحون فيما بينهم هاجت دمائه من احتمالية تفكير أحدهم في مضايقتها خاصة أنها كانت بمفردها لذا دون إعادة تفكير ترجل من سيارته مقنعا نفسه أنه سيتعامل معها بدافع الشهامة
وبخطى متعجلة كان يقطع الطريق أشواطا ليصل إليها وقف قبالتها كانت ذات رونق مثير وجذاب بشكل لا يحتمل جعلت أنفاسه تضطرب دارت عيناه على ثيابها الأنيقة لتحفر وصفها في مخيلته بدت بيضاء للغاية تنفس ببطء ليستعيد ثباته وبالرغم من كفاحه المستميت إلا أنه حين استطرد يناديها خرج صوته مغلفا بلعثمة طفيفة
آ يا يا أبلة
تدلى فك فيروزة السفلي في اندهاش مستهجن حين رأته أمامها الآن اكتملت ليلتها برؤيته غامت نظراتها مرددة بضيق بائن عليها
إنت!
نظرة واحدة منها كانت كفيلة بإرباكه توتر أكثر وفقد تركيزه وهو
يحاول إيجاد المقدمة المناسبة ليستهل بها حديثه معها خاصة أنها من النوع المتهور المندفع الذي يتحين الفرص للانقضاض عليه مرر يده على رأسه وتنحنح قائلا بتمهل
أنا مش جاي أضايقك بس الجو وحش زي ما إنتي شايفة ومافيش مواصلات كتير
نظرت له متسائلة
والمطلوب
ضغط على شفتيه للحظة قبل أن يجيبها بحذر
ماينفعش وقفتك كده
على الفور حدث ما يخشاه بدأت فاصلا من الھجوم عليه فقالت بتهكم أزعجه
وحضرتك مالك أخصك في حاجة وأنا معرفش قريبتك مثلا
توقفت للحظة عن عمد لتصيبه بالضيق أكثر قبل أن تواصل بنفس الأسلوب الساخر
يمكن خطيبتك أه ولا جايز مراتك
راقب عصبيتها بنظرات غريبة وكأنه يدرسها ما زالت تثير كلا من دهشته وتحفظه بالرغم من الحنق المتبادل بينهما لكنها كانت محقة في كلامها الأخير لا توجد صلة بينهما ومع هذا قال بخشونة حتى لا تتمادى في هجومها القاسې عليه
في إيه لكل ده أنا كنت عاوز أوصلك باعتبار إن سكتنا واحدة حاجة إنسانية يعني
تقوست شفتاها بضحكة مستهجنة قبل أن تغمغم بوقاحة
لما أعوز أركب سفلأة مجانا هاقولك!
صډمه ردها الفظ وردد بعينين متسعتين
نعم!
هتفت باستعلاء وكأنها تحتقره
اللي سمعته!
سدد لها نظرة ڼارية حانقة ورد عليها بغلظة
يا ستي أنا غلطان إن شاءالله ما ركبتي
لكن لانت نبرته بمقدار بسيط حين تابع
بس الوقفة وسط الرجالة ماتصحش مافيش آمان يا أبلة لحد!
نبع خوفه الصادق عليها من قلبه استشعرت ما ينتابه من قلق وبعفوية التفتت للجانب لتجد ذلك التجمع الرجولي الزائد تلبكت من وجودهم الكثيف أحست بالخطړ محاوطا بها وإن كانت تدعي شجاعتها بعض المواقف تحتاج للتقييم جيدا قبل اتخاذ القرار الحاسم انتصبت بكتفيها وعلقت حقيبتها التي تهدلت سلسلتها على كتفها من جديد ثم قالت بنبرة عازمة دون أن تنتظر الرد منه
خلاص هامشيها والمشي رياضة!
وبخطوات جمعت بين الثقة والخيلاء بدأت بالسير على الرصيف متجاوزة إياه لتبتعد عنه وهو يكاد لا يصدق أنها فعلت الأسوأ وسارت تحت المطر لتبتل كليا ضړب كفا بالآخر متعجبا من عنادها وهو يردد لنفسه
رهيبة بالله ما شوفت كده!
أزاحت فيروزة بيدها خصلاتها التي التصقت بجبينها ولم تدرك أنها أسقطت مشبك رأسها بحركتها المتعصبة لمح تميم ذاك الشيء الذي وقع منها وأحدث ارتطامه بالرصيف تناثرا للمياه سار خلفها باحثا عنه كان بريقه واضحا ليتمكن من العثور عليه انحنى ليلتقطه تأمله في استمتاع وقال مداعبا وتلك النظرة الدافئة تلتصق بطيفها المبتعد
طاووس فعلا
تراءى له بوضوح ما يجب أن يفعله معها دون أن يثير الجلبة سيتبعها كظلها بسيارته إلى أن تصل إلى منزلها في سلام بالفعل منح نفسه الوصاية عليها وڼصب نفسه حارسا عليها وإن لم تعلم ذلك !!!
الفصل السابع والعشرون
شبت منذ نعومة أظافرها على فكرة أن تكون له وحده لم تر سواه ولم تعرف غيره! هيأتها والدتها لتكون رفيقة دربه دون أن تمنحها حق الاختيار بل وتأتي منه بالوريث الوحيد لثروة تلك العائلة ليستريح والدها في قپره ورضخت بكامل قواها العقلية لإرادتها لكون الأمر على هواها فأصبح شاغلها الوحيد وطوال أعوام عاشت بخيالها داخل ما أسمته حبها الأفلاطوني وإن كان من طرفها فقط وبدون وجوده ليشاركها في تفاصيل حياتها تأصل بداخلها رغبة أنانية في امتلاك كل ما يخصه قلبه مشاعره جوارحه وحتى أنفاسه التي يتلفظها لم تتدرك خلود أنها حولت أحلامها الوردية إلى هوس خاص بها ازداد عمقا بمرور الأيام وحين أصبح شريكها عجزت عن امتلاكه مثلما طمعت كان يأبى استحواذها غير المقبول عليه تحكمها الزائد فيما يخص أمور حياته حتى التافه منه ولم تمنحه الفرصة لاستيعاب حبها بغير شروط بل لجأت لحيلة سهلة التنفيذ كما أوصتها والدتها وحاصرت المشاعر المتبادلة بينهما تستنزف قواه أولا بأول معتقدة بذلك أنها إن امتلكته
تفقدت ألبوم الصور الفوتوغرافية الذي جمعت فيه صور حفل الزفاف بعينين حائرتين وهي تستلقي على الأريكة تأملت وجه تميم بدقة لم يبتسم بسعادة لم تظهر علامات البهجة على قسماته كان في أغلب اللقطات إن لم تكن جميعها بلا تعبير مقروء رددت بتنهيدة وكأنها تخلق المبررات لنفسها لتقنع عقلها بتقبل جفائه
حتى لو مكونتش بتحبني أد كده فإنت هتفضل ليا!
اعتلى شفتاها ابتسامة واثقة حين أضافت
وبكرة لما أجيبلك ابنك وحفيد العيلة اللي من صلبك الضحكة هترجع لوشك ومش هاتقدر تبعد عني!
استغرقت في أفكارها الحالمة لبعض الوقت إلى أن رن هاتفها المحمول أخرجت زفيرا بطيئا من جوفها وهي تمد يدها بتثاقل لتأتي به من على الطاولة نظرت إلى اسم والدتها وأجابت بتكاسل ملحوظ
أيوه يامه
صاحت فيها الأخيرة بضيق انعكس جليا على نبرتها
مابترديش ليه على طول وراكي الديوان وأنا
معرفش
استغربت من عصبيتها وتساءلت
مالك داخلة فيا كده إيه اللي مضايقك يامه هيثم عمل حاجة تاني
ردت بتبرم
هو عامل حاجة غير إنه قرفني بالمعدولة همسة تقولش مافيش إلا هي اللي خرطها خراط البنات!
علقت خلود في ضجر وهي تغلق ألبوم الصور لتطرحه جانبا
بكرة ينساها يومين وهيرجع زي ما كان
استطاعت أن تسمع صوت زفيرها قبل أن تضيف
مش باين قوليلي جوزك رجع ولا لسه برا
أجابتها بزفير بطيء
في الطريق
أكملت متسائلة باهتمام
طب كويس ها طمنيني في أخبار الشهر ده تفرح
عادت خلود لتتذكر تحليل الحمل المنزلي الذي أتت به بالأمس لتختبر سرا إن كانت تحمل في أحشائها جنينا أم لا حين تأخرت عليها زائرتها الشهرية يومين كانت النتيجة لا شيء واليوم حلت ضيفتها بآلامها لتقلب مزاجها وتنغص أحلامها وبنفس الوجوم جاوبتها مبتلعة تلك الغصة المريرة في حلقها
لأ مافيش نصيب
شعرت بنبرتها الحانقة تخترق أذنها وهي تلومها
إزاي يا بت طب عملتي اللي قولتلك عليه
شردت متذكرة شريط الأقراص الدوائي الأزرق الموصوف لأصحاب الحالات المړضية التي تعاني من ضعف في العلاقات الزوجية والذي أحضرته لها والدتها بعد بضعة أيام من زواجها وأمرتها دون نقاش معاها بدسه لزوجها وسط الطعام يوما بعد يوم لتنشط خلاياه وتعزز من نزعاته الذكورية حتى تزداد رغبته في ابنتها إن كان ينبذها وفي نفس الوقت تتمكن سريعا من الحمل تقلصت تعبيراتها وأطلعتها بالتفصيل على ما قامت به وقالت
أيوه طحنت الأقراص وحطيتهم في الأكل بتاعه مخلتش في
نفسه حاجة إلا وعملتها عشان أضمن إنه ياخده
خالفت ما أوصاها به تميم من عدم إطلاع أي فرد من عائلتهما على أسرار غرفة النوم بأن تكون علاقتهما الحميمية منحصرة بينهما لا وسيلة للتداول على الألسن فعلت النقيض والأسوأ بكثير دون علمه أو مراعاة مدى التأثير الجانبي السلبي عليه لإفراطه في تناول تلك المواد المنشطة معتقدة أنها بذلك تزيد من استحواذها عليه سألتها والدتها بتلهف
وبياكل ولا بيحصل إيه فهميني
أجابتها مؤكدة على مسامعها
أيوه مافيش وجبة فوتها وبعدها بيحصل المراد يامه
تساءلت بثينة في حيرة
أومال في إيه ده المفروض يجيب جيش قرود بعد الطفح ده كله واللي بتعمليه فيه!!
عقبت على مضض
هو مقصرش معايا بيه أو من غيره تميم بيقوم بدوره
قالت لها بنوع من المواساة
مش عارفة أقولك إيه بس لسه الوقت مأزفش
أيوه
استأنفت بثينة نصائحها الماكرة فأوصتها مشددة
المهم ابلفيه تحت جناحك بالدلع والشخلعة مرة بالبرشام والذي منه مرة ما تخليهوش على بعضه مش عايزاه يشوف إلا إنتي اسمعي مني يا خلود الرجالة مالهاش أمان واللي زي جوزك كنز سهل واحدة تجره ليه لو مكانتش عينه مليانة منك املي مزاجه وسيطري عليه
توهجت حدقتاها بوميض غريب وردت بثقة
حاضر إنتي مش محتاجة توصيني عليه أنا مهما عمل تميم فهو بتاعي مش هايكون لحد غيري!
فسد حذائها الأبيض بفعل مياه الأمطار التي اخترقت جلده وتشبعت به فأصبح فعليا وعاء تغوص فيه قدميها سارت بتذمر وهي تلوم نفسها على تسرعها تلك المرة في اتخاذ القرار لما لم تعاند نفسها وتستقل سيارة أجرة فالشوارع لا تصلح للسير ولا الأرصفة ممهدة بشكل جيد يقيها من العثرات المفاجئة بعد عناء وصلت فيروزة إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى بيتها التفتت لتنظر إلى جانبيه قبل أن تعبره ذهلت حين رأته يسير بسيارته بهوادة ليبدو قريبا منها تجهمت تعبيراتها وصاحت فيه
إنت بتراقبني
رد تميم ببرود ومرفقه مستند على حافة النافذة المنخفضة
لأ
سألته بضيق وهي تلوح بيدها
أومال بتسمي اللي بتعمله ده إيه
أوقف محرك السيارة وترجل منها وهو يجيبها مازحا بابتسامة صغيرة تعبر عن هدوئه
ولا حاجة وأكيد مش شغال في المخابرات عشان أراقبك!
تقدمت نحوه ورمقته بنظرة قوية قبل أن تخبره
يا حضرت إنت ماشي ورايا ليه لحد بيتي
فرد ذراعيه في الهواء موضحا لها بثقة ونظراته المغترة تتراقص في حدقتيه
أنا ماشي في شارع الحكومة أسفلت زي أي أسفلت
ثم وضع يده أسفل ذقنه مدعيا التفكير قبل أن يتابع متسائلا بنبرة ساخرة
ولا يكونش من أملاكك وأنا معرفش ومعلقين يافطة كاتبين فيها بالبونط العريض ممنوع الدخول ل تميم عشان الأبلة ماتضايقش!
انزعجت من جملته التهكمية وقالت بعصبية وهي توليه ظهرها
أنا غلطانة إني واقفة هنا أصلا
شبك ساعديه أمام صدره ورد عليها
وأنا مش ماسكك اتفضلي خليني أرجع بيتي
أدرك على الفور زلة لسانه التي انفلتت دون قصد منه فتوقفت فيروزة عن السير وقد سمعتها بالفعل لتستدير نحوه فأشار بسبابته مبتسما ببلاهة
الدنيا أصلها زحمة ومطر وحاجة صعب الصراحة الواحد المفروض يخليه في البيت
هزت رأسها في عدم تصديق وتابعت السير بخطوات متعجلة قاصدة مدخل منزلها تنفس الصعداء وهو يوبخ نفسه على ذلك الخطأ أرخى ذراعيه وتحسس جيب بنطاله ليبحث عن ولاعته لكنه تذكر مشبك الرأس الذي وجده أخرجه من جيبه ليتطلع إليه في حيرة تردد في إعادته لها وقبض عليه براحته خشي أن تظن أنه يتمادى معها قرر الاحتفاظ به لكن عادت ذكرى حاډثة منديل الرأس لتنشط عقله وقال لنفسه بنوع من التحذير
كده هعمل مشكلة تاني مع خلود وماينفعش أكدب عليها! المرة اللي
فاتت عدت على خير مالوش لازمة أجيب ۏجع الدماغ لنفسي!
عقد النية على قيادة السيارة والالتفاف حول منزلها ليتمكن من اللحاق بها ومن ثم إعطائها إياه تجنبا للمشاكل
في تلك الأثناء جمعت فيروزة بيديها شعرها المبتل وكأنه تمشطه حتى لا يلتصق بوجهها ولجت إلى مدخل المنزل وهي غير منتبهة لذاك الشخص القابع في العتمة وعلى ما يبدو لم يتوقع هو الآخر رؤيتها شهقة مباغتة خرجت من جوفها حين لمحته جالسا على الدرج وهو يحني رأسه على صدره في البداية ظنت أنه لص قد جاء لسړقة المنزل ولكن لماذا يجلس هكذا تساءل عقلها بمنطقية قبل أن ينبذ تلك الفكرة دنت منه بحذر وقد استجمعت شجاعتها دققت النظر فيه لتتبين ملامحه وهي تتساءل بصوت حاولت أن يبدو ثابتا حتى لا يظهر خۏفها الغريزي
إنت مين وقاعد كده ليه
رفع هيثم رأسه ليجدها أمامه وكأن كراهية الدنيا كلها قد تجمعت في عينيه بمجرد رؤيتها تحديدا تفاجأت هي الأخرى بوجوده وبادلته مشاعر العداء استند على مرفقيه لينهض من جلسته المتعبة هبط الدرج نحوها يلومها بنبرة حانقة للغاية
إنتي السبب!
لم تتخل عن جأشها وصاحت فيه دون رهبة
إنت بتعمل إيه هنا
بدا هيثم في حالة غريبة منذرة بطوفان من الڠضب المكتوم شعرت بذلك في صوته عندما أخبرها
إنتي اللي مخلياها ترفض ترجعلي
تراجعت على درجات السلم بظهرها لتمنح نفسها مسافة آمنة قبل أن يفكر في الھجوم عليها وبتمهل حذر ردت عليه
روح لحالك مافيش نصيب
صړخ بها
من الأول وإنتي حطاني في دماغك بتكرهيني من غير سبب
ابتلعت ريقها وعلقت عليه
وأنا في إيه بيني وبينك
هدر بها بصوته الغاضب وقد واصل هبوطه متجها نحوها
وأنا عملتلك إيه مكانتش غلطة حصلت وأنا مكونتش في وعيي ساعتها!
استنكرت استخفافه بتأثير خسته على حالة توأمتها النفسية وانتفضت تصرخ فيه
بتسمي اللي عملته فيها غلطة بتتهجم عليها والله أعلم كان إيه ممكن يحصل لو ملحقتهاش إنه غلطة المفروض بعد ده نتكسف على دمنا ونسكت ونرضى بيك!!!
رد پألم وتلك الدمعة المقهورة تفر من عينه
وخدت جزاتي خلاص ليه عاوزة تحرميني منها
قالت بقساوة وقد هبطت الدرجات بالكامل لتصبح أمام المدخل
أختي مش هاتجوزك مهما حصل
توسلها بنبرة تميل للبكاء علها تمنحه الأمل
خليني اتكلم معاها أشرحلها موقفي
رفضت طلبه دون تفكير
مش هايحصل!
يئس من إقناعها بالعكس لتزداد قناعاته بأنها متسلطة ومتحكمة فيما يخص شئون خطيبته السابقة باح بما ينتاب عقله من هواجس في تلك اللحظة واتهمها
إنتي ضاغطة عليها عشان ماترجعليش من وقت ما اتقدمت لأختك وإنتي مش راضية بيا زي الشوكة في الزور!
نظرت له باستحقار قبل أن تقول منهية الحوار معه
هي مش عاوزاك وخلاص ده باب واتقفل في وشك روح لحال سبيلك ملكش نصيب اتفضل
وقف هيثم قبالتها ينظر لها بكل ما يعتريه من غيظ وغل احتقنت عروقه من شدة حقده المتعاظم رفع يده يهددها بلا وعي
وأنا مش هاسيبك تمنعيني عنها إنتي السبب!
تحدته بجراءة وهي تبتعد عنه لتقترب من الرصيف
لو ما خرجتش بالذوق هاجيبلك البوليس
لحق بها قبل أن تخرج من المدخل وأمسك بها من رسغها ليوقفها ثم جذبها بقسۏة للداخل وهو يأمرها بصوته المحتد
استني هنا!
استخدمت فيروزة حقيبتها كوسيلة دفاعية لټقاومه بكل شراسة رفعتها أمام وجهه وضړبته بأقصى طاقتها على صدغه لتؤلمه وهي تصيح به
ابعد عني!
أحدث قفلها المعدني خدشا واضحا في صدغه استشاطت حدقتاه على الأخير وتطلع لها بشړ مبين وقبل أن يفكر في الرد عليها كان تميم يقف حائلا بينهما بجسده وهو يناديه بصوته الأجش القاسې
هيثم!
شلت المفاجأة تفكيره ووترته لحظيا لم يتوقع
ظهوره في ذلك التوقيت جف حلقه ونظر له بترقب في حين استل تميم معصمها من قبضته ورمقه بنظرة قاتمة منذرة جعلته يتراجع على الفور للخلف ثم سأله بغلظة
إنت بتعمل إيه هنا
لم يجبه ونكس رأسه خزيا بينما ردت فيروزة من خلفه تتوعده
أنا هاطلبله البوليس عشان يترب
الټفت تميم نحوها يقاطعها بصيغة آمرة
اهدي يا أبلة وخليني أفهم الأول منه!
نظرت له بحنق قبل أن ترد بما يشبه التهكم
أه طبعا ما هو قريبك لازم تحاميله!
وفجأة سمع كلاهما صوت بكاء حارق جعلهما يتطلعان للأمام ويتشاركان في نفس الصدمة حيث اڼفجر هيثم باكيا وهو يجثو على ركبتيه متوسلا
ليه محدش عايز يسمعني أو حتى يصدقني للدرجادي مستحقش فرصة تانية أثبت ل همسة بيها إني اتغيرت
حملقت فيه بازدراء قبل أن تغمغم
قالوا للحرامي احلف!
صړخ باهتياج وهو يتطلع لها بعينيه الملتهبتين
طب اعمل إيه عشان تصدقوا إني ندمان وفعلا بأحبها!!
هتفت فيه فيروزة تلوح بذراعها وقد ظهر الاستنكار في صوتها ونظراتها إليه
حب دي معرفتها بيك مكملتش كام يوم!
رد بحړقة وذاك الوخز يحز في قلبه
أقسم بالله حبيتها من أول نظرة
قالت بقسۏة وبوجه جليدي صارم
والمفروض أنا عبيطة وهصدق ده
انفلتت أعصابه وفقد القدرة على التحكم في انفعالاته نهض بمشاعره المحتقنة من على الأرض وتلفت حوله بنظرات غائمة ثم اقترب من الحائط واستند عليه بكفيه وبدأ بضړب رأسه به بشكل چنوني عڼيف ودون توقف وهو ېصرخ في إحباط مټألم
قوليلي أعمل إيه طيب ردي عليا
توترت فيروزة من هيئته الهائجة وانتفض جسدها مع ضرباته المرعبة التي كادت تهشم رأسه نظر له تميم مذهولا وأسرع نحوه ليبعده عن الحائط مرر ذراعيه أسفل إبطيه وسحبه للخلف محاولا تحجيم نوبة جنونه المخيفة قيد حركته قائلا له بما يقارب الرجاء
اهدى يا هيثم إنت ھتموت نفسك!
صبغ كامل وجهه باللون الأحمر القاني ومع ذلك تابع بصوته المټألم لكن بوهن
أنا ژبالة وابن وكل يوم بأضرب نفسي بالجزمة عشان كنت نجس معاها!
وبفم مفتوح ونظرات غير مصدقة للمشهد الدموي المقشعر للأبدان رددت فيروزة لنفسها
ده اټجنن ولا إيه
ركز تميم عينيه نحوها يأمرها
اطلعي فوق
دلوقتي
همت بالاعتراض لكن صوته الصارم واصل القول
عجبك حالته دي
بالطبع لا هكذا قالت في نفسها دون أن تنطق هي ليست بتلك القساوة لتعلن عن غبطتها لرؤيته أحدهم يأذي نفسه بتلك الصورة البشعة وكأنه يدفع حياته للهلاك ضغطت على شفتيها بقوة وانسحبت مرغمة لتصعد على الدرج لكنها توقفت عند المنتصف لتلقي نظرة متابعة للمشهد رأت تميم يلف ذراعه حول كتفي هيثم ليرفع جسده عن الأرضية مما يسهل عليه اقتياده نحو الخارج وظهر الأخير في حالة وهن شديدة ناهيك عن بقع الډماء التي لوثت ثيابه والأرضية وللمرة الأولى تشعر نحوه بالأسف والإشفاق
لوعة أم ارتعاب أم كلاهما معا هو كل ما شعرت به في تلك اللحظة حين أطل عليها زوجها وهو يجر أخيها جرا للداخل كانت رأسه مضمدة بالشاش الأبيض ووجهه في حالة ذبول وإرهاق انهالت عليهما بالأسئلة المتواترة وكأنهما في تحقيق رسمي التزم تميم الصمت ونظر لها بعينين تقدحان حنقا اضطرت خلود أن تبتلع لسانها مؤقتا وتبعت الاثنين بقلب واجف مرتعد إلى غرفة النوم الفرعية والخاصة بالأطفال ليتمدد هيثم على الفراش الفردي وقد كان شبه فاقد للوعي لكن أنينه الخاڤت لم يتوقف سحب تميم الغطاء على جسده ملقيا نظرة أخيرة مهتمة عليه قبل أن يدير رأسه في اتجاه زوجته ليأمرها بصوت خفيض
كلمي أمك وقوليلها أخوكي هيبات عندنا الليلة من غير ما
ترغي معاها كتير في أي تفاصيل!
سألته في تلهف ونظراتها القلقة ترتكز على أخيها
حصله إيه وإيه اللي في وشه ده إنتو كنتوا بتتخانقوا
رد نافيا بصوته الهامس
لأ
نظرة شمولية جابت بها على جسد زوجها لم يكن مصاپا أو بوجهه كدمات سألته لتتأكد
إنت كويس حصلك حاجة
هز رأسه بالنفي لكنها تابعت تساؤلاتها المتوجسة
أومال إيه اللي حصل هيثم عمل مصېبة جديدة فهمني يا تميم! ماتفضلش ساكت كده!
أمسك بها من ذراعها ودفعها برفق بعيدا عن الفراش حتى لا توقظه بضجيج صوتها المرتفع خرج بها من الغرفة وأغلق الباب بهدوء لينظر لها بعدها بحدة وهو يعاتبها
سيبي أخوكي يرتاح الأول
وضعت يدها على ذراعه وسألته في قلق
مين عمل فيه كده
أجابها باقتضاب وهو يسير في الردهة متجها إلى غرفة نومه
محدش
تبعته بخطى متعجلة تلح عليه
ماتسبنيش كده على ڼاري احكيلي بالظبط إيه اللي حصله!
لم يكن تميم في حالة مزاجية رائقة ليسرد لها بالتفصيل ما فعله خلال الساعة الماضية التي تضمنت تهور أخيها في منزل همسة واضطراره للتدخل وإسعافه على الفور ثم نقله من المشفى إلى منزله وإبقائه تحت ناظريه بناء على تعليمات الطبيب المعالج له حتى لا يكرر تصرفه الطائش ويتسبب في إلحاق الضرر الجسيم بنفسه وحينها ربما لن يتمكن من إنقاذه خلع سترته الجلدية نافخا في ضيق من ملاحقتها له بالرغم من صمته المشحون واستدار يقول لها بتعب
بعدين يا خلود روحي اعملي اللي قولتلك عليه والصبح هاحكيلك كل حاجة
قالت بنظرات معاندة وهي تمسك به من ياقة قميصه لتديره نحوها
لأ دلوقتي
فاض به الكيل من إصرارها المزعج لذا أزاح يدها عنه وزفر عاليا بضيق جم ثم اتجه للفراش ليجلس على طرفه نازعا قميصه المتسخ عنه وهو يهدر بها بنفاذ صبر
يووه أنا تعبان يا خلود قدري ده شوية
ردت على مضض وهي تنحني لتلتقط قميصه الذي ألقاه بعصبية أسفل قدميه
حاضر بس لما أخلص معاها هتقولي على كل حاجة تخصه
ربنا يسهل
قالها وهو يعاود النهوض ليتجه إلى الحمام ليغتسل ظلت أنظارها ممسكة به إلى أن ولج للداخل وأغلق الباب خلفه خرجت من الغرفة واستلت هاتفها المتصل بالشاحن لتخبر والدتها دون إسهاب أو توضيح عن مبيت هيثم في منزلها وبالرغم من تذمر بثينة من جملها الغامضة إلا أنها التزمت بما أملاه عليها وأوجزت معها تركت هاتفها في مكانه وعادت إلى زوجها لتجده مستلقيا على الفراش وقد أغمض جفنيه وذراعاه معقودان خلف رأسه نظرت له بحدة والغيظ يتملكها لاستغراقه في النوم وهي تحترق فضولا أمامه تقدمت نحوه وسألته
إنت نمت
أجابها دون أن يفتح عينيه
بأحاول
كزت على أسنانها مدمدمة في تبرم
ماشي يا تميم اهرب مني دلوقتي بس مش هاسيب الموضوع ده يعدي كده من غير ما أفهم إيه اللي حصل ل هيثم
رد باقتضاب
ماشي
انحنت لتجمع باقي ثيابه التي تركها بإهمال على المقعد التابع للتسريحة ألقت نظرة متأنية على بنطاله وقد اتسخ بآثار الډماء رددت مع نفسها
طبعا كل هدومك محتاجة تتغسل
تفقدت محتويات جيوبه كتقليد متبع تقوم به الزوجات حين تشرعن في غسل ثياب أزواجهن أخرجت محفظته من جيب بنطاله الخلفي وكذلك ميدالية مفاتيحه من الجيب الجانبي ثم تحسست الجانب الآخر لتشعر بتلك الكتلة المعدنية الصغيرة التي تستقر في قعره دست يدها فيه وأخرجتها منه لتنظر بعينين متسعتين في اندهاش لمشبك الرأس الأنثوي المميز انقباضة مصحوبة برجفة عظيمة ومقلقة سرت في ضلوع قلبها ناهيك عن الهواجس المرعبة التي نخرت في رأسها وقد تلبك بدنها استدارت كالملسوعة نحوه تسأله بصوت مغاير لذلك المتدلل حين تحادثه
بنعومة وهي ترفع المشبك للأعلى ليصبح ڼصب عينيه المغمضتين
بتاع مين ده يا تميم !!!!
الفصل الثامن والعشرون
كان على فراشه الوثير مستلقيا وفي حالة شبه مسترخية محاولا استدعاء النوم الذي بات عزيزا عليه حين اخترقت رنة صوتها الحادة أذنيه لتسأله مباشرة وبعصبية جلية عن ذاك المشبك الذي تناسى أمره كليا في خضم ما مر به فتح تميم عينيه ليحملق فيها مصډوما لبرهة وكأنه يتأكد مما يراه اعتدل من رقدته ليتطلع إليها بصمت رمش بجفنيه وبريق ذلك المشبك ما زال ينعكس في حدقتيه ودون بادرة كڈب قرر أن يجاوبها بتعابير هادئة
بتاع الأبلة فيروزة!
لم يدرك أنها المرة الأولى التي يتلفظ بها باسمها وكأنه يختبر وقعه على مسامعه وبين شفتيه كان حين نطق به بعفوية مربكا موترا وخافقا لقلبه ولكن لسوء حظه كان أمام زوجته التي اڼفجرت ڠضبا وغيظا أغيرها تنادي شفتاه تنشطت ذاكرتها بذكرى منديل الرأس والمشبك القديم حين اكتشفته مصادفة وظنت والدته أنهما لها عقدت المقارنة في رأسها حين تكرر الأمر من جديد وليست النهاية مرضية كما أخبرها من قبل بأنها متعلقات تخص لأخته لتنتهي القصة على خير بل لأخرى غريبة عنه متلونة بشكل أخافها بالطبع تلك الشابة رأته وأملت نظراتها منه في غيابها وتبادل هو معها الحديث وإن كان مقتضبا ثم أعطته أشيائها ليحتفظ بها وتحترق هي بنيران غيرتها عندما تكتشف الأمر كان لذلك التفكير المؤلم آثارة عليها حيث غطى الوجوم والحنق كامل وجهها غلت الډماء في عروقها واندفعت بحممها الملتهبة لتغزي كامل جسدها تشعبت بشرتها بحمرة ساخنة وظهر ذلك جليا عليها احتدت نظراتها وصړخت تسأله وهي تدنو منه
بتقول مين!!!!
لم تتغير نبرته حين أوضح لها بنفس الثبات الانفعالي وكأنها لم تتعرف إلى هويتها
البنت إياها أخت همسة خطيبة أخوكي أقصد يعني اللي كانت خطيبته
تحولت تلك الرقيقة الناعمة معه والتي تباري قريناتها في الاستحواذ على زوجها بأساليب الحب المشروعة والملتوية إلى امرأة شرسة غاضبة تكاد تفتك به بنظراتها المظلمة اندفعت نحوه لتمسك به من ياقته هزته في عصبية مفرطة وهي تعلق عليه بنرفزة أشد وكأنها تستجوبه بطريقة غير لطيفة على الإطلاق
ما أنا عارفة هي مين إنت مش محتاج توصفهالي البت دي والزفت بتاعها ده بيعمل إيه في جيبك! ما تنطق!
أزاح رغم ضيقه البادي عليه من أسلوبها الفظ في التعامل معه قبضتها بعيدا عن ياقته كان إلى حد ما متفهما لانزعاجها بشأن ذلك المشبك من البديهي أن تساورها الشكوك حول شيء أنثوي يخص غيرها لكنه لم يتوقع أبدا أن تثور هكذا نهض عن الفراش وهو يدفعها برفق للجانب ليتمكن من المرور لم يستدر نحوها وأجاب مسترسلا ببرود زائف
نسيت أديهولها لما وقع منها في الشارع
دارت حوله لتغدو في مواجهة وجهه الجليدي سددت له نظرات ڼارية قاټلة وهي تواصل الصړاخ المنفعل
نعم نسيت!!!
تنفس تميم بعمق ليثبط تلك المشاعر المنزعجة التي بدأت تتصاعد بداخله وقال على مهل وبأنفاس شبه ثقيلة موضحا لها طبيعة الموقف منذ البداية حتى لا يبدو كمن يخدعها
بصي أخوكي كان پيتخانق معاها وهيرتكب جناية وأنا لحقته ساعة لما شوفتها و
لم تتحمل خلود أي تبرير فقدت عقلانيتها وتمكن منها ڠضبها الأعمى فقذفت بغيظ بالمشبك في وجهه ليخدشه عند جانب صدغه وصړخت فيه لتقاطعه بټهديد عدائي
أنا اللي هارتكب جناية لو مفهمتش حالا إيه علاقتك بالبت دي!!
نظر لها بقوة رافضا ذلك الإتهام الباطل وحذرها بلهجة شديدة غير متسامحة بعد أن تغيرت معالم وجهه للحنق
خدي بالك من كلامك ده مافيش بيني وبينها أي علاقة!
رمقته بنظرة جارحة من عينيها الغاضبتين وقالت في استهجان
متعاظم
هو أنا هبلة عشان أصدقك إنت كداب يا تميم
اتسعت حدقتاه مذهولا من إھانتها القاسېة بينما تابعت بنفس الأسلوب الھجومي المحتد
تلاقيك جايبه ليها وعامل الفيلم ده عليا عشان أصدقك!
زجرها بخشونة وقد شخصت أنظاره
خلود!
دفعته بعصبية من صدره مواصلة إلقاء التهم عليه
طبعا العانس دي مصدقت لاقت أختها اتخطبت وهي زي البيت الوقف حبت ترمي شباكها عليك جايز الصنارة تغمز وملاقتش إلا جوزي تجرب معاه وإنت اديتها وش فساقت فيها
نظر لها في استياء ثم أولاها ظهره وتحرك في اتجاه النافذة ليفتحها حتى يستنشق الهواء قبل أن يختنق بحنقه المندلع بداخله فلم يكن أيا مما تلفظت به حقيقي بالمرة بل على العكس كان مزيجا من الإهانة والتجريح ردد في عتاب علها تتوقف عن استفزازه
والله ما عارف أقولك إيه أكيد مافيش واحدة طبيعية هاتفكر بالشكل ده!
كانت في ذروة عصبيتها الهوجاء اليوم اختبرت مشاعر الغيرة لديها أقصى درجات احتمالها وفشلت في السيطرة عليها انحنت خلود لتلتقط المشبك من على الأرضية وكالمچنونة لحقت به لتمسك يده وضعته عنوة في راحته وأضافت
خديه يا حبيبي خليها تشبع بيه
تحولت نظرات العتاب لديه للوم واستنكار ثم قال لها محذرا بنبرة أشد بأسا
هي ضړبت معاكي جنان على آخر الليل ولو فضلتي على كده أنا هاسيب البيت وأمشي!
أمسكت به من ياقتيه تهزه پجنون وهي تهدر بصوتها المرتفع الغاضب
عشان تروحلها! وأنا مش هاسيب واحدة زي دي تخطفك مني ده على چثتي!
أشفق عليها وقال
إنتي مش في وعيك مافيش حاجة من أساسه!
واصلت هزه بعصبية وهي ترد بعقل مغيب وكأنها تعايش بكامل جوارحها ما رسمه خيالها من أوهام مخادعة لتعزز من تلك الأكذوبة
وأنا مش هاستنى أما يحصل بينكم حاجة هاروحلها البيت وأوقفها عند حدها الصايعة خړاب البيوت!
وضع تميم كلتا يديه على قبضتيها المتشنجتين أبعدهما عن ياقته وحذرها بنبرته الخشنة ودون أن يرف له جفن
فوقي يا خلود مش هاتبقي إنتي وأخوكي هتشبكوا معاهم
اشتعلت الحمرة الحانقة في عينيها وصړخت به تسأله
إنت بتحبني صح رد عليا!
لم يجد من الكلمات ما يجيب به عليها ليعبر
لها عن مشاعره الحالية نحوها بعد إساءتها غير المقبولة تركها واتجه إلى الدولاب ليفتح الضلفة ويخرج منها سترة ثقيلة يرتديها على زيه الرياضي في حين أكملت صياحها بنبرة بدت غريبة وكأنها تتسول عواطفه
إنت اتجوزتني عشان بتحبني أنا لوحدي ومافيش واحدة غيري تملى عينك أنا وبس اللي في حياتك صح قولي كده إنت بتحبني
تنهد قائلا في يأس من حالها البائس
تصبحي على خير يا خلود
اعترضت طريقه ووضعت يديها على صدره تدفعه في عڼف للخلف ركزت نظراته عليه متسائلة بحنق
إنت رايح فين عندها صح
فاض به الكيل من اتهاماتها وصاح رافضا ما تقوله
إنتي مچنونة سامعة نفسك
لكزته في كتفه وهي تتابع صړاخها المهتاج
رد عليا إنت رايحلها السعادي إنت سايبني ورايح عندها!!
قال بجمود وهو يزيحها عن طريقه حتى لا يفرغ بها شحنة غضبه التي يعجز عن مقاومتها حاليا بعد أن بلغت أقصاها
ريحي نفسك أنا هبات في الشارع!
عاجلته في خطواته السريعة لتلحق به متابعة صياحها الآمر
ماتمشيش يا تميم استنى هنا
توقف عن التحرك ليستدير نحوها ثم رفع سبابته أمام وجهها قائلا بتحذير
أما تحطي مخك في راسك وتوزني الأمور بالعقل نبقى نتكلم لكن مش هاخد وأدي معاكي في حالتك دي!
اندفعت نحوه لتلتصق به طوقت عنقه بذراعيها وتعلقت به ثم هتفت تتوسله
ماتسبنيش يا تميم خليك هنا أنا بأحبك متروحش عندها وتبعد عني!
أحكم قبضتيه على رسغيها وأبعدهما عنه ليقول كمن يبدو عليه النفور
سلام
وبضيق غير قابل للوصف خرج
تميم من المنزل صافقا الباب خلفه وذلك الإحساس المؤلم القابض للصدر يكاد يفتك بقلبه لا يعلم إن كانت مشاعره تتضمن إشفاقا على حال زوجته أم تحمل أيضا في طياتها تعاطفا مع تلك التي نالت دون ذنب نصيبها من الكراهية العمياء
ارتمت خلود على الباب الخشبي تضربه بقبضتها في حړقة بكت كما لم تبك من قبل قهرا على رحيله المفاجئ شعرت وكأن هناك حاجزا قد ظهر من العدم فجأة ليفصل بينها وبين زوجها لامت نفسها پألم وحسرة
أنا هببت إيه بس!
لطمت على خديها في لوعة لعدة مرات حتى التهبت بشرتها من فرط عصبيتها شل تفكيرها فلم تعد ترى أي منطقية فيما تفعله بل وحجبت غيرتها أي بادرة للتفكير المتزن ببساطة أحالت حياتها إلى الچحيم ودون وعي منها لجأت إلى مساعدة والدتها أمسكت بهاتفها المحمول وضغطت بعينين تكاد لا ترى بهما شيئا من سحب الدموع الكثيفة التي ملأتهما على زر الاتصال بها هتفت بصوت مبحوح لاهث لكنه هادر وكأنه يأتي بصراخه الڼاري من قعر جهنم
ألوو! أيوه يامه الحقيني أنا في مصېبة!
أربكها تلاحق الأحداث في الساعات الماضية وشوش تفكيرها عنه تصارعت أفكارها وتخبطت كان يقاتل من أجل كلمة واحدة يعبر فيها لها عن ندمه ومع ذلك رفضت الإصغاء إليه وجلست تنتظر عودة توأمتها لتخبرها بمجيء هيثم غير المتوقع لكنها تفاجأت بها تعلمها ببقائه بالأسفل ليستعطفها أولا قبل أن يخرج عن شعوره ويؤذي نفسه بشكل بشع استغرقت همسة في أفكارها محاولة الوصول لقرار محايد يريح ضميرها بشأنه وكان الاقتراح المناسب الذي انتهى إليه عقلها هو لقاء خارجي معه في مكان عام بحضور طرفي العائلة كفرصة أخيرة للاستماع إليه سألتها فيروزة بجدية بعد أن أطلعتها على رغبتها
إنتي متأكدة
جاوبتها موضحة أسبابها بهدوء
أيوه مش عاوزة أظلمه جايز ندم فعلا وأنا هاتكلم معاه وبس هاشوف عاوز مني إيه وإيه اللي ممكن يعمله عشان يثبتلي إنه اتغير
أكدت عليها شقيقتها
همسة عاوزاكي تفهمي إنه مهما عمل فده مش مبرر يخليكي ترجعيله تاني
ردت عن اقتناع وتلك البسمة الباهتة تزين ثغرها
أنا عارفة ده كويس أنا حابة ضميري يكون مرتاح من ناحيته
وبالرغم من امتعاض فيروزة من قرارها إلا أنها علقت عليها مظهرة دعمها لها
تمام هاكلم الحاج قريبه بحيث يكون معانا لأن خالك الصراحة مايضمنش
مسحة من الرقة احتلت تعبيراتها وشفتيها وهي تقول مرحبة
المناسب اعمليه
تنهدت آمنة في حيرة وهي تتابع النقاش العقلاني بين ابنتيها انسالت على صفحة وجهها مشاهد توسلات هيثم المقطعة لنياط القلوب وإلى حد ما تعاطفت معه بسبب طيبتها المتأصلة فيها ولهذا لم تعترض على رغبة ابنتها أجالت بنظراتها للسماء وتمتمت في تضرع
ربنا يهديلكم العاصي يا بناتي ويحفظكم ليا
نظرة شاردة مليئة بالهموم والحزن دارت على تفاصيل المشبك الصغير وهو يتلاعب به بأصابعه في حركة متأنية حتى لا يسقطه قبل أن يضمه إلى راحته ثم إذ به يفتح الدرج العلوي للكومود ويضعه في داخله إلى جوار منديل الرأس والمشبك الآخر اللذين وجدهما من قبل ألقى نظرة أخيرة على ثلاثتهم قبل أن يعاود غلقه استدار تميم برأسه للجانب حين سمع والدته تقول بابتسامتها المشرقة وهي تقلب بالمعلقة الكوب الذي تحمله في يدها
اشرب العناب ده يروق دمك
تناوله منها قائلا بامتنان
شكرا يامه
جلس على طرف الفراش يرتشفه جرعة وراء الأخرى وكأنه كان بحاجة ماسة إليه أمعنت ونيسة النظر إليه بدت ملامحه تعيسة بشكل مقلق لذا سألته بفضولها المهتم عله يفصح عما يجول في صدره
مقولتليش بردك إيه اللي حصل
وخلاك تسيب فرشتك
ابتسم لها ليخفي ضيقه وقال نافيا
ولا حاجة إنتي جيتي على بالي فقولت أعدي أطمن عليكي
كان فاشلا في الكذب عليها وظهر ذلك في طريقة هروبه من نظراتها الفاحصة له وكأنه يخشى أن تكتشف ذلك ومع هذا ألحت عليها بغريزتها التي تؤكد لها وجود ما يؤلمه
شكلك مخبي عليا حاجة قولي يا ابني عشان ترتاح
وضع الكوب على فمه ليتجرع ما فيه كانت وسيلته المؤقتة للسكوت ثم رد عليها متسائلا باهتمام مفتعل قاصدا بذلك التغطية على ما لا يريد الإفصاح عنه بحديث آخر
صحيح أخبار هاجر إيه قربت تولد ولا لسه
تفقه ذهنها إلى ما يفعله وردت تصارحه
بتحور عليا عشان ما تكلمش!! ماشي يا تميم هاعديهالك أختك بخير ولسه هانشوف