الطاووس الابيض لمنال سالم
من هنا مبسوطة ماشتكتش من حاجة أومال القلبة السودة دي جت منين!
تطلعت إليه متسائلة
هي قالتلك إيه
أجابها باستنكار كبير وتعبيرات ناقمة
مفكرة إني عارف عليها واحدة!
شهقت ونيسة بصوت مرتفع قبل أن تؤيده
وده كلام يتصدق بردك
قال في تهكم
قوليلها الواحد أصله مش فاضي للهري ده وهي عاملة حوارات
كبدي يا ضنايا
ران الصمت بينهما لعدة لحظات انشغل فيها تميم بارتداء حذائه لاح في باله سؤال بعينه فنطق به
طب هي هاجر جت النهاردة وهزرت معاها بكلام بايخ ولا حاجة
أجابته والدته مؤكدة
لأ مجاتش بس أختك بتحبها أكتر من روحها
أطبق على شفتيه مانعا سبة تعبر عن استياءه من الخروج من جوفه ولكن تبدلت تعابيره فجأة للاندهاش الحائر حينما رددت أمه عفويا
لا يكونش ده حصل بسبب
تعابير واجمة غطت كامل وجهه وهو يسألها
إيه
أشارت بيدها وهي تجاوبه
اللي كانت في درج الكومودينو
على الفور تحرك في اتجاه الكومود وفتح الدرج العلوي ليجد منديل الرأس والمشبك به أخرجهما منه ورفعهما ڼصب عينيه للحظة قبل أن يتركهما من أصابعه ليسقطا بالداخل الټفت ناحيتها متسائلا بانزعاج كبير
هو إنتي قولتلها إيه بالظبط
قصت عليه ما دار بالتفصيل لتتضح الصورة كاملة في ذهنه وضع يده أعلى رأسه في حركة مستاءة من تصرف والدته الأحمق الذي فتح عليه بابا من المشاكل بدون داع زمجر قائلا في ڠضب
دول مش بتوعها يامه ليها حق تفكر
سألته في فضول
أومال بتوع مين طيب
هتف بعصبية اتضحت في صوته وحركته بداخل الغرفة
أنا لاقيتهم في الشارع وأنا ماشي يا ريتني كنت رميتهم بدل ۏجع القلب ده!
شعرت ونيسة بالذنب وسوء تصرفها بالإيحاء ل خلود بأنها تشجعها على التودد من ابنها لتخلق نوع من الألفة بين الثنائي المقبل على الزواج بعد بضعة أيام ومع ذلك ألقت باللوم عليه فقالت
وأنا هاعرف منين يا ابني ما إنت مابتقولش حاجة!
استمر على عتابه لها قائلا
حتى لو كده برضوه مكانش ليه لازمة البؤين بتوعك دول!
تنهدت معقبة بقلة حيلة
أهوو اللي حصل بقى
سألها وكأن عقله قد توقف عن إيجاد الحلول المنطقية
وهنحلها إزاي دي يعني كنت ناقص خوتة!
اقترحت على استحياء
حاول كده تضحك عليها بكلمتين جايز ربنا يهديها وتعدي الحكاية على خير
كان غير مقتنع بما تفوهت به وقال موجزا كتعبير عن عدم رضائه
ربنا يسهل
هم بالخروج من الغرفة لكن استبقته والدته بالصياح عاليا وكأن عقلها قد أضاء بفكرة ما
استنى يا تميم
استدار ناحيتها فتابعت
إنت تقولها إنهم بتوع هاجر وكانت نسياهم عندنا فإنت خدتهم منها وعنتهم معاك لحد ما تشوفها
بدا حلا جيدا لكن شكوكه جعلته يتساءل
وده هايخيل عليها
رد مبتسمة ابتسامة عريضة لتشير إلى استعادتها لضوابط الأمور
ملكش دعوة أنا هأكد على هاجر تقول نفس الكلام وإن شاء الله تصدق وأمك مش هينة بردك
بادلها ابتسامة صغيرة على محياه أضاف بعدها
خلاص هاجرب
نظرت لها بعينين متفائلتين ثم هتفت متضرعة
ربنا يهدي سركم يا ابني
يارب
تبعته في سيره إلى
الخارج وهي تكمل على سجيتها الفطرية
وربنا احنا اتحسدنا ده شيطان ودخل بينكم
غمغم تمتم ساخرا في نفسه وهو يمسك بمقبض باب المنزل ليديره
هو أنا لحقت أعمل حاجة عشان الشيطان يدخل ولا هو بيتلكك!
فتح الورقة المطوية التي تشربت الكثير من الزيت والبخار المنبعث من الطعام الساخن ثم فردها على الطاولة القصيرة المستديرة لتظهر وجبة شهية من الكباب والكفتة هبط حمص من على مصطبته القديمة ليجلس على الأرضية فور أن اقټحمت الرائحة الزكية أنفه وبيده المتسخة اختطف قطعة كبيرة دسها في فمه وتلذذ بمذاقها الذي اشتهاه للغاية ظهرت علامات الاستمتاع واضحة على تعابيره نظر له شيكاغو بتأمل ثم سحب قطعة يلكوها في فمه تملكه نفس الإحساس الرائع بتناول أحد أشهر الوجبات وأغلاها على المعدمين من أمثالهم تناثرت البقايا من جوف حمص وهو يستطرد
بس تصدق الشغل مع المعلم تميم حاجة تانية
رد عليه شيكاغو يؤيده في كلامه
ده حاجة أخر نغنغة مصلحتين تلاتة معاه وهنبطل سړقة!
رمقه بنظرة ڼارية رافضة قبل أن يوبخه بحدة
نبطل إنت عبيط حد يقول للرزق لأ!
سأله بفم ممتلئ على آخره
ليه في حاجة جديدة
أجابه بعد أن تجرع رشفة كبيرة من مشروبه الذي أحضره
تساءل في اهتمام
دي فين دي
تجشأ موضحا
عند الفلل القديمة مدير أمن سابق على المعاش دلوقتي وعايش لوحده
توقف شيكاغو عن ابتلاع الطعام ليحدق فيه مصډوما ثم صاح محتجا
إنت جاي تودينا عش الدبابير!!!!
قال غير مكترث وقد بدا متحمسا لتلك السړقة
يا عم ده راجل مكحكح مش هيستحمل زقة مننا وبعدين أغلب الوقت مش موجود في فيلته
حذره بلهجة جادة ربما يتراجع عن فكرته المتهورة تلك
بلاش منها
أصر على رأيه قائلا
صدقني هنسترزق وزبونها جاهز هيدفع على طول
وضع قطعة أخرى من اللحم الشهي في جوفه ابتلعها ورد عليه بعبوس
مش مرتاح
ظهرت على تعابير حمص علامات الارتياح استرخى في جلسته ثم قال عن ثقة تامة وقد عكست نظراته قتامة مريبة
يا عم حط في بطنك بطيخة صيفي هتعدي زي اللي قبلهم!
تسلم إيدكم يا بنات رجعت زي الأول وأحسن
قالتها آمنة بابتسامة بشوشة على تعبيراتها الهادئة وهي تتأمل بعينين مشرقتين العربة بعد تجديدها بالأموال التي حصلت عليها جراء بيع أسورتها الذهبية لم يذهب مالها سدى هكذا رددت في نفسها! كنت ابنتاها قد توليتا نقل العربة إلى تلك الغرفة بعد تنظيفها لتصبح مكانا آمنا للاحتفاظ بها دون الخۏف من تكرار تخريبها التفتت همسة ناحية والدتها لتأخذ منها صينية السندوتشات التي أعدتها لهما بينما احتضنتها فيروزة وشددت من ضمھا لها وهي تشكرها معترفة بجميلها الكبير
الحمدلله يا ماما كله بفضل ربنا ومساعدتك لينا لولاكي كان زمانا حاطين إيدنا على خدنا
ردت بحنو
ربنا يفرحكم دايما
ثم أشارت بعينيها للأعلى مكملة جملتها
هاطلع أنا فوق ولو عوزتم حاجة نادوا عليا
هزت همسة رأسها ترد عليها
ماشي يا ماما
تابعتها الاثنتان بعينيهما إلى أن صعدت على الدرج واختفت بالأعلى ثم تحركت همسة نحو أحد الصناديق الخشبية الموضوعة جانب الحائط لتسند الصينية عليها حملقت في العربة قائلة
تعرفي كده شكلها بقى أحلى
تنهدت فيروزة قائلة في سعادة ممتزجة بالارتياح
الحمدلله أنا كنت هاموت بحسرتي لو المشروع ده باظ
ربنا كريم والتوسيعات اللي اتعملت من جواها بقت أحسن
مظبوط هنعرف نقف براحتنا وكمان عندنا مخزن نعين فيه حاجتنا
صح كلامك
لفتة عادية برأسها نحو جانب العربة جعلتها تلمح حمدية وهي تتلصص عليهما من الخارج من خلال انعكاس صورتها في المعدن انقبض قلبها وشعرت بإحساس مزعج يتخللها لذا مالت همسة نحو أختها تقول لها بصوت يكاد يكون مسموعا
الحقي مرات خالك بتبص علينا!
امتقع وجه
فيروزة وتغيرات نظراتها للضيق كزت على أسنانها هامسة في توعد صريح ينم عن بغضها لها
بجد ليها نصيب تتهزأ!!
اقتربت من الباب مدعية حديثها مع أختها فقالت بنبرة عالية متعمدة أن تصل إليها
الجو جايب هوا بارد بارد أوي مش كده يا همسة
في البداية لم يتفقه ذهن همسة إلى ما تفعله وبالتالي لم تستطع مجاراتها فتساءلت بقليل من الحيرة
فين ده
أجابتها بنبرة موحية ونظرات ذات مغزى
من برا مش حاسة ولا إيه
انتبهت حمدية المرابطة بالخارج لكونها المعنية بذلك الحديث غير المباشر استرقت السمع وتحفزت للرد لكنها منعت نفسها قبل أن تتهور حتى لا تكشف أمرها في حين وضعت فيروزة إصبعيها على أنفها لتسده مكملة استخفافها بها بشكل مهين
لأ ومليان ريحة زفرة يا ساتر هانتخنق من الريحة المعفنة دي في إيه كده برا فسيخ ولا تنضيف سمك!
كادت حمدية أن تخرج عن طور سكونها المضطر لترد عليها بدت كمن تتصاعد ينفث دخانا من أذنيه حينما تابعت فيروزة تمثيليتها المتهكمة عليها
أحسن حاجة أعملها أقفل الباب خلي القذارة تفضل بعيد عننا!
وبكل قوة صفقت الباب في وجه حمدية تلقائيا من الصوت المرتفع استشاطت ڠضبا من إھانتها القاسېة لها احمر وجهها غيظا واشتعلت نظراتها في حنق ثم تمتمت من بين أسنانها المضغوطة بنبرة مغلولة
يا بنت ال ! بقى أنا تلأحي عليا بالكلام
كورت قبضة يدها وضړبت بها على الدرابزين ثم ما لبثت متوعدة فيروزة پحقد مضاعف عكس قدرا محدودا من نواياها الخبيثة
ماشي يا بنت آمنة وحياة مقاصيصي دول لهفرجك !!!!
يتبع
الفصل الثامن
كوعاء موضوع على موقد مشتعل ويحوي مياه تغلي حتى تقطعت اندفعت صاعدة إلى منزلها وكلماتها الحانقة تخرج من بين شفتيها احتقنت نظراتها أكثر واربد وجهها بعلامات الڠضب المحموم وقفت حمدية أمام باب منزلها تفتش عن مفتاحها في محفظة يدها تصاعد ڠضبها أكثر مع تذكر إهانة تلك المستفزة لها همست قائلة وهي تكز على أسنانها
والله لأولعها
حريقة وهانشوف مين هايضحك في الآخر يا بنات آمنة!
جال ببالها أن تشوه الحقائق وتختلق الأكاذيب برقت عيناها بوهج شيطاني لئيم تحولت في لحظة لأفعى ماكرة تحيك المؤامرات لتوغر الصدور وتزرع الفتن حاولت أن تستعيد أي ذكريات حزينة في رأسها لتساعدها على استدعاء عبراتها ثم بدأت في النواح وهي تدس المفتاح في قفله انفتح الباب فرفعت صوتها المنتحب قائلة بنبرة أقرب للتحسر
بقى دي آخرتها أه ياني يامه مكنش العشم!
رفع خليل أنظاره عن الأوراق المفرودة على الطاولة أمامه والتي بدا منهمكا في دراستها ليتطلع إليها باستغراب ضاقت نظراته متسائلا بفتور محسوس
مالك يا حمدية
ألقت بجسدها على الأريكة ثم أحنت رأسها على صدرها لتخبئ وجهها خلف يدها وواصلت نحيبها بنبرة كانت إلى حد ما مفتعلة ضجر زوجها من مماطلتها فصاح بها بنفاذ صبر
يا ولية في إيه
ادعت مسحها لدموع التماسيح الزائفة وقالت له بندم أثار حفيظته
شايف يا أخويا بنات أختك عملوا فيا إيه كله بسبب طيبتي وحنية قلبي!
مل من ثرثرتها الزائدة عن الحد والتفافها حول أساس المشكلة لذا هدر بها بتذمر
ما تنطقي عملوا إيه الطواعين دول
جاوبت ما طرحه بمزيد من الغموض المستفز له
لأ وأنا اللي زي الهبلة نزلت أخد بخاطرهم وأقولهم يطلعوا يصالحوك والمياه ترجع لمجاريها
نفخ في استياء من طريقتها الملتوية في الإشارة للأمور حاول السيطرة على أعصابه ليسألها من جديد
أنا مش فاهم حاجة وضحي كلامك
تنحنحت قائلة بنبرة متقطعة متوسلة إياه
هاقولك يا خليل بس بالله عليك ما تعملهم حاجة هي غلطتي من الأول
ماشي
تركزت عيناه عليها وهي تسرد أكذوبتها المقنعة بما يجعلها في موضع المجني عليها وليس المتطفلة الخبيثة حيث ادعت كڈبا أنها ذهبت للحديث مع ابنتي أخته لإعادة روابط الود بينهما وبين خالهما لكن عاملت الاثنتان إياها بأسلوب فظ ووقح وتتطاولتا عليها بكلمات مهينة مما أحرجها للغاية استشاطت نظراته حنقا مما سمعه ببساطة شديدة نجحت في استفزازه واستثارة أعصابه المتوترة ضړب بيده بعصبية على الطاولة لتهتز بما عليها صائحا وقد هب واقفا
أما بنات قليلة الأدب بصحيح متربوش ولا عرفوا تربية عاوزين قطم رقبتهم
أخفت عينيها الماكرتين وهي تكمل
ما هو لو كانوا بيعملولك حساب كانوا احترموك وقدروا نزلة مراتك ليهم
حقا كانت ماهرة في انتقاء الأسوأ من التعبيرات لتنشر الحقد والكراهية بين النفوس تقدم نحوها خليل ليربت على كتفها وكأنه يهدئها بدا صوته متهدجا منفعلا وهو يقول لها
معلش يا حمدية حقك عليا
أغاظتها تلك الكلمات التي أوحت لها بسلبيته تجاه الموقف تضاعف إحساسها بالضيق منه خشيت أن يخذلها ويقف كالمشاهد تاركا إياها تحترق بغيرتها وحقدها لهذا عمدت إلى زيادة الطين بلة بالاسترسال قائلة
كله من أختك لو كانت وقفتلهم ومنعتهم من المسخرة دي كانوا اتلموا بس نقول إيه هي اللي مشجعاهم على الفجر ده أل وعملالي متمسكنة وغلبانة ياما تحت السواهي دواهي!!
عكست نظراته نحوها كراهية بائنة بعد أن تلفظت بتلك الجمل المليئة بالبغضاء وجهه المشبع بغضبه ازداد تقلصا حملق فيها قائلا
اصبري عليا بس أخلص مراجعة الجرد السنوي للمخازن وحسابات الموظفين وأفوقلهم
التقط أنفاسه ليضيف بقسۏة متوعدة
وساعتها هاجيبهم تحت رجليكي يعتذرولك!
زمت شفتيها لتقول في عدم
اقتناع ونظرة ساخطة تظهر على تعبيراتها بوضوح جلي
أما أشوف
نفخ الهواء الذي استنشقه دفعة واحدة حينما وقف أمام أعتاب المنزل ليستعد نفسيا لتلك المواجهة مع خلود خطيبته التي تعشقه بكل جوارحها تمنى أن تكون والدته قد عالجت الموقف الذي لا ناقة له فيه أو جمل سوى أنه وجد تلك الأشياء واحتفظ بها دون أن يعرف صاحبتها رفع تميم يده للأعلى ليقرع الجرس تنفس بعمق ورسم تلك البسمة الثقيلة الباردة على محياه ليبدو لطيفا حينما ينفتح الباب تأهبت حواسه وقد أطلت خالته منه ترمقه بنظرة عبرت عن امتعاضها لاحظ تجمد نظراتها على الکدمة التي تزين وجهه بدت كما لو كانت سعيدة لذلك وبتكشيرة ظاهرة على جانب شفتيها سألته
إزيك يا ابن أختي
رد مرحبا بها
الحمدلله أخبارك إيه يا خالتي
تنهيدة بطيئة خرجت من جوفها قبل أن تقول
نحمده على كل حال
سألها في لباقة بعد أن لاحظ أنها تسد الطريق عليه لتمنعه من الدخول للمنزل بشكل غير مباشر
مش هاتقوليلي اتفضل
تنحت ببطء للجانب ليمر بجوارها ووجهها ما زال محتفظا بتعابيره المزعوجة الټفت برأسه نحوها يسألها
خلود صاحية
أجابت في سخط
وهي من امتى بتنام الميعاد ده!
تصنع تميم الابتسام كبديل عن الرد عليها اتجه تلقائيا للصالون حيث اعتاد الجلوس به حينما يلتقي بها تبعته وكأنها ظله ثم جلست في مواجهته مسلطة عينيها عليه وهي تسأله مباشرة
قولي بقى إنت ورا لوية بوزها
انزعج منها ومع ذلك رد عليها متسائلا بما يشبه المراوغة حتى لا يشبع فضولها
هي قالتلك كده
هزت رأسها بالنفي وهي تجاوبه
لأ بس أنا خمنت
استقام في جلسته واشتد كتفاه معقبا عليها
طالما مقالتش يبقى متصدقيش كل حاجة تشوفيها يا خالتي!
اختلج وجهها من جملته تلك فحذرته بلهجة شديدة
شوف يا ابن بدير
ظهر الضيق عليه لمناداته هكذا بذل مجهودا مضاعفا ليبدو ثابت الملامح أمامها حتى لا يمنحها فرصة الاستمتاع بإزعاجه في حين تابعت بثينة ټهديدها الضمني بلهجة صريحة
اللي هيقرب من ولادي ولا يفكر يأذيهم هاقرقشه بسناني وأكل لحمه ني واللي بس يمس شعرة منهم هيلاقيني واقفة في وشه كفاية أوي خسارتي في أبوهم زمان بسببكم!
ظل كعادته رابط الجأش قبالتها حينما تشرع في الحديث عن الماضي وإلقاء التهم على الآخرين متغافلة عن قصد عن حقائق الأمور ثم رد عليها ببرود وكامل عيناه مثبتة عليها
بلاش نفتح لبعض الدفاتر القديمة!
نهضت من أمامه تقول
أديني بأعرفك زعل خلود مش هاسكت عليه!
رمقها بنظرة جافة وهو يؤكد لها
اطمني أنا مش من النوع ده بس شكلك نسيتي مين ابن الحاج بدير!
تطلعت إليه بعينين حادتين ما زال قادرا على الاحتفاظ بكرامته دون مساس بدا وكأنه قد سيطر على الموقف واستعاد قدرته على التحكم بمجريات الأمور مع كلماته الأخيرة تلك اكتست خلجاتها بقليل من الضيق وهو يضيف بوقاحة
ومعلش ناديهالي أصلي مش فاضي!
انصرفت منه أمامه لتستدعي ابنتها التي كانت مشغولة بإجراء مكالمة هاتفية مع ابنة خالتها لوحت خلود بيدها لأمها كتعبير عن فهمها لإشارتها تغيرت كليا عن الصباح كانت أكثر ارتياحا وهدوئا حتى بكائها غير المفهوم قد تلاشى وكأن شيئا لم يحدث وبيدها المتحررة ضبطت حجاب رأسها وشدت فستانها على جسدها ليبدو مفرودا ثم دنت من تميم راسمة ابتسامة رقيقة على محياها وهي تنهي اتصالها بمرح لطيف
ماشي يا هاجر هنتكلم تاني سلام يا حبيبتي
كانت على وشك الترحيب بخطيبها الذي هب واقفا ليسألها بخشونة
ممكن أفهم في إيه
أطرقت رأسها معتذرة كطفلة صغيرة أخطأ التصرف
أنا أسفة
رد متسائلا بوجه جاد للغاية في تعبيراته
ده على إيه بالظبط
رفعت عينيها لتتطلع
إلى في ندم آسف لكن ما لبث أن تحولت نظراتها للخوف وتعابيرها للقلق حينما رأت ما حل بوجهه جزع قلبها وهتفت تسأله في لوعة وتلهف
إنت مال وشك حصلك إيه
ضغط على شفتيه رافضا الإجابة عليها انخفضت عيناها لتنظر إلى كفه الملفوف بشاش طبي وضعت يدها على فمها تكتم شهقتها المذعورة نظرت له مرددة بارتعاب
الله وإيدك كمان طمني عليك يا حبيبي إنت كويس
أيوه
طب ده من إيه!
تجاهل الإجابة عن أسئلتها ليرد بضيق
مش موضوعنا احكيلي اللي حصل
أدركت خلود تفاقم المشكلة التي تسببت فيها دون داع من خشونته معها أطرقت رأسها من جديد في حرج واستطردت بربكة ظاهرة في نبرتها
ده كان سوء تفاهم وخلاص اتحل
شعر تميم بالارتياح يتخلله بعد أن فطن لنجاح خطة والدته في خداعها لم يحبذ استخدام تلك الطريقة معها فهي مناقضة لطبيعته لكنها كانت الأمثل لتلافي تطور المشكلة ومع ذلك حافظ على رسمية ملامحه متسائلا ليبدو أكثر إقناعا
قصدك على توكة هاجر
أومأت برأسها إيجابا بدلا من الرد عليه ثم أضافت
أنا افتكرت إنها
لم يحبذ تميم التطرق أكثر في تلك المسألة السخيفة وإعطاها أكبر من حجمها لذا قال بحسم ومنهيا الخلاف بينهما
خلود أنا يوم ما أحب أعمل حاجة هاعملها في النور مش أنا اللي أوعد واحدة بالجواز وأمشي مع واحدة تانية!
ظهر الندم في عينيها جليا خاصة حينما استفاض موضحا
ولو مكونتش عاوزك يا بنت الحلال مكونتش كملت معاكي حتى لو مين أجبرني على ده بس إنتي برضوه مش قادرة تفهميني
كلمات كالسياط هبطت عليها فأوجعتها بشدة أحست بغصة مريرة تؤلم حلقها وهي تبرر له تصرفها
قدر موقفي يا تميم
غص صدرها بالبكاء مستعيدة ذلك المشهد في رأسها أعادت وصفه قائلة
أنا لاقيت خالتي بتحكي عن حاجات واحدة تانية وكأنها مني وأنا معرفش عنها حاجة تفتكر إيه اللي هايجي في بالي
رد عليها يسألها بما يشبه العتاب
طالما مش واثقة فيا يبقى إزاي هنتجوز يا بنت الناس
اختنق نبرتها أكثر وتحولت للبكاء كما تجمعت العبرات في عينيها بكثافة وشكلت سحابة ضبابية حينما همست بما يشبه الاستجداء
تميم أنا بأحبك! مقدرش أتصور إنك بتفكر في غيري أو حتى أقدر أعيش من غيرك
أوجعته صراحتها الصادقة هي تعشقه حتى النخاع متيمة به پجنون لا ترى في حياتها سواه ولا يوجد حدا لعواطفها الجياشة نحوه بينما مشاعره ناحيتها عادية لن تصل مطلقا للهيام لكن القليل من الاهتمام يرضيها حدق فيها بشرود حائر فماذا إن استحالت الحياة بينهما بعد الزواج استغلت صمته لتضغط عليه ورجته بنبرتها المستعطفة وعينيها الدامعة
حقك عليا عشان خاطري سامحني أنا عرفت غلطي
ظلت تعابيره جامدة وهو يتطلع إليها ثم استطرد ينصحها
عموما ابقي حكمي عقلك يا خلود قبل ما تحكمي عليا ده لو عاوزة عيشتنا تمشي سوا!
ازدردت ريقها وهزت رأسها بإيماءات متكررة مؤكدة له
حاضر مش هايحصل تاني
اكتفى بحركة بسيطة من رأسه وقال بعدها بجدية
أنا ماشي
انتفضت من رحيله المفاجئ فهتفت مصډومة
إيه ده مش هاتقعد معايا شوية
حرك رأسه نافيا اعترضت طريقه قائلة بإصرار حينما هم بالرحيل
طب استنى أعملك حاجة سخنة تشربها
زفير مرهق خرج من جوفه قبل أن يعتذر
مرة تانية يا خلود تعبان من الصبح وإنتي شايفة شكلي عامل إزاي ده غير إن لسه عندي شغل أد كده عاوز أخلصه
قالت في رقة وقد استعادت حيويتها
ربنا يقويك يا حبيبي لسه زعلان مني
تقوست شفتاه لتظهر ابتسامة صغيرة وهو يرد
لأ
تضرج وجهها بحمرة باهتة وقد تدللت لتقول له في نعومة
هتوحشني لحد ما أشوفك تاني خد بالك من نفسك
اكتسب صوته إيقاعا هادئا وهو
يرد
إن شاء الله عاوزة حاجة مني
لأ يا حبيبي
قالتها بنعومة أكبر قبل أن تصحبه نحو باب المنزل لوحت بيدها تودعه وانتظرت للحظات حتى هبط الدرجات أغلقت الباب بهدوء ثم استدارت بجسدها وعلى وجهها ابتسامة بشوشة سريعا ما اختفت وحل الانزعاج كبديل عنها وقد بدأت والدتها في ټعنيفها فقالت لها
أنا مش عارفة إنتي مدلوقة عليه كده ليه
ردت بعبوس
عشان بأحبه
نظرت لها شزرا وهي
تكمل
يا بت اجمدي كده واتقلي عليه بدل ما يبيع ويشتري فيكي!
اتخذت الصمت سبيلا أمام كلامها الذي لا تعتد به حينما يخص حبيب قلبها سارت في اتجاه غرفتها ووالدتها تتبعها مكملة تحذيراتها الجادة
اللي زي تميم ده نمرود مش هايقدر اللي بتعمليه عشانه بكرة يتفرعن عليكي
التفتت ترد بعناد
برضوه هاحبه القلب وما يريد يامه وأنا مش عاوزة إلا هو!
علقت عليها في استنكار
بكرة يوريكي النجوم في عز الضهر
مش هايحصل
خلاص اسمعي كلامي وإنتي تكسبي
عضت على شفتها السفلى وتطلعت إلى والدتها بنظرات ساهمة ثم عقبت عليها
أنا عاوزة أسمع كلامه هو وبس
حدجتها بثينة بنظرة ڼارية حادة مستاءة من سذاجتها ثم وبختها بانفعال ظهر في صوتها وتعبيراتها
خايبة زي اللي خلفتك بكرة تجيلي ټعيطي وساعتها هتعرفي إن الله هحق!
ألقت حديثها وراء ظهرها واكتفت بالسعادة التي احتلت روحها بعد تصالحها مع تميم لم يتبق سوى القليل لتكون في عصمته بضعة أيام وتصبح حرمه المصون لكنها لم تكن تعلم أن بداية معاناتها الحقيقية ستبدأ بمجرد أن يصيرا زوجين
لاحقا وبعد بضعة أيام سدد نظرة عميقة متأملة لهيئته التي بدت غير مألوفة بالنسبة له في انعكاس وجهه بالمرآة بعد أن ارتدى بدلة عرسه عدل من وضعية البابيون الذي يمزج بين اللونين الأبيض والأسود ليصبح في المنتصف شعر بالغرابة والتوتر وبالرغم من كونه على دراية بميعاد زواجه إلا أن حدوثه فعليا كان مدعاة للقلق لا يعرف كيف مرت الأيام سريعا ليصل لليلة المنشودة علل ذلك بكونه مشغولا للأغلب الوقت فالتهى عن التفكير في تبعات الزواج زفرة طويلة بطيئة خرجت من صدره مستديرا نحو المصفف ليكمل باقي عمله ظهر تميم وسيما نوعا ما بعد نجاح الأخير في العناية به وإظهاره بشكل يليق بتلك الليلة المميزة فحلق ذقنه النابتة ورطب بشرته المتيبسة ببعض الكريمات المرطبة فأكسبها اللين كذلك هذب خصلات شعره المتناثرة بأحد مستحضرات العناية بالشعر ليظل ثابتا لأطول فترة ممكنة تساءل الأخير بابتسامة عملية قاصدا مدح زبونه السخي
تمام كده يا ريس
هز تميم رأسه في استحسان وأجابه
زي الفل
نثر المصفف مادة لامعة على طرفي ياقة بدلته السوداء كنوع من منحة لمسة إضافية مختلفة ليبدو أكثر أناقة عن ذي قبل مع إفراطه في استخدام العطر الخاص ليزكم أنف عروسه برائحته الطيبة أشار له تميم بيده ليتوقف فامتثل له ثم دس يده في جيب بنطاله القماشي وأخرج منه حفنة من النقود وطواها في راحته مد بها كفه نحوه يشكره
تعبتك معايا
رد المصفف مهللا بعد أن لمح المبلغ الكبير الذي أعطاه له
يا باشا ده إنت تؤمر
ثم أفسح له المجال ليمر ويخرج من صالون الحلاقة حيث ينتظره محرز بجوار سيارة العائلة السوداء ذات الطراز القديم نسبيا بالرغم من كونها ماركة مرسيدس والتي تستخدم في تنقلات أفراد الأسرة ألقى عليه نظرة إعجاب يمتدحه بها وهو يصيح عاليا
مبروك يا عريس
اقترب منه تميم ليصافحه وعينيه تجوب على شرائط الزينة البيضاء التي تغطي جانبا لا بأس به من زجاج السيارة الأمامي لكن محرز جذبه من كفه نحوه ليحتضنه وربت على ظهره بخشونة ثم مازحه
بسخافة عكست تلميحا خارجا
عاوزينك ترفع راسنا النهاردة ولا تحب أقولك تعمل إيه
رمقه تميم بنظرة قاتمة لا تقبل الهزل في مثل تلك الأمور الخاصة جدا وإن كانت على سبيل الدعابة والمزاح لذا أحرجه قائلا
مايخصكش
تجاوز محرز عن رده الجاف ليقول بابتسامته اللزجة
طول عمرك جامد يا تميم
رد عليه بانزعاج
إنت هتؤر عليا ولا إيه
افتعل الضحك معلقا عليه
على رأيك ما يحسد المال إلا أصحابه وإنت مال وحسب ونسب وهيبة و
قاطعه منهيا الحوار
ارحمني أنا مش ناقص
قال ببرود سمج
ماشي يا عريس كلنا كنا زيك كده وكله بيعدي في الآخر
حاول تميم أن يتمالك أعصابه حتى لا تنفلت اتجه إلى السيارة ليجلس كعادته في الأمام لكن استوقفه محرز صائحا
عندك يا عريس ده أنا اللي هاوصلك بنفسي
أشار بيده معترضا
البيت هنا مش حكاية هي!
حاول احتلال المقعد الأمامي ليقول بضحكة مصطنعة
والله ما يحصل ده أنا نادرها
غمغم تميم مع نفسه مرددا في تأفف ممتعض وهو يطالعه بنظراته المزعوجة
ربنا يخلصني من الشبكة السودة دي على خير هو أنا كنت ناقصه
تصفيقات مصحوبة بالزغاريد العالية والضحكات المرتفعة الخليعة تخللت تلك الجلسة النسائية البحتة في غرفة نوم العروس بمنزل عائلتها كتعبير عن فرحة قريباتها وصديقاتها بتزويجها بضعة نصائح هامسة عن أسرار السعادة الزوجية تناقلتها الألسن لتشجع تلك الفتاة الخجول على التعامل بجرأة ممزوجة بالحب والدلال مع زوجها حتى تضمن بقائه أسيرا لرحيق عشقها تلون وجهها بألوان الحياء وأشاحت ببصرها بعيدا في خجل أكبر مع كل تلميح ذو دلالة عجزت عن الرد أمام جراءتهن وطلبت منهن التوقف لكنهن أبين الإصغاء واستمتعن فيما يفعلن وضعت خبيرة التجميل ذائعة الصيت اللمسة الأخيرة على وجهها بعد أن أصرت الأخيرة على تجميلها في المنزل أتقنت الأولى تضخيم شفتي العروس بأحمر الشفاه لتبدو جذابة ولافتة كذلك استخدمت فرشاتها لتضيف القليل من الحمرة على وجنتيها فتخفي ذلك الشحوب والإرهاق فتظهر فاتنة خاطفة للقلوب
اشتعلت الأجواء حماسا مع قيام أحداهن بالرقص والتمايل بميوعة واحترافية وكأنها ولدت هكذا صفقت المتواجدات لها بحماس لتزيد في رقصها ثم جذبت أخرى لتشاركها تلك الوصلة المرحة انتبهت خلود وسط ذلك الصخب الدائر لأصوات أبواق السيارات قفز قلبها بين ضلوعها رهبة وسعادة استدارت تبحث بعينيها عن والدتها بين الجالسات ثم أشارت لها بنظراتها لتأتي إليها مالت بثينة ناحيتها فاشرأبت ابنتها بعنقها تسألها في تلهف وصدرها يعلو ويهبط بشكل ملحوظ
هو تميم جه يا ماما
أجابتها مبتسمة
واقف تحت يا حبيبتي
وضعت خلود يدها على صدرها النابض بقوة تتحسسه أحست بربكة عظيمة تجتاح كيانها برقت عيناها وتصلب جسدها حينما أردفت أمها تسألها
ها أشاورله يطلع
ردت على الفور
أيوه
لكن ما لبث أن سيطر عليها التردد الخائڤ فتراجعت قائلة
ولا أقولك استني
نظرت لها بثينة في استغراب في حين ألقت خلود نظرة مدققة على هيئتها المختلفة في ثوب العروس تتأمل كل تفصيلة فيها بدءا بوجهها ومساحيق التجميل التي تغطيه ومرورا على حجابها الأبيض الذي يزين رأسها وانتهاء بثوبها البراق المرصع بالقطع الكبيرة اللامعة عند صدره فقط لينسدل على جسدها بانتفاخ ملحوظ بسبب طبقات القماش المتراكمة فوق بعضها البعض شعرت بالرضا عن حالها ومع ذلك سألت والدتها لتمنحها ثقة أكبر
ها كده شكلي حلو
طمأنتها والدتها بتفاخر وزهو
زي البدر في تمامه
عادت لتتساءل بارتباك وقد زاغت أنظارها
تفتكري هاعجبه ولا
وضعت بثينة قبضتيها على كتفي ابنتها شددت من ضغطها عليهما وهي تقول لها بجدية بعد أن اكتسب وجهها تلك اللمحة الصارمة
خليكي واثقة في نفسك إنتي زي القمر هو كان يطول يتجوز واحدة زيك أصلا
أطرقت رأسها وهي تصغي
لباقي حديث والدتها الجاف
ده إنتي ضيعتي مستقبلك عشانه! يعني المفروض يحمد ربنا
حملقت خلود بنظرة مستنكرة مندهشة وقد باحت والدتها علنا وعن قصد
وفي الآخر هيتقال اتجوزت واحد سوابق وخريج اللومان! فخليني ساكتة أحسن!
عاجلتها ابنتها قائلة باستهجان حتى لا تتمادى معها
بلاش يا ماما تنكدي عليا في اليوم ده!
ردت بوجه امتلأ بالوجوم
إنتي اللي بتخليني أتكلم وأنا مش ناقصة أصلا
قالت لها معتذرة
أنا غلطانة حقك عليا ممكن يامه مانفتحش السيرة دي تاني
أومأت برأسها مرددة على مضض
طيب
تضرعت خلود في نفسها وقد بدأت الهواجس تطاردها بعد ذلك الانزعاج الرافض الذي لامسته في حديث والدتها
يا رب عدي اليوم على خير أنا مش مصدقة فعلا إني هاتجوزه!
انتفضت وتوترت وارتعشت كل أطرافها مع سماعها لصوته الذي تعشقه يصدح خرج غرفتها تجمدت في مكانها مستشعرة تلك الرجفة اللذيذة الفرحة التي أصابت حواسها حاولت أن تضبط إيقاع قلبها السريع لكنها فشلت فكل ذرة فيها تتمناه وتريده بالأمس قبل اليوم خلت الضوضاء المحيطة بها إلا من نبرته المميزة أسرتها فبدت كالمسحورة وهي تحت تأثيرها القوي جذبتها والدتها من ذراعها برفق لتحثها على الخروج من غرفتها وهي تصيح عاليا
طلي على عريسك يا عروسة ماتسمعونا زغرودة يا حبايب!
انطلقت الزغاريد من الخلف وقد خطت خلود في الردهة لتتقدم نحو الصالة حيث يتواجد تميم نظرة خاطفة اقتنصتها نحو وجهه لتجده محدقا بها بنظرات مطولة سؤسعا أخفضت عينيها ولم تجرؤ على النظر إليه مجددا من فرط خجلها المختلط بحماسها إنها ليلة زفافها الحالمة توقفت عن السير حينما أصبحت قبالته رفعت عينيها لتطالعه بنظراتها الهائمة الناعسة بادلها نظرات لطيفة تعكس إعجابه بها تنحنح في خفوت قبل أن يهنئها
مبروك
ردت بخجل كبير وهي تتحاشى النظر إليه
الله يبارك فيك
وقف إلى جوارها حتى تتأبط ذراعه شعر برجفتها وهي تستند عليه ابتسم في هدوء ولاذ بالصمت مكتفيا بالإيماء برأسه وهو يتلقى التهنئات ممن حوله توترت خلود من سكوته فاعتقدت في وجود خطب ما ربما لم يعجبه يخص ثوبها أو زينتها لذا استدرجته في الحديث تسأله قبل أن يتجها لخارج المنزل
مقولتليش الفستان عجبك
رد باقتضاب وقد كان وجهه غير مقروء التعبيرات
أه حلو
تلك التعابير الغامضة أزعجتها فعبرت عما تشعر به قائلة
حساك مش مبسوط يا تميم
الټفت ناحيتها يجيبها
مين قال كده
مش باين عليك!
قال وهو يصطنع الابتسام ليخفي عدم ارتياحه
أنا بس ما بأعرفش اتكلم قصاد حد
بدت غير راضية عن رده الأخير فأوجزت معه وقالت
طيب
حاول ألا يفسد الأجواء بينهما فبادر يمدحها
بس إنتي طالعة حلوة أوي متوقعتش كده!
وكأنه أعاد لها بهجة الحياة وسرورها فأشرقت تعبيراتها لتستفيض موضحة له
حبيبي تعرف أنا مردتش أخلي الكوافيرة تحطلي حاجات أوفر يعني كل اللي إنت شايفة طبيعي
هز رأسه في استحسان وهو يعقب عليها
كده كويس
همست له ببسمتها الناعمة
أنا حاسة إني بأحلم ياه أخيرا اليوم ده جه
الحمدلله
لحد دلوقتي مش مصدقة!
نظر لها متأملا فرحتها الجلية عليها بينما تابعت معبرة بتلقائية عن مشاعرها الجياشة
تعرف أنا قلبي بيدق جامد حاسة إني في حلم جميل مش عاوزة أفوق منه أبدا!
حذرها بلطافة وابتسامة بسيطة تزين شفتاه ولكن اكتسب وجهه تعبيرا جادا
لأ اهدي شوية الليلة لسه في أولها
أسبلت عينيها نحوه وأردفت قائلة بتنهيدة عميقة غير عابئة بمن حولها
أنا بأحبك أوي يا تميم
ضاقت نظراته قائلا بجدية
ماينفعش الكلام ده كده قصاد الناس يا خلود
قاطعته بشغف بائن في مقلتيها
مش فارق معايا أي حد إنت وبس اللي تهمني!
هز رأسه بطريقة آلية مجاملا
حبيبتي ربنا يخليكي ليا
ومايحرمنيش منك يا عمري كله
شدد تميم من ضمھ لذراعها ليسحبها بتؤدة نحو بسطة
السلم حتى لا تتعثر في ثوبها الثقيل كفت خلود عن حديثها الهامس معه رغما عنها إلى أن تختلي به حينها فقط ستستفيض في إظهار مشاعرها المدفونة ومع ذلك نطقت نظراتها بما عجز اللسان عن البوح به توقف كلاهما عند أعتاب باب المنزل تمهيدا لصعود قائد الزفة الشعبية التي أتت قبل قليل بدأ بتحية العروسين والمباركة لهما كتمهيد متبع قبل أن يبدأ فقراته الغنائية دس
تميم يده في جيب بنطال بدلته وأعطاه نفحة إضافية من النقود ليتحمس الرجل كثيرا استدار بجسده للخلف ليشير بذراعه لأفراد فرقته بيده فصدح صوت المزمار عاليا وجلجل بقوة وهز جدران المنزل انتفضت أجساد الحاضرون في طرب على دق الطبول المختلفة في أحجامها وبدأوا في التصفيق بحرارة كما انطلقت الزغاريد من حول العروسين فضاعفت من تحفيز المتواجدين للمشاركة وما هي إلا لحظات واندمجوا جميعا مع ذلك الإيقاع الراقص المصحوب بأصوات المزامير العالية لتلك الزفة الشعبية التي احتلت المدخل والطوابق الأولى للاحتفال بالعروسين على الطريقة التقليدية السائدة من خلال ترديد الأغاني الشهيرة الخاصة بالأفراح لتزداد الأجواء بهجة وحماسة !!!!
يتبع
الفصل التاسع
تأنقت كلتاهما بثياب أنيقة شبه رسمية مع احتفاظها بالذوق الشبابي لكنها ليست كأثواب الأفراح فهناك عمل ينتظرهما عند الكورنيش حيث تتواجد عربة الطعام والتي وضعت هناك قبل وقت سابق وبمجرد إنهاء تلك الزيارة غير الضرورية ستتوجهان إليها ذهابهما فقط جاء بناء على رغبة والدتهما وقفت همسة أمام توأمتها تعقد لها أنشوطة بلوزتها النبيذية اللون والمصنوعة من قماش الستان التي ارتدتها أسفل الجاكيت الثقيل تأكدت من إحكامها حتى لا تنحل عقدتها في حين تذمرت فيروزة من ذهابها لذلك العرس قائلة
مش فاهمة لازمتها إيه نروح عندنا شغل والنهاردة الويك إند ده غير إن في حاجات كتير لازم تتعمل
تنهدت مبررة ذهاب ثلاثتهن
ما إنتي عارفة ماما محكمة رأيها بتقولك جيرانها وعشرة زمان و
توقفت للحظة عن متابعة جملتها لتقلد نبرتها ثم استطردت قائلة محاكية إياها في حركة جسدها وإشارات حاجبها
لازما وحتما نعمل الواجب إنتو عاوزين الناس تاكل وشي
ضحكة صغيرة ارتسمت على شفتي فيروزة من طرفة أختها التفتت الاثنتان نحو والدتهما حينما صاحت من الخارج
أنا جهزت خلاص يا بنات إنتو خلصتوا
أيوه يا ماما
قالتها همسة أولا وهي تتحرك إلى الخارج بعد أن نفضت شعرها خلف ظهرها لينسدل عليه كنوع من تغيير مظهرها في حين عقصته فيروزة كعكة وزينته بمنديل رأس قرمزي اللون غير ذاك الذي فقدته لكنه يحمل ذات النقوش مما منحها رونقا آخاذا تبعتهما في هدوء أدارت آمنة رأسها نحو ابنتيها تسألهما
قفلتوا الشبابيك كويس ومحبس الغاز فصلتوه و
قاطعتها همسة مؤكدة
عملنا كل حاجة يا ماما متقلقيش
ردت مبتسمة
خير يالا بينا توكلنا عليك يا رب
جلست فيروزة على المقعد المجاور لباب المنزل لترتدي حذائها ذو الرقبة العالية رفعت رأسها نحو والدتها تسألها في فضول وعيناها مرتكزتان عليها
هو خالي جاي
أجابت آمنة بوجه به مسحة ضيق
معرفش ومسألتوش
عقبت عليها بنظرات متنمرة
يا رب ما يجي مش ناقصين عكننة
وما لبث أن انخفض صوتها وهي تكمل
وخصوصا الحرباية مراته!
ردت عليها همسة تؤيدها
معاكي في ده!
حدجتهما آمنة بنظرات محذرة وهي تعاتبهما
عيب يا بنات مايصحش تتكلموا عنها وحش مهما كان دي بردك مرات خالكم
انزعجت فيروزة من طيبتها العفوية نحوها فنعتتها قائلة بنبرة غاضبة
دي كتلة شړ ماشية على الأرض!
ردت غير مبالية
هي حرة واحنا مالناش دعوة بيها ربنا وحده قادر يهديها
أطبقت على شفتيها غيظا وحاولت ألا تنفعل حتى لا تعكر الأجواء بسبب تلك المرأة الحقود انتظرت حتى خرجت والدتها من البيت ومالت على أختها تهمس لها
أمك دي سهل أي حد ياكل بعقلها حلاوة مصدقة إن الحرباية دي ملاك! دي شيطان اقسم بالله
ردت همسة بصوت خفيض
أنا مصدقاكي بس هنعمل إيه خلينا بعيد عنها أحسن
وتفتكري هي هتسيبنا في حالنا ماتبقاش العقربة حمدية!
توقفت كلتاهما عن الهمس حينما صاحت والدتهما متسائلة
بترغوا في إيه يا بنات هنتأخر
ردت عليها همسة بارتباك طفيف
ولا حاجة يا ماما احنا نازلين وراكي أهوو
تأكدت فيروزة من غلق باب المنزل بالمفتاح وخطت نحو الدرج ونظراتها تتجول على الطابق العلوي حدسها ينبئها أن تلك الأفعى تحيك أمرا في الخفاء فكما عاهدتها هي ليست من أولئك الذين يتنازلون بسهولة عن الاڼتقام ولكونها قد فازت عليها بالجولة الأولى في معركتها معها لذا لن تتوانى حمدية عن الرد وبقسوة تنهدت محدثة نفسها بنبرة عازمة
هتلاقيني وقفالك بالمرصاد!
اقتطع جزء من الشارع الرئيسي ليقام فيه العرس الكبير وتولى أحد محال الفراشة تجهيز المكان ليصلح لتلك المناسبة في مثل ذلك الطقس البارد حيث وضعت السجاجيد بالطرقات ورصت فوقها المقاعد الخشبية وبعض الطاولات الدائرية وأقيم عند
المقدمة مسرحا صغيرا لتجلس عليه الفرقة الموسيقية التي ستشدوا بالأغاني الطربية والشعبية كما تم تجهيز كوشة لافتة للأنظار مزدانة بالإنارات البراقة عند أقصى يمين المسرح ولم يغفل منظمو الحفل عن الاستعانة بمتخصصين في خدمة الضيوف وتوزيع الطعام والمشروبات عليهم
ومع حلول المساء بدأ المدعوون في الحضور واتخاذ مقاعدهم في الصفوف الأولى إلى أن امتلأ المكان تقريبا والموسيقى الصاخبة تشدو حولهم بعد برهة ارتفعت أصوات الزغاريد والتهليلات الذكورية كإعلان عن اعتلاء العروسين للكوشة واستقرارهما به وبحركة مجاملة لوح تميم بيده لضيوفه يشكرهم على حضورهم بينما وزعت خلود ابتسامات سعيدة مشرقة على من تعرفهم لا تصدق أنها اليوم ترتدي ثوب عرسها وستزف إلى فارس أحلامها الوحيد بدأت الفقرات الغنائية والكل يتسابق في إظهار فرحته بدا وكأن كل شيء يسير على ما يرام إلى أن ظهر محرز ومعه ضيف غير مرحب به هنا تبدلت ملامح تميم للوجوم كان كمن أجبر على ابتلاع شيئا يمقته بشدة تقدم الأول نحوه وابتسامته اللزجة تعلو محياه مهللا وكأنه أحرز انتصارا لا مثيل له
إيه رأيك في المفاجأة دي
رمقه بنظرة عبرت عن انزعاجه بالإضافة لرفضه لتصرفه غير المقبول تحت أي ظرف كانت قسمات وجهه تنطق عنه بذل الكثير من الجهد ليسيطر على