فارس احلامي بقلم امل نصر

لمحة نيوز

الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم.
هل يوجد حقا ما يسمى ب الحب عبر التخاطر أن تبتعد المرأة عمن تحب مسافات شاسعة فلا لقاء يجمعهما ولا تواصل يربطهما ورغم ذلك تظل الأرواح في تلاقي مستمر مما يجعلهما رهيني التفكير ببعضهما ليل نهار كان هذا هو السؤال الذي يؤرق بطلتنا وأظنه يشغل بال الكثيرين غيرها.
في إحدى المصالح الحكومية التي كانت تعج بالناس الغادين والرائحين لقضاء حوائجهم أمام مكاتب الموظفين كانت دنيا تؤدي عملها بكل جهد وإخلاص وهو دأب اعتادت عليه منذ التحقت بالوظيفة قبل سنوات طويلة.
قالت دنيا لامرأة بسيطة كانت تقف أمام مكتبها تستمع إليها بذهن مشتت ولم يبد عليها الاقتناع أو الرضا عما تسمع
شوفي يا مدام انتي هترجعي على بيتك دلوقتي وتيجي بكرة بالأوراق المطلوبة شهادة ميلاد كمبيوتر وصورة من قسيمة الزواج هاتيهم وتعاليلي.
فردت السيدة مجادلة بحدة
واجيب شهادة كامبيوتر ليه ما انا جيبالك شهادة الواد قدامك اهو! ولا هي تحابيك وبس عشان اروح واجي في تعب القلب ده
ضغطت دنيا بأصابعها على صدغيها تحاول تخفيف ألم الصداع الفظيع وأجابت بصوت يملؤه الإنهاك
يا حاجة افهمي انا والله ما بإيدي ولا عايزة اتعبك بس دي أوراق رسمية يعني الحكومة هي اللي تقرر ان كانت عايزة ورق عادي ولا كمبيوتر ثم انتي أساسا أوراقك ناقصة يعني راجعة راجعة.
جذبت السيدة الأوراق من يد دنيا بعنف وصرخت بصوت عال لفت أنظار جميع من في القاعة من موظفين ومواطنين
هو وجع قلب وبس! غاوين تمشورونا وتتعبوا قلبنا بتحبكوها وتزمزقوا ع الغلابة وكأننا مش بني آدمين! خلاص مبقاش في رحمة الكل بيتآمر ع الناس الغلابة.. ربنا ع المفتري ربنا ع المفتري!
شبكت دنيا يديها فوق المكتب وراحت تتابع بيأس صياح المرأة الذي جمع الناس حولها. لم تكن تملك القدرة على إخطائها أو الرد عليها بما يناسب الموقف فما ذنبها هي في روتين ممتد منذ عقود وضع في الأصل لحماية مصالح المواطنين
خرجت منها تنهيدة عميقة وهي تشيح بنظرها عن الباب الذي خرجت منه السيدة. وبينما كانت تحاول العودة لعملها التقت عيناها بعيني زميلها الأستاذ رجب الذي استغل الفرصة كعادته ليدلي بدلوه
الست بتهلل واكننا احنا اللي بنحط القرارات مش موظفين غلابة مسؤولين وبس عن تنفيذها.
ردت دنيا بتهذيب رغم افتقادها للرغبة في الحديث
معلش بقى ست غلبانة ودا حجم تفكيرها.
قال رجب بنبرة مهتمة
بس انتي شكلك تعبانة يا دنيا لو مش قادرة روحي وانا مستعد اخلص كل اللي عليكي.
مع التعب الذي يفتك بجسدها تمنت لو تقبل هذا العرض المغري لكن كبرياءها وطبعها منعاها من ذلك فاكتفت بابتسامة رقيقة قائلة
الف شكر يا أستاذ رجب مش عايزة أتعبك.
ولا تعب ولا حاجة دي حاجة مش مستاهلة.
لا ما انا ع العموم قربت أخلص.
قالتها وانكبت برأسها على الأوراق لتتهرب من إلحاح زميلها فلم تكن تحتمل حصار نظراته المستمر ولا تلميحاته المبطنة التي تحاول جاهدة تجاهلها.
عند نهاية الدوام وبينما كانت دنيا تجمع أغراضها للرحيل لاحظت زميلتها مدام عنايات وهي تهمس للأستاذ رجب وتنظران نحوها بين الحين والآخر. لم تعر الأمر اهتماما لكن عنايات فاجأتها بالنداء
استني يا دنيا عايزة اروح معاكي.
تروحي معايا ماشي تعالي.
أجابت دنيا باستغراب وانتظرتها حتى أغلقت حقيبتها وغادرت مقعدها القريب من رجب. كان وجه عنايات ينبئ بأن لديها ما تقوله.
داخل حافلة الموظفين استغلت مدام عنايات الفرصة لفتح الموضوع الملح وهمست بصوت خفيض حتى لا يسمعها الآخرون
بقولك الراجل بيحبك وعايز يتجوزك محتاجة ذكاوة دي
لا يا ستي مش محتاجة ذكاوة وانا عارفة وحاسة بكدة من زمان لأن تلميحاته مكشوفة وطول الوقت بيظهرها قدامي.
طيب يا بنتي ايه المشكلة بقى
المشكلة ان انا نفسي مش عايزة.
مش عايزة ليه هو الراجل وحش متزعليش مني لو بتدخل بس انا قد امك ويهمني مصلحتك.
يا مدام عنايات انا مش زعلانة منك والله فاهمة وعارفة وجهة نظرك اللي بالمناسبة هي نفسها وجهة نظر أمي هي كمان عايزة تجوزني وتفرح بولادي في حياتها.
يا فرج الله! يعني انا عندي حق لما اقولك ان الاستاذ رجب فرصة ما تتعوضش دا راجل موظف ومتعلم غير انه يمتلك سوبر ماركت مع عيلته يعني كمان هتعيشي مرتاحة ماديا ومحترم مش زي بقية الموظفين.
يا مدام عنايات انتي بتتكلمي في ايه بس ما الحاجات دي كلها انا عارفاها هو راجل كويس ويستاهل كل خير واللي أحسن مني.
أحسن منك ليه بس يا بنتي هو انتي وحشة ولا ناقصة مثلا ما تقولي يا بنتي ع اللي فيكي!
لقد حاصرتها عنايات في الزاوية وجردتها من كل الحجج الواهية تماما كما تفعل والدتها مع كل خاطب يتقدم لها. وقفت دنيا عاجزة عن إيجاد رد مقنع يوقف هذا السيل من الكلام فهي في النهاية لا تستطيع الموافقة ولا ينوبها من الرفض سوى السخط.
مالك يا دنيا سكتي ليه ما تردي يا بنتي عليا.
قالتها عنايات فاضطرت دنيا لمهادنتها قائلة
خلاص يا مدام عنايات انا هشوف ماما واصلي استخارة قبل ما ارد عليكي بس بلاش وحياة الغالين عندك تدي له عشم اني موافقة عشان انا لسة بفكر.
قالت ذلك حين رأت ملامح البشر على وجه الست فخشيت أن تذهب لتبشره بالموافقة كما حدث في مرة سابقة أدت لنتائج مأساوية.
خلاص مش هقول وهسيبك تفكري براحتك ما هو أكيد يعني انتي تعرفي مصلحتك ولا ايه
هزت دنيا رأسها لترضيهيا وانشغلت عنايات بعدها بالحديث مع الموظفين أو بالهاتف فهي من النوع الذي لا يصمت أبدا. أما دنيا فقد أسندت رأسها إلى الكرسي وراحت تتأمل الطريق من النافذة سارحة في عالم الخيال الذي تعيشه مستحضرة حلمها الجميل الذي يرافقها ليل نهار.
عادت بها الذاكرة إلى أجمل رحلة في عمرها حين زارت البلد مع والدتها قبل خمس سنوات بعد تخرجها من الجامعة. كانت قد ذهبت مرغمة لحضور زفاف ابنة عمتها رغم عدم محبتها للفتاة لكنها فعلت ذلك إرضاء لعمتها الطيبة.
فلاش باك
في اليوم الثاني للزيارة وهو يوم الحناء كانت العروس منشغلة فاصطحبت دنيا ابنة عمتها الصغيرة صباح ذات الأحد عشر عاما لتريها مزرعة الموز التي طالما سمعت عنها.
بينما كانت صباح تشير إلى البيوت وتعرفها على الأقارب قالت
شايفة يا ابلة دنيا اهو دا بقى يبقى بيت خالي حسنين العمارة الكبيرة اللي ورا النخلة دي بناه جديد من كام سنة بالطوب الاحمر بعد ما كان قديم وبالطوبة الخضرا.
يعني ايه بالطوبة الخضرا هو انتوا عندكم الطوب شكله بالألوان
ضحكت الصغيرة بقوة ولم تستطع التوقف
ألوان ايه انا قصدي انه كان مبني بالطين! هو انتي متعرفيش ان البيوت القديمة كانت بتتبني بالطين
أجابت دنيا بضيق من سخرية الطفلة
لأ يا ختي اعرف طبعا هو انتي شايفاني جاية من باريس انا بس استغربت اللفظ مكنتش اعرف انكم مقسمينها ألوان القديم لون والجديد لون.
تاني هتقولي ألوان!
عادت صباح للضحك مما زاد من غيظ دنيا التي كانت تتمتم في سرها
 

تم نسخ الرابط