قلبي لمن بقلم امل نصر
السهل تجاهل وجود عبد الرحمن. كان يمر من أمام مكتبها كغريب معاملته أصبحت رسمية لدرجة الجليد وجمل المشاكسة التي كانت تملأ المكان اختفت تماماً. كانت تلمح في نظراته عتاباً مكبوماً وكلاماً كثيراً يرفض الخروج مما جعل الحيرة تنهشها. أكيد أنا موهومة.. هو ماله ومالي؟ أنا هنا موظفة وبس هكذا كانت تبرر لنفسها وهي تغرس إبرتها في الجلد بقسوة.
حانت لحظة الاجتماع لمناقشة تسليم الطلبية الجديدة. جلس عبد الرحمن أمامها بوقار حاد ودار النقاش جافاً تقنياً وخالياً من أي روح. بعد أن انتهيا واتفقا على كل التفاصيل جمعت ياسمين أوراقها وهمت بالمغادرة لكن صوته استوقفها عند الباب كان صوتاً مخنوقاً بالفضول والقهر
آنسة ياسمين.. واضح إن المشاوير الخارجية واللقاءات المفاجئة بدأت تأثر على المواعيد يا ريت نركز في الشغل الفترة الجاية أكتر.
تسمرت ياسمين مكانها واستدارت ببطء مستغربة من نبرته المبطنة
حضرتك تقصد إيه؟ أنا تسليماتي في موعدها ومفيش لقاءات أثرت على شغلي.
بدأ عبد الرحمن يفقد سيطرته على هدوئه المزيف ووقف خلف مكتبه وهو يرمقها بنظرة حادة
أنا مقلتش أثرت على الجودة أنا بتكلم عن الجو العام. الشركة هنا مكان للشغل مش لمقابلات شخصية عند الباب الخارجي مع ناس غريبة.. إلا لو كان الشخص ده يهمك لدرجة إنك تخرجي معاه في وقت العمل.
شعرت ياسمين بالإهانة وقررت مراوغته ببرود مستفز
والله دي أمور شخصية وأنا حرة في وقتي طالما شغلي خلصان متهيألي مفيش داعي للتحقيق ده.
هنا انفتح بركان الغضب عند عبد الرحمن وضرب بيده على المكتب وهو يصيح بعصبية
لا بقى مش حرية شخصية لما أشوفك خارجة مع واحد وانا معرفش مين ده؟ لازم اضايق. حضرتك عاملة فيها الوقورة والمتحفظة تخرجي مع الشخص ده بالذات ليه بقى؟
فقدت ياسمين أعصابها هي الأخرى واشتعلت عيناها بالدموع والغضب وصرخت فيه دون وعي
عشان ده كان خطيب أختي يا أستاذ عبد الرحمن! جمال اللي كان جاي بخصوص أختي بعد ما حصل مشكلة كبيرة ما بينهم أدت لفسخ خطوبته منها.. ارتحت دلوقتي؟ ارتحت لما عرفت اني أجبرت على الخروج معاه عشان أوفق ما بينهم رغم أني ما بطيقهوش من الأساس.
ساد صمت مفاجئ وصادم في
الغرفة. تراجع عبد الرحمن خطوة وانطفأت نيران غضبه ليحل محلها ذهول وندم شديد. أما ياسمين فقد كانت أنفاسها ملاحقة وندمت في داخلها أنها كشفت ستر بيتها أمام رجل غريب لكن قهرها كان أكبر من قدرتها على الكتمان.
...............................
عادت ياسمين إلى البيت وروحها كأنها ورقة شجر جافة تعصف بها الرياح؛ فمعركتها مع عبد الرحمن لم تستنزف أعصابها فحسب بل أجبرتها على تعرية جرحها العائلي أمام رجل كان بالنسبة لها الملاذ الأخير للاحترام. كانت تمني النفس بساعة من الهدوء خلف باب غرفتها لكن القدر كان يخبئ لها طعنة أخرى خلف باب الصالة.
بمجرد أن فتحت الباب تجمدت الدماء في عروقها وهي ترى ذلك الوقح يجلس في وسط المنزل بزهو وكأنه فاتحٌ عظيم وبجواره والدته التي ترتسم على وجهها ابتسامة النصر والمكر. أما المفاجأة التي شقت قلب ياسمين فهي وجه والدها ووالدتها اللذين أشرقا بفرحة غامرة وكأن غمة وانزاحت عن صدورهما.
تعالي يا ياسمين.. تعالي يا حبيبتي شوفي الفرحة! جمال ووالدته جم وصالحونا وكان سوء تفاهم راح لحاله. الميه رجعت لمجاريها بين جمال وأختك سما.
هكذا استقبلتها اعتدال بنبرة راقصة بينما أومأ لها والداها رشدي بابتسامة نادرة تشير إليها بالجلوس ومشاركتهم هذه الوليمة من النفاق. نظرت ياسمين حولها بذهول؛ أيعقل أن ينسوا بكل هذه البساطة
إهانته لابنتهم؟ أيعقل أن تمحى المناحة والدموع بجلسة صلح كاذبة؟
لكن الصدمة الحقيقية كانت حين التقت عيناها بعيني جمال. لم تكن نظرة خطيب عائد لنصيبه بل كانت نظرة خبيثة لا يفهم شفرتها أحد سواها. كانت عيناه تقولان بوضوح شفتي؟ رجعت البيت من أوسع أبوابه وبكرة هخليكي تشوفي الويل وتوافقي غصب عنك.. أنا اللي مسيطر هنا.
حاول جمال أن يرسم دور الوقار أمام والدها وقال بصوتٍ هادئ يستفز كل ذرة كرامة في ياسمين
نورتي يا ياسمين.. كنا لسة بنقول إن البيت ميكملش من غيرك وإنك كنتِ واحشانا في قعدة الصلح دي. اقعدي يا أختي ده إحنا أهل.
شعرت ياسمين بغثيان يكتسح كيانها. وقفت مسمرة في مكانها بينما والدتها تلح عليها
اقعدي يا بنتي سلمي على طنط وعلى جمال.. بلاش وش الخشب ده في ليلة زي دي.
كانت ياسمين تنظر إلى والديها اللذين اشتريا راحة البال الزائفة على حساب كرامتها وإلى جمال الذي يمارس لعبته القذرة تحت سمعهم وبصرهم. شعرت أنها غريبة في هذا البيت وأن الغدر لم يأتِ من الغرباء فحسب بل نبت في قلب صالتهم القديمة.
...........................
عادت ياسمين إلى غرفتها لكن جدرانها لم تعد تمنحها السكينة. كانت أصوات الضحكات والهزار المتصاعد من الصالة تخترق الباب كأنها إهانات شخصية موجهة إليها. هل يعقل أن يكونوا بهذه السذاجة؟ أم هو العمى الاختياري من أجل سترة بنية وراحة بال زائفة؟ تساءلت بمرارة وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر من التفكير.
كانت تعلم أن كشف حقيقة هذا الفاسد مغامرة غير مأمونة العواقب. فمن صدقوه حين ترك ياسمين واختار سما في جلسة التعارف الأولى ومن استقبلوه بالأحضان بعدما كسر قلب سما وفسخ الخطبة هل سيصدقون الآن أنه يطارد ياسمين في الخفاء؟ سيقولون غيرة أو أوهام أو ربما يتهمونها بأنها تريد تخريب فرحة أختها للمرة الثانية.
لكن الكرامة كانت تصرخ بداخلها ولم تعد تحتمل الصمت. نهضت فجأة وبخطواتٍ يملؤها التصميم توجهت نحو المطبخ حيث كانت والدتها اعتدال تنهمك في إعداد واجب الضيافة لهذا الضيف الثقيل.
وقفت ياسمين خلف أمها وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة رغم العاصفة التي تسكنها
ماما.. إنتوا إزاي توافقوا على رجوع البني آدم ده تاني؟ إزاي قدرتوا تفتحوا له الباب بعد كل اللي عمله؟
توقفت اعتدال عن تقليب الطعام والتفتت إليها بضيق وهي تمسح يدها في المريلة
ونرفض ليه يا ياسمين؟ ده إحنا ما صدقنا إنه رضي يرجع لأختك ويلم الدور. عايزانا نرفض الرزق ونقعد نندب حظنا؟
هنا قررت ياسمين أن تلقي بالقنبلة الأخيرة لعلها توقظ هذا الضمير النائم
رزق؟ ده جالي الشركة يا ماما! طلب يقابلني وقعد معايا وقالها لي في وشي.. إنه ندمان إنه خطب سما وعايزني أنا! البني آدم ده مش جاي عشان سما ده جاي عشان يكسرنا كلنا ويشوف نفسه علينا.
ساد صمتٌ قاتل في المطبخ صمتٌ لم تقطعه إلا أنفاس ياسمين المتلاحقة. رمقتها والدتها بنظرة لن تنساها ياسمين ما حييت؛ نظرة مزيجاً من عدم التصديق والإنكار الجاحد وإشفاقاً مهيناً وكأنها تنظر لمريضة تهذي. لم يكن في عيني الأم غضب على جمال بل كان فيهما لومٌ مبطن لياسمين لأنها تجرأت وعكرت صفو هذه الفرحة المستوردة.
شعرت ياسمين بنظرة أمها تجرح كرامتها أكثر من كلمات جمال نفسه. لم تلمس في أمها غيرة الأم على ابنتها بل لمست رغبةً في إخراس الحقيقة حتى لا ينهار سقف البيت الهش.
لملمت ياسمين ما تبقى من عزة نفسها ووقفت بصلابة وهي تتراجع نحو الباب قائلةً كلمتها الأخيرة والجارحة
على العموم.. أنا عملت اللي عليا وبلغتك بالحقيقة عشان ذمتي قدام ربنا. إنتوا حرين بس افتكروا كويس إني حذرتكم من التعبان اللي قاعد معاكم بره ده.
خرجت ياسمين من المطبخ وهي تشعر أنها غريبة تماماً عن هذه العائلة وأن معركتها الحقيقية لن تكون مع جمال وحده بل مع الخوف الذي يسكن قلوب أهلها ويجعلهم يفضلون الخيانة على المواجهة.
.....................
وسط هذا السكون المخيف الذي أعقب مغادرة جمال ووالدته تحول جدار غرفتها إلى مرايا تعكس عجزها. كانت ياسمين تشعر وكأن هناك جبلًا جاثمًا على صدرها وصوت ضحكات سما في الصالة وهي تتباهى بهدايا عريس الهنا ينساب من تحت عقب الباب كأنه سمّ بطيء.
لكن تلك الرسالة كانت القشة التي قصمت ظهر صبرها. قرأتها مرة واثنتين وعيناها تتسعان من فرط البجاحة كدة برضو يا ياسمين.. دا أنا اتصورت إني أشوف الفرحة لأختك في عينك بعد رجوعي ليها حبيبتي الغالية الاقي زيها فين بس!.. كلمات تقطر مكرًا كأنه يغرز خنجره في جرحها ويطلب منها أن تبتسم.
انهارت ياسمين على سجادة صلاتها ورفعت بصرها نحو السماء بدموع محبوسة ولسان حالها يصرخ بمرارة يا رب.. أنت الحليم وأنا الضعيفة أنت الحق وأنا المظلومة.. ماليش غيرك يشوف لي حل في الكابوس ده.
بينما كانت ياسمين في خلوتها مع الله رنّ هاتفها مرة أخرى لكن هذه المرة لم تكن رسالة من جمال بل كانت إشعارًا من العمل.. رسالة من عبد الرحمن.
كانت الرسالة قصيرة وجادة لكنها حملت في طياتها نبرة مختلفة تمامًا عما حدث في الشركة
آنسة ياسمين أنا بعتذر لو كنت انفعلت بزيادة الصبح. الحقيقة إني كنت خايف على مصلحة الشغل.. وعلى كرامة بنت شاطرة ومجتهدة زيك من أي استغلال. أتمنى بكره نبدأ يوم جديد بعيد عن أي توتر.
لم تدرِ ياسمين لماذا شعرت بغصة في حلقها حين قرأت كلمات عبد الرحمن. هل هو القدر الذي يرسل لها بصيص نور وسط هذا الظلام؟ أم أن اعتذار عبد الرحمن جاء ليذكرها بأن هناك من يخاف عليها حقًا بينما أهلها يبيعون راحتها من أجل سترة مزيفة لأختها؟
نامت ياسمين ليلتها وهي تشعر أن الصراع لم يعد بينها وبين جمال وحده بل أصبح صراعًا بين ماضٍ يحاول كسرها ومستقبل بدأ يطرق بابها من خلال شخص لم تكن تتوقع منه الحنان أبدًا.
توقعاتكم في اللي جاي
يا ترى جمال هيسيب ياسمين في حالها؛
ولا اخر قصة عبد الرحمن معاها ايه؟
ولا سما دورها ايه في اللي جاي؟
انتظروا الجزء التالت