قلبي لمن بقلم امل نصر

لمحة نيوز

وافقي يا بنتي خليكي عاقلة وريحي قلبنا
تلك الكلمات التي كانت تتردد على اسماعها وهي مازالت حتى لا تستوعب اهو حقيقة أم مزحة
تجمدت ياسمين في مكانها، وكأن كلمات والدتها خناجر اخترقت صدرها. نظرت إلى إعتدال بذهول، وهي غير مصدقة أن هذا هو المنطق الذي يُطلب منها اعتماده لتبرير كسر قلبها.
رزق؟ همست ياسمين بصوت مرتجف، ثم ارتفعت نبرتها تدريجيًا يا ماما، إنتِ بتسمي خيانة الوعود والأصول رزق؟ الراجل ده دخل البيت عشان يخطبني أنا، قعدنا مع بعض، اتكلمنا، وأنا كنت فاكرة إننا اتفقنا على كل حاجة. وفجأة، وبجاحة غريبة، يقرر إن أختي هي نصيبه؟
زفرت إعتدال بضيق، محاولة الحفاظ على هدوئها المصطنع وهي تعدل شالها يا بنتي افهمي، اللي حصل حصل، والراجل شافه في سما اللي مشافوش فيكي، وده نصيب. إنتِ عايزة واختك وافقت قالت تمام يبقى انتي توقفي حالها بقى وتكوني سبب في تعاستها؟ وبعدين إحنا في بيت إيجار قديم، ومصاريف الحياة مش محتاجة عواطف، ده عريس لقطة، وميضيعش من إيد العيلة.
ضحكت ياسمين ضحكة مريرة، والدموع تترقرق في عينيها لقطة؟ تقصدي إنه لقطة عشان معاه قرشين؟ يعني نبيع كرامتي عشان نستر أختي؟ ومين يضمن لي إن اللقطة ده لما يزهق من سما بكرة، ميرجعش يدور على رزق جديد في الشارع؟ إنتِ بتجبريني أبارك للي كان هيبقى جوزي المستقبلي على إنه اختار أختي بدل مني، وعايزاني أبتسم كمان؟
اقتربت إعتدال منها بحدة، خافضة صوتها ياسمين، اسمعيني كويس. الفضيحة مش إنك تترفضي، الفضيحة إننا نضيع فرصة زي دي. ابلعيها يا بنتي، بكرة الأيام تنسيكي، وأختك تشكرك إنك ضحيتي عشانها ومشالتيش في نفسك، اعتبريه متقدملكيش من الأساس.
نظرت ياسمين إلى باب الغرفة حيث تقف سما خلفه، تتنصت بخوف وارتباك، ثم نظرت إلى والدتها وقالت ببرود مفاجئ الرزق اللي بييجي على حساب كرامة أهله يا ماما، عمره ما بيدوم. لو سما عايزاه، ف أنا مش هقف في طريقها، بس ما تطلبيش مني أكون شاهدة على مهزلة.
.................
ساد صمت ثقيل في أرجاء الشقة الضيقة، ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة، حين لا تجد الكلمات مسلكاً إلا عبر نبراتٍ مشحونة بالقهر. خرجت سما من غرفتها، تتصنع وجهاً شاحباً وعيوناً تدعي الحزن، لكن لمعة الانتشاء كانت تفضح سريرة قلبها. اقتربت من ياسمين ومدت يدها المرتجفة لتلمس كتفها، وقالت بصوت متهدج
ياسمين.. أرجوكِ متظلمنيش، أنا والله ما كان لي يد في اللي حصل. هو اللي فاجئنا كلنا باللي قاله، أنا كنت داخلة بس بالقهوة.. صدقيني قلبي واجعني عليكي، ومش عارفه اعمل ايه من زن بابا وماما على راسي، اصلهم مقتنعين بيه اوي، اكمنه غني يعني، مستخسرين يروح لواحدة تانية غيرنا.
نظرت ياسمين إلى يد أختها التي تستقر على كتفها، كأنها قطعة ثلج باردة تحاول إيهامها بالدفء. سحبت ياسمين كتفها بعيداً ببطء، والتقت عيناها بعيني سما؛ فكانت النظرة التي رأتْها هي ذاتها التي عرفتها طوال حياتها، تلك النظرة التي تلمع في عينيّ الطفلة المدللة حين تظفر بقطعة حلوى لم تكن من نصيبها.
ابتسمت ياسمين ابتسامةً خاوية من أي معنى، وقالت بصوتٍ تقطره المرارة
سيبي إيدي يا سما.. وبلاش تعملي فيها المجبورة. أنا عارفاكي كويس، وعارفة نظرة عينك دي، دي نفس النظرة اللي كانت بتجيلك لما تشوفي فستان عجبك وأنا لابساه وتقوليلي يا ريتني كنت أنا. خلاص يا سما، اللعبة بقت بتاعتك، مبروك عليكي.
استشاطت سما غضباً، واحمرّ وجهها وهي تحاول استجماع تماسكها المنهار
إيه الكلام ده؟! إنتِ فاكراني خطفتُه؟ بقولك بابا وماما هما اللي صمموا! قالوا ده نصيبها، وأنا أعمل إيه يعني؟ أقولهم لا وأكون عاقة؟ عايزاني أخسر أهلي عشان خاطر عريس؟
لم تملك ياسمين إلا أن تطلق ضحكة قصيرة، خالية من أي طرب، ضحكةٍ تنبع من قاع الجرح
عاقة؟ يا شيخة حرام عليكي! قولي إنك عايزاه وخلاص. ما تخافيش يا ست البنات، أنا مش هقف في طريقك ولا هعمل خناقة، ولا هبقى الأخت الغلاوية اللي بتنكد على أختها، زي ما هما هيحكوا للناس ويطلعوني أنا الوحشة.
دنت ياسمين من وجه أختها، وهمست بنبرةٍ جمدت الدماء في عروق سما
بس أمانة عليكي.. ما تطلبيش مني أباركلِك. المباركة دي بتطلع من القلب، وأنا قلبي دلوقتي مكسور ومفيش فيه مكان غير للوجع. افرحي يا سما، وجهزي نفسك، بس خليكي فاكرة طول عمرك.. إن جوازتك دي اتبنت على أنقاضي، والحيطان دي شاهدة.
تركتها ياسمين واقفة في الصالة، وقد انطفأت في عينيها شرارة الفرح المزيّف، ووقفت سما تتجرع مرارة الحقيقة التي لم تكن ترغب في مواجهتها.
...................
تجسد رشدي توفيق في هيئة الأب الذي يرى أن قراراته هي القدر الذي لا يُناقش، دخل الصالة بخطواتٍ واثقة، ووجهٍ لا يحمل أي أثر لتأنيب الضمير، وكأن ما يفعله هو عين الصواب. جلس على المقعد الخشبي القديم، وأشار بيده ببرود وكأن الأمر لا يتعدى كونه صفقة تم إبرامها بنجاح.
تطلعت إليه ياسمين، التي كانت لا تزال ترتجف من أثر مواجهتها مع سما، لتصطدم ببرود والدها الذي لم يترك لها مجالاً حتى للاعتراض.
نظر رشدي إلى ياسمين، ثم مسح لحيته بهدوء وقال بصوتٍ أجشّ
بصي يا ياسمين.. أنا عارف إن الموقف مش سهل عليكي، بس اللي حصل ده نصيب، والراجل اتمسك بسما من أول دقيقة، وأنا مش هضيع فرصة زي دي من بيتي عشان كلام فاضي بتاع عواطف.
توقفت أنفاس ياسمين، وشعرت بجدران الشقة تضيق عليها، وسألته بصوتٍ خافتٍ مشحون بالقهر
يعني إيه يا بابا؟ يعني أنت اللي قررت؟ حتى من غير ما تسألني أو تراعي اللي حصل بيني وبينه؟
لم يرمش لرشدي جفن، بل زاد من استفزازها بكلماته
أنا أب، وأعرف مصلحة بناتي أكتر منهم. الراجل محترم، ومركزه كويس، ومفيش داعي نفتح الكلام في اللي فات. أنا كلمته وأديته الكلمة، والموافقة تمت، وهو جاي النهاردة بالليل عشان نحدد ميعاد الخطوبة ونكتب الكتاب.
ساد صمتٌ قاتل، لم تقطعه إلا أنفاس ياسمين المتسارعة، بينما استطرد الأب وكأنه ينهي نقاشاً تافهاً
عايزك تكوني عاقلة، وتستقبليه النهاردة بوش بشوش، مش عايز نكد ولا وش خشب قدام الناس. اللي يروح يروح، والرزق اللي ييجي لحد باب البيت مش بنقوله لأ.
وقفت ياسمين، وقد شعرت أن كيانها كأنثى وكابنة قد تفتت أمام هذا القرار الذي صُدر في حقها كأنه حكمٌ بالإعدام. نظرت إليه بعيونٍ ملؤها الوجع والرفض الصامت، ثم قالت بصوتٍ كاد يختفي
يعني أنت بعتني، وبعت كلمتي اللي كانت في رقبتك، عشان عريس جاي يشتري أختي؟
زفر رشدي بضيق، ونهض من مقعده بحدة
إياكِ أسمع الكلمة دي تاني! أنا بعمل ده لمصلحة العيلة كلها، وبلاش شغل الدراما ده، جهزي نفسك، الناس جاية بليل وعلى رأي امك اعتبريه متقدملكيش من اساسه ، عشان ربنا يرزقك بغيره ويكرمك انتي كمان زي اختك ، كل واحدة وليها نصيبها، هي وقفت عليه يعني.
استدار رشدي وغادر الغرفة، تاركاً ياسمين تواجه وحدها صمت الحيطان الذي بات الآن ثقيلاً وموحشاً كقبرها.
................
مساء 
في غرفتها، كانت ياسمين تجلس وسط خيوط المكرمية وقطع
الجلد، أصابعها تتحرك بمهارةٍ آلية، بينما قلبها يتمزق في صمت. كان ضجيج
الصالة يصل إليها كأنه طعنات؛ أصوات الضحكات، زغرودة مكتومة، ووقع خطوات العريس وأهله الذين جاؤوا لترسيم الخيانة في إطارٍ شرعي.
تتجاهل ياسمين الوجع بتركيزها في عملها اليدوي، تُحكم عقدة الخيط بقوة كأنها تخنق أحزانها، لكن ملح الجرح كان أشد من أن يواريه الانشغال. فجأة، انفتح الباب دون استئذان، وطلت والدتها اعتدال بوجهٍ يملؤه التوتر والإصرار، وألقت نظرة شامتة على شنط الهاند ميد
يا بنتي حرام عليكي نفسك، لسة بتضيعي وقتك في الشنط اللي لا بتودي ولا بتجيب دي؟ قومي يا ياسمين، الناس بره بيسألوا عليكي، وأمه عايزة تسلم عليكي مخصوص.. ما تخليش شكلنا وحش قدامهم، أرجوكي، خلّي الليلة تعدي على خير.
حاولت ياسمين أن تصمد، أن ترفض، أن تقول إن كرامتها أغلى من الأصول الزائفة
يا ماما حرام عليكي، سيبيني في حالي.. عايزاني أخرج أعمل إيه؟ أبارك لهم؟ أضحك وأنا قلبي بيتقطع؟ مش هقدر يا ماما، كفاية اللي أنا فيه.
لم تستمع اعتدال لرجائها، بل بدأت في شدها من ذراعها بقوةٍ تداريها خلف نبرةٍ حنونة زائفة
يا حبيبتي ده أصول، والناس بره بقوا سمن على عسل، وما صدقوا يصفوا النية، بلاش تطلعينا بمظهر الوحشة اللي بتحسد أختها ولا بتغل منها، قومي، البسي طرحتك واطلعي ارمي السلام، وبعدها ادخلي تاني.
تحت زن والدتها القاسي، استسلمت ياسمين، ليس اقتناعاً، بل لتكف عن ملاحقتها. خرجت وهي تجر أقدامها، وما إن وطئت قدماها الصالة حتى كانت الصدمة الأولى سما تجلس بجوار عريسها، يتهامسان بابتساماتٍ خجولة، في مشهدٍ استفزازي يعلن انتصار المدللة.
وقبل أن تستوعب ياسمين الموقف، انتفضت والدة العريس، سيدة ترتدي قناعاً من الود المفتعل، لتخطف ياسمين هامسةً في أذنها بمكرٍ لا يدركه إلا أهل الخبرة
كنتِ غايبة فين يا حبيبة قلبي؟ مفيش فرحة هتكمل من غيرك يا ياسمين.. إحنا برضه كنا عايزين نطمن إنك معانا ومباركة للنسب اللي يجمع ما بينا ايا كانت ياسمين ولا سما، انتوا الاتنين بنات اصول وعيلة محترمة.
شعرت ياسمين أن الهواء قد انقطع عنها، نظرت إلى والدتها التي كانت تتابع المشهد بابتسامة انتصار، وإلى والدها الذي أومأ لها برأسه بصرامة تأمرها بالصمت والابتسام. فكانت قعدة النفاق قد اكتملت، وكان عليها الآن أن تلعب دور الشقيقة الكبرى التي تبارك التمثيلية الهزلية بابتسامة مصطنعة تحرقها كالجمر
.......................
تحدث العريس المدعو جمال، واضعاً ساقاً فوق الأخرى ببرودٍ يثير الأعصاب، وهو يوزع نظراته بين الحضور، حتى استقر ببصره على ياسمين التي كانت تحاول تثبيت ملامح وجهها لتخفي بركان الغضب بداخلها. بابتسامةٍ باردة تتوشح البراءة المصطنعة، تحدث وكأن شيئاً لم يكن بالأمس
يا أهلاً يا ياسمين.. اخيرا نورتينا. مكنش ينفع نتمم الاتفاق من غيرك، إنتِ برضه غالية علينا كلنا، وبما إنك أخت سما الكبيرة، فأكيد رأيك يهمنا.. مش كدة يا سما؟
شعرت ياسمين أن الدم يغلي في عروقها، وأن سقف الغرفة يكاد يهبط على رأسها. نظرت إليه محاولةً ألا تظهر ارتجافة صوتها، وردت من بين أسنانها بكلماتٍ مقتضبة
ألف مبروك.. ربنا يتمم لكم على خير.
لم تكد تصمت، حتى تحدثت سما، التي كانت تجلس ملتصقة به كأنها تحميه من سرقة أخرى، لتمسك بيد ياسمين وتضغط عليها بابتسامةٍ كاذبة بلغت حد الغثيان
يا روحي يا ياسمين! والله كنت عارفة إنك أطيب قلب في الدنيا. إنتِ اللي علمتيني كل حاجة، وإنتِ أحلى وأجدع مني بمراحل.. بجد، ربنا يرزقك باللي يقدر قيمتك ويستاهل قلبك الطيب ده، لأنك بجد جوهرة.
هزّ باقي الجالسين رؤوسهم بالموافقة، وكأنهم في مسرحية مُعدّة جيداً لتلقين ياسمين دور المضحية المثالية. أم
 

تم نسخ الرابط