قلبي لمن بقلم امل نصر

لمحة نيوز


العريس أضافت بصوتٍ رخيمٍ مفعم بالنفاق
طبعاً يا حبيبتي، ياسمين دي غالية، والرزق بييجي في وقته، وكل اللي بيحب الخير لغيره ربنا بيفتح له أبوابه.
كل كلمة كانت تنزل على قلب ياسمين كأنها ضربة مِعول. شعرت بقبضةٍ حديدية تعتصر صدرها، ونَفَسها بدأ يضيق لدرجة الاختناق. لم تعد قادرة على تحمل هذا الاستعراض المفضوح للنفاق. نهضت فجأة، وهي تستند بيدها على حافة الطاولة لتتماسك
عن إذنكم.. مش قادرة أكمل، مصدعة شوية وهدخل أستريح.
لم تنتظر رداً، بل تحركت بخطواتٍ متعثرة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ لم تقصدها، لكنها كانت تعبيراً عن رغبتها في عزل العالم. ألقت بنفسها على السرير، ووضعت يديها فوق أذنيها لتحجب أصوات الضحكات والمجاملات التي كانت تتسرب عبر الشقوق، لتصل إلى مسامعها كأنها سكاكين تنغرس في صميم كرامتها. تمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلع تلك الليلة، أو أنها تغفو لتستيقظ وتجد كل هذا مجرد كابوسٍ سخيف، لا واقعٍ مرير يفرض عليها أن تكون المبارِكة لخذلانها
..............
طلعت شمس اليوم التالي وياسمين في عينيها سواد سهر طويل، لكنه لم يكن سهر بكاء فحسب، بل كان سهر خلاص. قررت ياسمين أن هذه الليلة السوداء كانت آخر عهدها بانتظار النصيب الذي يأتي في جلسة صالون ليُقيمها كسلعة. أحكمت غلق قلبها، وفتحت عقلها على مشروعها الصغير، وظلت طوال الليل تتنقل بين المواقع والصفحات حتى وجدت خيطاً لشركة تسويق كبرى تدعم الحرف اليدوية.
ارتدت ملابسها الرسمية، وحملت حقائبها التي صنعتها بدم قلبها، وتوجهت إلى مقر الشركة. هناك، وفي مكتب يفوح منه عبق العمل والنظام، كان اللقاء مع عبد الرحمن.
كان عبد الرحمن شاباً عملياً، حاد النظرات، يبدو عليه أنه لا يجامل في العمل. تفحص حقائبها ببرود استفزها، ثم ألقى بواحدة منها على المكتب بإهمال قائلاً
شوفي يا آنسة ياسمين.. الشغل كفكرة كويس، بس الفنش فيه عيوب كتير، والغرزة هنا واسعة، واللون ده مش موضة السنة دي خالص.. إنتِ فاكرة إن أي حد بيمسك إبرة وخيط يبقى فنان؟
شعرت ياسمين بشرارة غضب تشتعل في صدرها؛ فجرحها لا يزال ينزف، ولم تكن في حالة تسمح لها بتقبل إهانة لعملها الذي هو مهربها الوحيد. وقفت بحدة وقالت ونبرة صوتها قوية
عيوب؟ حضرتك بتتكلم عن غرزة هاند ميد مش مكنة صينية! لو كنت بتفهم في التعب اللي بيتبذل في كل عقدة خيط، مكنتش قولت الكلام ده. وبعدين لو اللون مش عاجبك، فده ذوق سوق، مش عيب في الصناعة!
رفع عبد الرحمن حاجبه، وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذه الانتفاضة منها ليخرجها من حالة الوجوم والجمود التي دخلت بها المكتب. رد ببرود مدروس
والله؟ وأدينا طلع لنا صوت وبنرد أهو! أنا قولت إنك جاية مغصوبة على الشغلانة دي من كتر ما وشك كان مقفول ومش طايقة كلمة. بس كويس، العصبية دي معناها إنك غيورة على شغلك.
احتدت ياسمين أكثر، واقتربت من مكتبه وهي تشير لشنطتها
أنا مش جاية هنا عشان تحلل شخصيتي أو تقيم وشي مقفول ولا مفتوح. أنا جاية لشركة محترمة تعرض شغلي. لو مش قد المقام، آخد حاجتي وأمشي، والسوق مليان!
ضحك عبد الرحمن هذه المرة بوضوح، وسند ظهره إلى الكرسي قائلاً بنبرة أهدأ
اقعدي بس يا آنسة ياسمين وهدي أعصابك. أنا كنت بختبر صبرك وثقتك في منتجك، لأن اللي يسوق لازم
يكون نفسه طويل. وشغلك الحقيقة فيه لمسة غريبة وجميلة، بس فعلاً محتاج توجيه بسيط عشان يكتسح. هاه.. لسة عايزة تمشي؟
نظرت إليه ياسمين بريبة، وأنفاسها لا تزال متلاحقة،
لكنها شعرت لأول مرة منذ ليلة أمس أن هناك من يراها كياناً مستقلاً، لا مجرد عروس بديلة في جلسة صالون.
............................
عادت ياسمين إلى المنزل وخطواتها تكاد تسبق الريح، وجهها الذي كان مطفأً ليلة أمس استرد نضارته بفضل شعور الإنجاز. دخلت الصالة حيث كانت والدتها اعتدال تجلس مع سما، وبمجرد أن رأتهم، لم تستطع كتمان الفرحة
ماما.. سما.. أنا اتقبلت! الشركة وافقت تسوق شغلي كله، وهبدأ معاهم من الأسبوع الجاي بطلبية كبيرة.
نظرت اعتدال إليها بدهشة ممزوجة بعدم التصديق
بجد يا ياسمين؟ يعني الشنط اللي كنتِ بتقولي عليها دي جابت نتيجة؟ والشركة دي مضمونة ولا هيضحكوا عليكي؟
ردت ياسمين بثقة لم تعهدها من قبل
مضمونة جداً يا ماما، ده صرح كبير. والمسؤول هناك، رغم إنه شخص مستفز جداً واسمه عبد الرحمن، وشكله ناوي يطلع عيني في المراجعة، بس طلع بيفهم في الشغل. عرفني على طقم العمل، ناس ذوق وشاطرين جداً، وحسيت إني وسط عيلة تانية بتقدر التعب.
سما حاولت تبتسم بس في عينيها كان فيه نظرة استغراب إن أختها المكسورة قدرت تقف على رجليها بالسرعة دي
مبروك يا ياسمين.. ربنا يوفقك، أهو على الأقل تشغلي وقتك في حاجة مفيدة.
لم تلتفت ياسمين لنبرة سما التي تحمل التقليل من شأن نجاحها، بل ظلت شاردة في تفاصيل يومها.. تذكرت كيف كان عبد الرحمن ينكشها أمام زملائها كلما مر بجانب مكتبها، وكيف كان يبتسم بمكر وهو يرى غضبها الطفولي من ملاحظاته الدقيقة.
..........................
في اليوم التالي 
داخل الشركة، كان عبد الرحمن يدخل المكتب بخفة دم ممزوجة بجدية العمل، يقف عند مكتب ياسمين ويقول بابتسامة مستفزة
هاه يا فنانة؟ خلصنا الغرزة العبقرية ولا لسة بنفكر في لون الخيط؟ خلي بالك، السوق مش بيستنى حد يخلص قهوته!
ترد ياسمين وهي تحاول كتم غيظها
أنا مخلصة شغلي من بدري يا أستاذ عبد الرحمن، بس حضرتك اللي غاوي نكش ومش عاجبك العجب.
يضحك عبد الرحمن وهو يبتعد قائلاً
النكش ده هو اللي بيخليكي تطلعي أحسن ما عندك.. استمري، الشغل اللي فات ده لوز، بس استني شوفي ملاحظاتي على الطلبية الجديدة.
رغم مشاكسته المستمرة، إلا أن ياسمين بدأت تشعر براحة غريبة في وجوده؛ فهو الشخص الوحيد الذي لم يشفق عليها ولم يعاملها ك ضحية ليلة الخطوبة، بل عاملها كمنافسة وشريكة نجاح، وهذا كان الملح الذي داوى جرحها الحقيقي.
.....................
استمرت الأيام وياسمين كأنها في سباق مع نفسها، تحول وجعها إلى طاقة غريبة تصبها في كل غرزة خيط وكل قطعة جلد. كانت تصل إلى الشركة قبل الجميع، وتغادرها بعدهم، واضعةً حاجزاً صلباً بينها وبين عبد الرحمن. بالنسبة لها، هو المدير المشاكس الذي يحرك العمل، أما قلبها فقد أغلقته بالشمع الأحمر منذ تلك الليلة السوداء.
بينما كانت ياسمين تبهر الجميع بإبداعها وتفانيها، كان الوضع في المنزل يزداد سوءاً واستفزازاً. الصالة التي شهدت انكسارها، أصبحت الآن ساحة صلح دائمة بين سما وعريسها جمال
كانت ياسمين تعود من عملها محملة بنجاحات جديدة، لتجد والدها رشدي ووالدتها اعتدال غارقين في مشاكل سما
يا ياسمين، تعالي شوفي أختك، جمال زعلان منها عشان اتأخرت في الرد على التليفون، ووالدته كلمتنا وعملت مشكلة.. ادخلي صالحيهم على بعض يا بنتي، إنتِ الكبيرة.
كانت ياسمين تنظر إليهم بذهول مكتوم، وترد بهدوء يحمل جبالاً من القهر
معلش يا ماما، أنا راجعة هلكانة من الشغل وعندي تسليم طلبية الصبح.. هما كبار ويقدروا يحلوا مشاكلهم.
تدخل غرفتها، وتغلق الباب على أصوات قعدة الصلح ونفاق العائلتين، وتخرج أدواتها. كل غرزة كانت تنتقم بها من تجاهلهم لنجاحها، وكل حقيبة تخرج من تحت يدها كانت تبدو كأنها لوحة فنية ناطقة، مما جعل عبد الرحمن يقف أمام شغلها مبهوراً، لكنه كان يلمح الغصة في عينيها.
في المكتب، دخل عبد الرحمن ووجدها تعمل بتركيز مبالغ فيه، لدرجة أنها لم تشعر بوجوده. وقف يراقبها بصمت ثم قال بنبرة خالية من المشاكسة لأول مرة
ياسمين.. الشغل ده مش مجرد هاند ميد، ده فيه روح بتصرخ. إيه اللي واجعك للدرجة دي؟
توقفت يدها للحظة، لكنها لم ترفع عينها عنه، وردت ببرود مدروس
مفيش حاجة وجعاني يا أستاذ عبد الرحمن، أنا بس بحب شغلي وبديله حقه. فين الملاحظات اللي كنت عايز تقولها؟
اقترب عبد الرحمن خطوة، وقال بصوت خفيض
أنا ملاحظاتي المرة دي مش على الشغل، ملاحظاتي عليكي إنتِ. إنتِ بتهربي في الشغل من حاجة كبيرة، وكل ما تنجحي بشوف في عينك فرحة ناقصة، هي ايه بالظبط بصراحة مش عارف رغم امتناني للمحن اللي بتصنع احلى ابداع 
ارتبكت ياسمين، وجمعت خيوطها بسرعة وهي تقوم من مكانها
متهيألك.. أنا تمام جداً ومبسوطة بنجاحي. عن إذنك لازم أسلم القطعة دي للمخزن.
خرجت ياسمين وهي تشعر بأن أنفاسها تضيق، بينما ظل عبد الرحمن واقفاً مكانه، يدرك تماماً أن خلف هذا الإبداع المبهر حكاية وجع لم تُروَ بعد، وأنه مهما حاول نكشها فلن يصل لقلبها إلا إذا استطاع كسر هذا الدرع الذي تحتمي خلفه.
................................
كانت ياسمين كمن يمر بحقل ألغام وهي مغمضة العينين، لا تلتفت يميناً ولا يساراً، كل ما يشغل بالها هو خيوطها، تصميماتها، والنجاح الذي صار هو انتقامها الوحيد من تهميش الجميع لها. أما أحمد جمال، فلم يكتفِ بما فعله، بل صار يتمادى في بجاحته وكأن البيت صار ملكه، يدخل ويخرج متى شاء، ولسانه لا يكف عن إلقاء السم في العسل.
في مراتٍ كثيرة، كان يتصل بهاتف ياسمين بحجة أن سما لا ترد، أو ليدخلها في تفاصيل مشاكلهم السخيفة، وكأنه يريد أن يذكرها دائماً بوجوده. كانت ترد عليه باقتضاب يقطر جفاءً
يا أستاذ جمال لو سما تليفونها مقفول اطلب بابا، أنا مش وسيطة بينكم، وعندي شغل.
لكن القشة التي كانت ستكسر ظهر البعير هي تلك الرسالة التي وصلت لهاتفها في منتصف الليل، كلمات غزل صريحة وحنية مفرطة لا تليق إلا بلقاءٍ رومانسي. حين واجهته في اليوم التالي وهو جالس في صالتهم ببروده المعتاد، انفجرت فيه بعيداً عن أعين أهلها
أنت بتبعت الكلام ده لمين يا بني آدم أنت؟ احترم نفسك وخليك في خطيبتك، وإياك رقمي يظهر عندك تاني!
رد بابتسامة صفراء لا تفارق وجهه، وهو يرفع يديه ببراءة مستفزة
يا خبر يا ياسمين! أنتِ فهمتي إيه؟ دي رسالة كنت باعتها لسما وراحت لك بالخطأ، أصل الأسماء عندي جنب بعض، والواحد بيبقى مش مركز وهو بيكتب لحبيبته.. أنتِ قلبك أسود قوي يا ياسمين، خليكي فريش زي سما.
نظراته كانت تقول غير ذلك تماماً، كانت عيناه تلاحقها في ردهات الشقة، وتراقب نجاحها الذي بدأ يغير ملامحها ويجعلها أجمل وأقوى، كأنه نادم على اختياره السريع ل الطفلة المدللة حين رأى المرأة الناجحة التي ولدت من رحم الوجع.
حتى جاء ذلك اليوم 
كانت ياسمين قد خرجت من باب الشركة بخطوات متسارعة، وصوت رنين هاتفها لا يتوقف، وكأن جمال قد
فقد صوابه أو قرر أن يحرق ما تبقى لها من أعصابها. نظرت إلى الشاشة بغيظ وقهر، ثم وبحركة حاسمة ضغطت على زر الإغلاق تماماً. سألت نفسها بمرارة بيرن ليه دلوقتي؟ مش كفاية اللي عمله؟ مش كفاية النظرات والرسائل؟ ده بني آدم معندوش دم!
وقفت على
الرصيف في انتظار
 

تم نسخ الرابط