سليم الراوي
وجد إيصالات تحويل بنكي قديمة مبالغ كبيرة جداً محولة من حساب الشركة لحساب شخصي باسم كريم زهران، وتواريخها تطابق تماماً فترة اختفاء الفلوس وانهيار الشركة. والأهم من كل ده، وجد ورقة موقعة بتوقيع كريم نفسه، اعتراف فيها بأنه أخذ المبالغ، والنسخة دي كانت محتفظ بها عبد الرحمن كدليل في حال أي طارئ.
وجدتها! صرخ سليم من غير ما يشعر، ونورهان جرت عليه. ده الدليل يا نورهان! ده اللي كان محتاجينه من زمان!
كان الفرح غامر، لكنه ما استمرّ طويلاً. لأن في نفس اللحظة، رنّ هاتف سليم برقم غريب غير مسجل. ردّ، وسمع صوت رجل غليظ قوي ما يعرفه
ممتاز يا سليم مبروك لقيت اللي كنت بتدور عليه.
سليم تجمد ومسك الهاتف بقوة
مين معايا؟
أنا اللي بتدور عليه من خمسة عشر سنة يا ابن عبد الرحمن قال الصوت ببرود. أنا كريم زهران.
الاسم نزل عليه كالصاعقة. نورهان شافت تغير لون وشه وسألت بقلق
مين يا سليم؟
كريم همس سليم.
سمعني كويس كمل كريم. الدليل اللي لقيته ما يفيدكش حاجة لو حدّ حصل لحد من العيلة الكريمة. أنا عايزك تيجي تقابلني لوحدك. تيجي وتسلّمني الأوراق دي، وأنا أسيبكم في حال سبيلكم. تيجي ولا ما تيجي، فالقرار راجع لك. بس اعرف إن كل دقيقة بتعدي وأنت بتتردد، بتزيد الخطر اللي حاططه على راس بنت فؤاد وأبوها.
تهددني؟ قال سليم بغضب.
مش تهديد يا سليم ده حقيقة. أنا خسرت كتير بسبب أبوك، ومش هسمح لك تخليني أخسر أكتر. المقابلة الساعة 8 بليل، في المزرعة القديمة على طريق الإسكندرية. لو جيت ومعاك حد تاني أو بلغت الشرطة، فأنت اللي تكون السبب في أي حاجة تحصل لهم.
وأغلق الهاتف في وشه.
سليم وقف مش عارف يفعل إيه. لو رجع وما بلغش حد، ممكن كريم يخلص عليه ويخلص على الأوراق ويستمر في حرّيته. ولو بلغ الشرطة أو جاب معاه ناس، ممكن يضرب في نورهان وأبوها ويأذيهم. الحالة دي كانت مصيدة، وكريم عرف تماماً إنه إزاي يلعب على أوتار قلبه.
عايزني أروح قال سليم لفؤاد ونورهان بعد ما حكالهم المكالمة. لو ما رحتش، هو ممكن يأذيكم. ولو رحت، مش عارف هرجع ولا لأ.
فؤاد مسك بكتفه
مش هسيبك تروح لوحدك. ومش هنخاف منه. هنعمل حكمة.
وافقوا على خطة سليم يروح المقابلة لوحده ظاهرياً، ويحمل معاه نسخ من الأوراق، والأصل يبقى في مكان آمن. وفي نفس الوقت، فؤاد يكون بلّغ ضابط شرطة صديق قديم ليه واثق فيه، ويكون معاه رجال في مكان قريب من المزرعة، مستعدين يتدخلوا في اللحظة المناسبة. الخطر كان موجود، بس كان الخيار الوحيد المتاح.
الجزء الرابع في المزرعة القديمة المواجهة الأخيرة
الساعة 8 بليل، وصل سليم للمكان. المزرعة كانت قديمة مهجورة، والظلام غطّاها بالكامل، وما فيهاش غير ضوء القمر الخافت والريح اللي بتهبّ بين الأشجار. وقف في وسط الساحة، وبعد دقائق شاف باب المبنى القديم يتفتح، وطلّ منه رجل في الخمسينات من عمره، ملبس أنيقاً وعينيه حادة ده كريم زهران بالظبط كما كان يتخيله.
جيت قال كريم بابتسامة ساخرة. كنت واثق إنك هتجي. لأنك زي أبوك، بتخاف على اللي حولك. وده نقطة ضعفك.
أنا مش جاي أتكلم في الضعف قال سليم بثبات. الأوراق معايا. بس قبل ما أديك إياها، أريد أعرف الحقيقة كاملة. ليه عملت كل ده؟ أبوك كان خير عليك، آمن بك، وكنت تعاملت معاه كأخ وردّت الجميل ده بالقتل والسرقة؟
كريم ضحك بصوت عالٍ، ضحكة بلا روح
أنت شايف الحكاية بيضاء وسوداء يا سليم؟ الحقيقة إن عبد الرحمن كان عايز يسيطر على كل حاجة. أنا كنت شريكه فعلاً، بس هو حطّني في الهامش. الفلوس اللي أخذتها دي حقي وحقي وحق سنين عمري اللي ضيعتها معاه. وآخر حاجة كنت أتوقعها إنه يهددني ويقول عليّ للبوليس. كان لازم أوقفّه. وأنا ما قصدتش أقتله هو اللي أصرّ يواجهني.
أنت قتلته قال سليم بصوت بارد. سواء بقصد أو من غير قصد، يدك هي اللي سببت موته. وخمسة عشر سنة ونحن نعيش في جحيم بسببك. واتهموا بريء بدالك.
بريء؟ فؤاد كان عارف كل حاجة من الأول قال كريم بوقاحة. سكتّ عشان مصلحته. ما فيش حد بريء في الدنيا دي يا سليم. الكل بيلعب لعبة.
غلطان ردّ سليم. فيه ناس بتعيش بضمير. وأنت اللي خسرت كل حاجة عشان طمعك. أنا جايك النهاردة مش عشان أعطيك الأوراق جايك عشان تقف قدام العدالة.
كريم تغيرت ملامحه ونظر حوله
يعني جيت ومعاك حد؟ حطيت نفسك في مشكلة كبيرة يا سليم. أنا قلت لك لو تجرّأ تبلغ الشرطة
الشرطة هنا صوت جاء من وراء الأشجار، وطلّ الضابط ومعاه رجال مسلحين. وكلامك كله اتسمع يا كريم زهران. أنت متهم بالقتل والسرقة والتهديد، والكلام ده كله دليل عليك.
كريم حاول يهرب، بس الرجال أسرعوا منه وقبضوا عليه. وهو بيتمشي معاهم نظر لسليم وقال بابتسامة مرّة
انتبه لنفسك يا سليم الدنيا ما بتنتهيش هنا.
سليم وقف وحيد في وسط الساحة، والهواء اتخلّف ثقيلاً فوق صدره. خمسة عشر سنة من الكراهية والندم والبحث، وكلها خلصت في لحظة. أبوه أخذ حقه، وفؤاد اتبرأ من التهمة، والعدالة نزلت أخيراً. بس الثمن كان غالي جداً خسارة سنين، وألم قلب، وقرار خاطئ كاد يدمر حياة إنسانة بريئة.
سمع صوت خطوات وراه، لفّ ولقاها نورهان جاية وسط الظلام، وعيناها بتلمع بالدموع والفرح مع بعض. جت عليه مباشرة ورمت نفسها في حضنه، وضمّها بقوة كأنها بتحاول يتأكد إنها حقيقية وإنها معاه وما رحلت.
خلاص قال وهو يضمّها. خلاص كل حاجة انتهت. هو في أيد العدالة، ومش هيقدر يأذينا تاني.
نورهان رفعت راسها وبصّت في عينيه
وأنت؟ هل أنت راضٍ دلوقتي؟ انتقامك حصل؟
سليم هزّ راسه ببطء ومسح دمعة نزلت على خدها
ما كانش انتقام يا نورهان ده كان عدالة. والعدالة ما بتشبع القلب زي ما الحب بيشبعه. اليوم ده عرفت إن اللي رجعليش هو الفلوس ولا الشهرة اللي رجعلي هو إني قابلتك وعرفتك. حتى لو بدأنا بطريقة وحشة، أنا شايف إن ده كان قدر مكتوب.
الجزء الخامس بداية جديدة الحقيقة التي لم تُحكَ
بعد مرور أسبوع، استقرّت الأمور شويه. كريم زهران محبوس، والتحقيقات جارية، وبدأت الأوراق والحقائق تطلع واحدة ورا التانية. الفلوس اللي قدرش يصرفها كانت مجمدة ورجعت للعيلة، وسمعة عبد الرحمن وفؤاد رجعت نظيفة كما كانت.
وفي صباح هادي، كانت نورهان قاعدة في حديقة بيتهم القديم، بتشمس الشمس وهي حاسة إن الحياة بدأت من جديد. سليم جى جنبها وقعد، ومدّ لها ظرف صغير.
افتحيه قال لها بابتسامة هادية.
فتحته ولقت جواه ورقة قديمة مكتوبة بخط والدها فؤاد، وتاريخها يعود لستة أشهر قبل ما سليم يدخل حياتها أصلاً. قرأت الكلام بتركيز، وبعدها رفعت راسها له بدهشة
يعني أبويا كان عارف إنك هتجي؟ وإننا هنتجوز؟
سليم هزّ راسه بابتسامة خفيفة
كنت أنا اللي بدأت أخطط وأدور عليكِ عشان الانتقام، بس أبوكي كان أذكى مني.
من أول مرة سألت عنك، عرف نيتي. وسكت. وبدل ما يطردني أو يكشفني، تركني أقرب منكِ. لأنه كان عارف حاجة أنا اكتشفتها متأخراً جداً إنني محتاجكِ في حياتي أكتر ما أنا كنت محتاج انتقام.
وكنت تعرف؟ سألته بصوت خافت.
عرفت قبل ما أعرف الحقيقة عن كريم قال سليم بصدق. في ليلة من الليالي، كنت قاعد معاه، وقال لي كلام غريب وقته على قلبي، بس ما فهمتهش غير لما جيت لكِ وقلت لي الحقيقة. قال لي أقرب الناس ليكِ هو اللي تقدر تجرحه أشد الجرح وإن قدرت تحول الجرح لحب، تكون ربحت الدنيا كلها. كان بيكلمنا عنّا من أول يوم.
نورهان ضحكت والدموع في عينيها
يعني أبويا كان بيلعب بينا من تحت الماء؟
كان بيصونك وبيصونني في نفس الوقت قال سليم وأخذ إيدها في إيده. وده مش كل حاجة. في سر تاني قاله لي قبل كده، وما كنتش مصدّقه لحد ما شفتكِ النهاردة.
إيه هو؟
قال لي إن الحب ممكن يبدأ بأبشع الطرق، بس اللي يخلّيه حقيقي هو النهاية. وإنني لما شفتكِ أول مرة، ما كنتش شايف هدفك في الحقيقة كنت شايف بدايتك.
سكت شويه، ثم أكمل بصوت دافئ مليان بالحب الحقيقي
أنا اتجوزتك عشان أبوكِ في البداية صح. بس اللي خلاني أبقى معاكِ، اللي خلاني أتألم لما تألمتي، واللي خلاني أخاف عليكِ من كل حاجة ده مش كان بسبب الانتقام. ده كان بسببكِ أنتِ. نورهان، أنتِ اللي غيرتيني من جوايا، حتى قبل ما أعرف الحقيقة. ما كنتش عايز أعترف لنفسي، بس كنت بحبك. وكل يوم بيعدى بزيد بحبكِ أكتر.
نورهان بصّت فيه طويلاً، وشافت في عينيه الصدق اللي كانت تنتظره. ما كانش الكلام ده تعويضاً ولا اعتذاراً كان حقيقة طلعت متأخرة بس جت.
وأنا كنت بحبك حتى لما كرهتك قالت وهي تضحك بدموعها. كنت أقول لنفسي إني أكرهك، بس قلبي كان يعرف الحقيقة قبلي.
قام سليم وسحبها لفوق، ووقف قدامها بكل جدية، ومسك كتفيها
عايز أسألك سؤال ومش عايز جوابك عشان شفقة ولا عشان أي حاجة غير اللي في قلبك. نورهان السيوفي تقبلي نبدأ من جديد؟ من الصفر تماماً. سليم جديد، وحياة جديدة، وما بينا إلا الحب والصدق. ولا أحد يفرقنا تاني.
نورهان ابتسمت، ابتسامة ملأت الدنيا نوراً، وقالت بهدوء وثقة
قبلت.
قبضها بقوة ودار بها، وهي تضحك بين إيديه، وفي اللحظة دي حسّا إن كل الألم والخوف والكذب راح ورحل، وإن الباب اتفتح لدنيا جديدة ما فيها غير الصدق والحب.
وبعد شهور قليلة، ساروا معاً في حفل صغير جمع الأهل والأحباب، ليس زواجاً جديداً بالمعنى، بل تجديداً للعهد على أساس صلب من الحب والثقة. وقف سليم قدام الجميع ونظر لنورهان اللي بجانبه، وقال بصوت يسمعه كل واحد
دخلت حياتها بغرض التدمير ووجدت إنها هي اللي بنتني من جديد. الحمد لله اللي جعل الخير في طريقها ولقّاني بيها.
وعاشوا معاً، وعرفوا إن الحقيقة وإن كانت مؤلمة ومتأخرة، إلا إنها تظل الطريق الوحيد لحياة سليمة. وأن الحب أقوى من الكراهية، وأبقى من الانتقام، وأعمق من أي سر يمكن أن يُخفى.
وما بقاش من خمسة عشر سنة إلا درس واحد كبير إن الظلام ما يقدرش يطفي النور إلا لو سمحنا له وإننا مهما تعبنا وتأخرنا، النور بيرجع يطلع في الآخر.