سليم الراوي

لمحة نيوز


في بيت فؤاد، نورهان كانت قاعدة مع أبوها، وهو بيحكي لها القصة كاملة من أولها لآخرها عن كريم زهران، عن الخوف والصمت، عن الاتفاق بين عبد الرحمن وفؤاد إنهم يخفوا الحقيقة لحد ما يكبر سليم ويصير قادر يواجه الخطر ده. وفجأة سكت فؤاد ونظر لباب الشقة بقلق
الحقيقة يا بنتي في حاجة تانية ما حكيتها لحد، ولا حتى لسليم.
إيه يا بابا؟ سألتها نورهان بقلق.
فؤاد ابتسم بحزن، ومسك إيدها بين إيديه
أنا وعبد الرحمن كنا بنخطط لشيء من زمان حبّين نربط العيلتين ببعض، بس بطريقة تانية. وما كنتش عايزينينعشروا بقرارنا. وكنت عايزك تعرفي حاجة تانية عن زواجكم
الجزء الثاني السر المزدوج والعدو القريب
وصل سليم لبيت فؤاد، وقف أمام الباب ويده بتترعش لما دق الجرس. فتح له فؤاد، وما فيش في عينيه غضب ولا لوم، بس نظرة تعب وانتظار. سليم مقدّم خطوة وقال بصوت مهزوز
أنا آسف يا عمي فؤاد عرفت كل حاجة. والله ما كنت أعرف كنت عايش في كذبة كلها.
فؤاد مدّ إيده وحطّها على كتفه
أدخل يا سليم، الكلام ما بيتعملش برا. ونورهان جوا، وهي كمان عرفت نص الحقيقة. الباقي هنقوله مع بعض.
دخل سليم، ولقاها قاعدة في الصالة، عيناها حمراء من البكاء، ولما شافته حاولت تتمسك ببرودها بس عينيه خانقتها. وقف قدامها شويه، ثم انحدر على ركبتيه قدامها، ومسك إيدها بحرص كأنها هتتكسر بين إيديه
نورهان أنا آسف. آسف بكل معنى الكلمة. ما كانش لازم أجيك، ما كانش لازم أُدخلك في جحيمي اللي أنا عايش فيه. ظلمتك، وظلمت نفسي، وكرهت ناس يستحقوا الحب بدل ما أكره اللي يستحق الكره. سامحيني لو تقدرى.
نورهان سحبت إيدها بهدوء، وقالت بصوت خافت
المشكلة مش إنك كرهتني يا سليم المشكلة إنني حبيتك بجد. وكنت مستعدة أعيش معاك أي حاجة، بس أكون واثقة إنك معايا بقلوبك. واتضح لي إن كل حاجة كانت مخططة. صعب أصدقك تاني. صعب أثق فيك تاني.
أول مرة سليم يحس بالعجز ده كله. ما فيش كلام يرد اللي اتكسر، وما فيش اعتذار يمسح الألم اللي سببه. وفجأة سمع صوت فؤاد يقول بجدية
الاعتذار مهم، بس الوقت ده مش وقت دموع وندم. فيه حاجة أخطر من كل ده. الحقيقة اللي عرفتها يا سليم جزء منها بس. كريم زهران ما راح لبعيد. هو عايش وموجود، ولحد دلوقتي بيحاول يكمّل ما بدأه.
سليم قام بسرعة
يعني إيه؟ هو لسه حي؟ وبيعمل إيه؟
هو عايش في مصر، يتنقل بين المحافظات، وعنده علاقات وناس تحميه. وكل الفترة دي وهو يراقبنا أنا وأنت خصوصاً. لما عرف إنك رجعت القاهرة وبديت تبحث في أمور الشركة القديمة، بدأ يقلق. ولما اتجوزت نورهان، فهم إنك بتدور على الحقيقة، وإنك قربت تكتشفه. زواجكم ده خوفه أكتر من أي حاجة تانية.
سليم اتجمد
يعني هو ممكن يأذي نورهان؟
ده اللي أنا خايفه منه قال فؤاد بجدية. ولهذا السبب سكتّ خمسة عشر سنة. كريم ما يترددش في أي حاجة. عبد الرحمن مات مش بمرض ولا بحادثة كما كنا نقول هو قتله.
الكلمة خرجت من فؤاد وهزّت المكان كله. سليم حسّ بدوار، وسأل بصوت خافت
قتله؟ يعني موت أبوه ما كانش طبيعي؟
لا. عبد الرحمن كان صحيح، وفي يوم راح يقابل كريم لوحده عشان يواجهه ويطلب منه يرجع الفلوس ويسلم نفسه. ورجع مريض، ومات بعد أيام قليلة. الطبيب قال تسمم، وما لقوش سبب، وما قدرش يثبت حاجة. وكريم اختفى بعدها بفترة، والكل نسى الموضوع. بس أنا متأكد من ده. وعبد الرحمن نفسه كان عارف، ولهذا عمل التسجيل وخبّاه.
سليم مشى لشباك الغرفة ونظر لبرا، والغضب الحقيقي بدأ يشتعل جواه مش الغضب الأعمى اللي عاشه سنين، بل غضب صافٍ حقيقي تجاه الشخص اللي سلبه أبوه، خرب بيته، وخلاه يعيش حياة كدب وكره. وكل ده وهو يظلم ناس أبرياء.
لازم نبلغ الشرطة قال سليم بصرامة.
فؤاد هزّ راسه ببطء
ما عندنا دليل يا سليم غير التسجيل، والتسجيل ده كلام عبد الرحمن مش دليل إدانة. وكريم عنده محامين ونفوذ ومال كتير، ويمكن يخرج من أي تهمة بسهولة. واحنا لازم نكون حذرين، لأنه لو حسّ إننا قادرين نضره، هو هيكون أسرع منا.
وفي اللحظة دي، سمعوا صوت حركة غريبة في الشارع تحت البيت. سليم قرب من الشباك وشاف عربية سوداء واقفة من فترة، وما فيهاش لوحات أرقام. وشخص داخل العربية بينظر لبيتهم بالظبط.
هو هنا قال سليم بقلق. كريم أو ربّما رجّالته.
نورهان وقفت بجانب أبوها، وبدت خايفة بس ما استسلمتش للخوف. نظرت لسليم وقالت
لازم نكون مع بعض. لو هو عايز حاجة، فهو عايز كلنا ساكتين. ولو عرف إننا نعرف الحقيقة، ممكن يخاف ويحاول يضرّنا.
سليم نظر لها، وفي عينيه قرار جديد. مش عشان انتقام، وعشان حماية، وعشان العدالة اللي تأخرت خمسة عشر سنة.
هنعمل حاجة واحدة قال بثبات. هنكمل الطريق مع بعض. مش عشان شيء قديم، بس عشان نحمي نفسنا ونحمي اللي نحبه. وأنا مش هسمح لأي حد يأذيك يا نورهان مهما حصل.
نورهان بصّت فيه، ولأول مرة من ليلة الاعتراف، شافت فيه غير الراجل اللي عرفته. شافت فيه الراجل اللي كان ممكن يكونه لو ما كانش عاش في الظلام سنين. وبدأت تشعر إن فيه أمل صغير جداً بدأ يطلع من تحت الرماد.
الجزء الثالث الخيط الرفيع والمواجهة
الأيام اللي جت كانت ثقيلة ومليانة حذر. سليم فضل قريب من بيت فؤاد، وفي نفس الوقت بدأ يبحث بكل الطرق الممكنة عن دليل مادي يثبت تورط كريم زهران. راجع أوراق الشركة القديمة، الفواتير، الحسابات، كل حاجة ممكن تربط بين كريم وما حدث خمسة عشر سنة فاتت.
وكانت نورهان معاه أحياناً، تساعده، تشوف الأوراق، ووسط البحث بدأت المسافات تتقلص بينهم. كانوا يتكلموا كتير عن الماضي، عن الألم، عن الخوف اللي عاشوه كل واحد بطريقته. سليم حكالها عن شعوره باليتم والوحدة بعد موت أبوه، وكيف الكراهية كانت الدرع الوحيد اللي بيحميه من الانهيار. وهي حكاله عن خوفها الدائم من إن حياتها كلها مجرد حاجة مخططة، وكيف حاولت ترضى بالواقع لحد ما هو دخل حياتها وقلبها.
كنتِ عارفة إنني جايك عشان مصلحة في الأول؟ سألها سليم يومها بصوت خافت.
نورهان هزّت راسها
حسّيت ببرودك أحياناً، وبعدك عني في أوقات تانية. بس كنت أقول لنفسي هيتغير، حأقدر أغيره. حبّيتك بكل ما أملك، وكنت مستعدة أخسر نفسي عشانك. لما قلت لي الحقيقة، حسّيت إنني خسرت كل حاجة حتى نفسي.
مسك سليم إيدها بحنان
أنا مش هطلب منك تسامحيني بسرعة. بس حأثبت لك إنني تغيرت. والدهش، الحقيقة غيّرتني. مش عايز أكون الراجل اللي عرفتيه أول ما جيتك. عايز أكون الراجل اللي يستحقك.
ووسط كل الخطر والبحث، كانت اللحظات دي هي اللي بترد لهم الروح. نورهان بدأت تشعر بالأمان معاه تاني، وبأن الثقة ممكن تُبنى من جديد بصعوبة وببطء.
وبعد أسبوع من البحث المتواصل، وجد سليم ما كانش يتوقعه. في ملف قديم مهمل،
 

تم نسخ الرابط